fbpx

مرثيتي لإيمان عادل : المرأة التي تحمل اسمي ووجهي..

أصطدمتُ بهاشتاغ مع دعوات للقصاص من قاتل فتاة تحمل اسمي، وتبالغ المصادفة في أن الضحية لا تحمل اسمي فقط بل هي شابة ريفية مصرية، لديها طفل واحد ومتزوجة من غير مصري، مثلي تماماً.
الضحية إيمان عادل يوم زواجها – 2018

“الألم الجسدي لا صوت له، لكنه حين يجد في النهاية صوتاً يبدأ في حكاية قصة” هذه الجملة التي أطلقتها الباحثة الأميركية إلين سكارين في كتابها “جسد متألم” لم تكن ذات بُعد تطبيقي أقرب مما أصبحت عليه يوم السابع والعشرين من حزيران/ يونيو 2020، حينما أصطدمتُ بهاشتاغ بعنوان “حق إيمان عادل”. وترافق ذلك مع دعوات للقصاص من قاتل فتاة تحمل اسمي، وتبالغ المصادفة في أن الضحية لا تحمل اسمي فقط بل هي شابة ريفية مصرية، لديها طفل واحد ومتزوجة من غير مصري، مثلي تماماً. تماديت في النظر إلى تلك المصادفات بأنها إشارات، فجسدها المتألم يطلب أن يروي قصته وقصص أخريات يشتركن في سرديات متقاربة وربما تكون متطابقة، كتطابق اسمينا، ولا أبالغ في الظن بأن الإشارة الأكثر وضوحاً تأتيني من إيمان عادل نفسها “التقطي صوتي واحكي قصتي/ قصتنا فأنت المرأة التي تحمل اسمي”.

تخيلي يا إيمان أن المصادفة الزمنية هي نجاتي الوحيدة، ولدت قبلك بعشر سنوات

قبل أقل من شهرين من الآن كانت تغزل إيمان عادل سرديتها بلا صخب، على رغم أنها لم تتعافَ من عوارض الولادة وسوء التغذية. وبحسب رواية والدتها فقد سقطت إيمان مغمياً عليها أكثر من مرة  لضعف بنيتها الجسدية، بسبب إرضاع طفلها الوحيد (9 أشهر). تذكرتُ أنني قبل أشهر كنت أحمل هالاتي السود وأكابر من أجل إتمام فترة الإرضاع كاملة. كانت إيمان تكابر أيضاً، ولم يهزمها سوى لحظة السقوط التي ترى فيها المشهد أسودَ بالكامل، سوى من بعض النقاط البيض المتناثرة، مثل قناة انقطع عنها البث. أدرك  إحساسها حينما تنتعش بالبرودة والتعرق أثناء فقدان الوعي، وكأنها في استراحة روحانية على رغم التوعك، تستفيق فتهاب من إحباطها إذا لم ينتج ثدياها الحليب الكافي لطفلها، فتحاصر نفسها بمشروب الحلبة ومحفزات الإدرار الطبيعية. وعلى رغم ذلك فهذا ليس دورها الوحيد، على رغم جسامة العناية برضيع، فلديها شؤونها الدراسية كطالبة وإنجاز أبحاثها الدراسية في ظل أزمة “كورونا”، وشؤون منزلية من تنظيف وطهي، وزوج رأى فجأة أن عروسه الناعمة تبدلت بعد الولادة، وعليه أن يسعد نفسه بامرأة أخرى حاضرة الذهن متهيئة لسماعه، ليشعر دوماً أنه في الصدارة، وأنه البطل الأوحد في حياة أنثاه.

هناك رجال يا إيمان  لن يعترفوا في بيئاتنا الريفية بأنهم يغارون من تبدل الأدوار، يغارون حتى من أبنائهم الرضع، لا يعنيهم أنك قد تمرين باكتئاب ما بعد الولادة، لن تراودهم كوابيس مثل كوابيسك عن احتمال اختناق الرضيع وهو نائم بسبب الترجيع المعتاد. لن يلاحقهم كابوس الأم بأن رضيعها يسقط على الأرض، أو أنه سيختنق إن غفلت ونامت أثناء إرضاعه، لن يهلع من احتمال إصابة الرضيع بنزلة معوية، ومواعيد تطعيم اللقاحات لن تسبب له الهلاوس بسبب احتمال إصابة الرضيع بالسخونة المفرطة، غير معدلات نسيانك بسبب اضطرابات النوم، لن يطمئن أغلبهم سوى باتهام زوجاتهم بأنهن أصبحن غريبات الأطوار  منحازات للرضّع ومنهكات بالكامل.

كلانا يعلم أن آلامنا (نحن غالبية النساء) غير قابلة للمشاركة، آلامنا تُكبت فتهزم الذاكرة وتبددها على مهل، وإلين سكارين توافقنا في ذلك “الألم يقع من خلال عدم قابليته للتشارك، مقاومة الألم للغة هي التي تكفل عدم تشاركية الألم”. قالت والدتك يا إيمان إنك كنت صامتة لم تشتكي ولم تعترضي، على  رغم أن جسدك كان الأبلغ في تعبيره عن الألم بإغماءاته المتكررة، لكن أتعلمين كنت ستصابين بالفجيعة إذا أخبرت والدتك برغبة زوجك بالزواج من أخرى، والدتك قالت بعد وفاتك “وماله كان يتجوز تاني” هل كنت ستحتملين كل هذا الخذلان؟ ربما كانت مفجوعة بعد رحيلك وتمنت أن تصبحي رقماً في عدد زيجات زوجك على أن تموتي، أعلم أنك تشفقين عليها ولا توافقينني على استخدام كلمة خذلان، وأنك ترغبين في استبدالها بكلمة تعجيز، طبقات من الألم يا إيمان لا يتوقفون عن مراكماتها على كواهل بناتهم، وعلى رغم ذلك ترفقين بالجميع وهم يزجونك في حياة زوجية قبل دخولك سن العشرين  لتحتملي مسؤوليات تنوء منها الجبال وتراكمي الصمت وتواري الألم والصرخات.

كانت صرخاتك مكتومة يا إيمان فيما كان القاتل المأجور يحاول خنقك، وقد أتى به زوجك  لاغتصابك… بدليل أن الجيران لم يسمعوا صوتك، لم يسمعوا سوى صوت ابنك الرضيع وهو يصرخ ملقى على جسدك وأنت جثه هامدة، تخيلت أنك كنت راغبة في إطلاق هذه الصرخة الأخيرة بالتحديد، ليس بهدف طلب النجاة وحسب، بل لتهتكي هذا الصمت الطويل. كنتِ راغبة في أن يفيض صوتك ويندلق لتُغرق صرختك هذا العالم، لا أظن أنكِ اخترت الموت في لحظاتك الأخيرة، بالطبع كنت مفجوعة من تخيل إمكان النجاة لو نجوت، هل ثمة نجاة يا إيمان في وجه هذا المصير؟ امرأة نجح زوجها في وصمها واستأجر رجلاً كي يغتصبها ويصورها ليرغمها على الطلاق مع التنازل عن حقوقها. الزوج النذل قال بعد وفاتك إنه كان يرغب في تلطيخ سمعتك فقط لا قتلك، النذل كان يعلم أن مصيرك القتل عاجلاً أم آجلاً، بعدما يُذيع لأهالي القرية فيديوات اغتصابك، النذل لم يفكر في رضيعك، وهو بالكاد يتعلم المشي، حينما أصبح مشهد فطامه هو نفسه مشهد موتك.

الزوج النذل قال بعد وفاتك إنه كان يرغب في تلطيخ سمعتك فقط لا قتلك، النذل كان يعلم أن مصيرك القتل عاجلاً أم آجلاً، بعدما يُذيع لأهالي القرية فيديوات اغتصابك، النذل لم يفكر في رضيعك، وهو بالكاد يتعلم المشي، حينما أصبح مشهد فطامه هو نفسه مشهد موتك.

أتعلمين يا عزيزي أن صرختك زرقاء ولامعة؟ حتى لو كانت مكتومة صرختك تشبه الكدمة وتشبه البحر في الوقت ذاته، تحب أن تدخل ألين سكارلين في هذه التفصيلة بالتحديد لتقولها لك ليس من باب تطييب الخاطر  بل الإيمان بأن صرخاتك/ صرخاتنا لن تضيع سدى حتى إن نُسينا، إلا أن صرخاتنا ستقلب الكون كله، تقول إلين “يشير علماء عن صرخات بين مجرات لم تكشف بعد أو عن مجرات سيفرت – واحدة من مجموعتين من المجرات النشطة لها ثقوب سود هائلة في مراكزها- تقع فيها بين وقت وآخر أحداث عنيفة غير معروفة”. تخيلي معي هذا التخيل، صوتك الآن يا إيمان بين المجرات وصرختك على رغم ثقوبها السود، إلا أنها قادرة على الانضمام إلى مليارات الصرخات الجاهزة لتكوّن صيحة، مؤكد أنك سمعت عن عذاب الله للظالمين بالصيحة.

أعلم يا شقيقتي أن سماءنا الريفية صامتة وبليدة كلوحة بديلة عن سماء حقيقية، على رغم أنها كريمة، لكنها صدقاً ترشقنا بمائها رشق الحجارة، هل سمعتها من قبل تتكلم؟ هل شعرت أن لها روحاً أو آذاناً، أتخيل أنك كنت ترتاحين لها ليلاً حين يحشر القمر نفسه داخل أحد ثقوبها، ليضيء عالمنا نحن البنات، عالمنا الحالم ليلاً والمستعبد نهاراً. نحن بنات الريف يا إيمان  نهرب في وقت القيلولة إلى المصاطب والحقول لنتحدث وكأننا مشعوذات، صديقتي كانت تكتب الشعر كالسحر، ينسكب عليها في كل لحظة وفي أي وقت تحضر قلماً ودفتراً وتملأه كله بالأشعار  في جلسة واحدة، لدرجة أنها كانت تكمل كتابة الأشعار على ذراعيها وساقيها. هذه زوجوها لعسكري شرطة في قرية بعيدة لا يقوى على فك الخط، هشم لها هاتفها المحمول قبل أن يتما شهر العسل، حتى انقطعت أخبارها.  وصديقتي الأخرى ناحت كما لم تنُح نائحة حين وجدت كتب جدها المتوفى بساطاً لروث الدجاج، كانت تمسح الروث في ثيابها وتعتذر من الكتب، تعتذر بوجل حقيقي، نحن خصبات جداً يا إيمان وأتخيل كم كنت خصبة وصامتة.

تخيلي يا إيمان أن المصادفة الزمنية هي نجاتي الوحيدة، ولدت قبلك بعشر سنوات، هذه المصادفة هي التي جعلتني شابة وقت قيام الثورة ، وجعلتني أرى للمرة الأولى  سماءنا في الريف تتشقق ويتقشر لونها  الأزرق لأرى ضوءاً غير متناهٍ يبتلعني ويبتلع بنات كثيرات، كنت صغيرة بالكاد تغادرين المدرسة الابتدائية، بينما كنا نزلزل الأرض على وقع كلمة “ارحل”، كنا نعلم أننا نحاكم الجميع، من استعبدونا وهم على كرسي الحكم، ومن استعبدونا ونحن نأكل معهم في طبق واحد وتحت سقف واحد، هربت يا إيمان وأنت كنت صغيرة على الهروب،  تخيلي لو تبدلت الأدوار وكنت أنا من ولدت بعدك بعشر سنوات، كنت ستكتبين مرثيتي ربما…

إيمان تفصلنا جسدياً الآن صحراء وساعتان وقيظ وجسر، لكنك أبعد بين المجرات، وأقرب إلي قُرب اسمي من اسمك وسرديتي من سرديتك، شقيقتي ما معنى أن تأتيني في الحلم أيام كتابة مرثيتي لكِ، صديقات كثيرات  منهن  زرنني للمرة الأولى منذ عقد أو  أكثر، كلهن يحملن اسمنا، أعلم أنك ستصدقين أن هذه ليست لعبة سردية بل حقيقة. 

لن أستطيع أن أحصيهن، لكن على رغم عددهنّ الكبير ومآسيهن، كن كلهن واحدةً، وكانت أسماؤهن جميعا أنتِ، إيمان عادل.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني