fbpx

الإقصاء والطرد كردّ على حرية التعبير : من يقررّ الصواب؟

هل هناك خطرٌ يهدّد حرّيّة الرأي؟ وهل يجب تلقين بعض الناس درساً كي لا يتفوّهوا بما قد يشكّل خطراً على الآخرين؟

يعتبر البعض أنّ اندفاع قسمٍ كبيرٍ من الناس نحو مهاجمة (أو محاولة إلغاء) من أدلوا بأرآء مغايرةً أو مثيرةً للجدل، وأحياناً مبطّنة لأهدافٍ غير معلومة، أمرٌ غير مقبول وانفعالي، ويعبّر عن فهمٍ طفوليٍّ وعاطفيٍّ للأمور وقلّة استيعابٍ لمبدأ حرّيّة التعبير المتاحة للجميع. 

نبدأ مع ما يحصل في الولايات المتّحدة الأميركيّة، فالمعركة مشتعلةٌ ومحتدمةٌ بين فريقين يتباريان على مدى أخلاقيّة الآخر، وتدور في الفلك مفاهيم كثيرةٌ، ويتّهم بعضهم بعضاً بمحاولة إقصاء شخصٍ أو مجموعةٍ من الأشخاص، عبر قمع حرّيّاتهم وإلغائهم على “تويتر”، ونزع حقّهم بالتغريد. في المقابل، يشكو آخرون من أنّ هذه التغريدات تحوي عنصريّةً مبطّنةً، أو تقلّل من شأن المشكلات العنصريّة التي تعاني منها البلاد (وإن كانت التغريدات دراساتٍ علميّة، أو إحصاءاتٍ قد تُستنتج منها خلاصاتٌ تجعل لمشكلة العنصريّة والعنف المفرط للشرطة عوامل غير العنصريّة تجاه ذوي البشرة السوداء). 

قد تكون الحرب الثقافيّة من الحروب التي لا يعيرها كثيرون اهتماماً، لكنّها فعليّاً تأخذ ارتداداتٍ على أصعدةٍ كثيرة. وهي انعكاسٌ لمختلف المعتقدات والأفكار السائدة في المجتمع.

تتبلور معارك هذه الحروب بسياساتٍ فعليّة، في مختلف مؤسّسات الدولة (الأكاديميّة والثقافيّة)، من طريق قواعد وقوانين صارمة داخل بيئة العمل، إضافة إلى إلغاءٍ على منصّات مواقع التواصل الاجتماعي وفي دوائر الأكاديميا والصحافة. 

ما معنى ثقافة الإلغاء؟

هي نوعٌ من المقاطعة، أو المخاصمة، تحصل على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقوم بها عددٌ كبيرٌ من المغرّدين والمغرّدات كإدانةٍ جماعيّة وردّ فعلٍ على تغريدة لشخص، بالنسبة إليهم غير صحيحة، أو تتعارض أخلاقيّاً مع المبادئ الإنسانيّة، ويمكن أن تكون ضدّ أيّ عملٍ يقوم به شخصٌ معيّنٌ يخالف الرأي العام أو الأخلاق السائدة في مجتمعٍ ما، أو بين جيلٍ معيّن، أو جوٍّ ثقافيٍّ سائد. فعلى سبيل المثال: قد يتعرّض شخصٌ للـ”كنسلة” أو الإلغاء بسبب تغريده/ها لرأي يقلّل من شأن معاناة السود في الولايات المتّحدة، أو يجعل من عدم المساواة بين الرجل والمرأة أمراً طبيعيّاً لا يجب الاستياء منه، أو بسبب تفوّهه/ها بكلامٍ مشينٍ وفوقيٍّ أو ينشر خطاب الكراهيّة تجاه فئةٍ معيّنةٍ من الناس. إضافةً إلى ذلك، قد يتعرّض نجوم وفنّانون/ات في بلدٍ ما لحملات إلغاء، وذلك بسبب مناصرتهم/هنّ وتلميعهم/هنّ صورة السياسيّين بوجه خيارات الشعوب والناس. يعتقد كثيرون، ممّن يؤمنون بفعاليّة الإلغاء الرقميّ والفعليّ، أنّ هناك شخصيّات وجهات يستحقون الإلغاء وذلك لكي يدركوا مدى إخفاقهم وتأثير تغريداتهم في نفوس متابعيهم وآرائهم، وانعكاساتها في الحياة الواقعيّة واليوميّة للناس، من خلال ممارساتهم الاجتماعيّة الفعليّة. 

وعلى عكس الكثير من الصحافيّين/ات والمفكّرين/ات هنا وهناك، الّذين يربطون ثقافة الإلغاء بالتطرّف اليساري، هي ليست حكراً على من يعتبرون أنفسهم يساريّين فقط. شهدنا الكثير من حملات الإلغاء المحلّيّة والعالميّة التي يقف خلفها ليبيراليّون ويمينيّون ومتطرّفون دينيّاً. فطالما هناك رأي ورأي آخر، سيظلّ النقاش قائماً، وستبقى هناك آراء تثير الجدل، وقد تحفّز حملة إلغاء من الطرف المعارض لها. 

حبّذا لو يوقف مدّعو الانفتاح بكاءهم على أطلال الحرّيّة ونفاقهم اليومي، وهم يطبّلون لذلك الطاغية أو لتلك المملكة، حيث يخطف الصوت الآخر ويختفي صاحبه عن الوجود كلّياً. 

لا نقاش بعد اليوم؟ 

في المقلب الآخر، يحاجج المعترضون ثقافة الإلغاء بالدفاع عن حرّيّة الرأي والتعبير، ويرون أهمّيّة أن يظلّ النقاش وتبادل الأفكار قائمين، كي لا يتوقّف التقدّم الفكريّ للمجتمعات، وحتّى نتمكّن من تمييز الجيّد من السيّئ. فالبعض يعتبر أنّ “ثقافة الإلغاء” هي مجرّد وسيلةٍ لتحقيق غاية – تسيّس للحياة اليوميّة – تثبت من خلالها وسائل قسريّة لنظام أخلاقيّ جديد ومختلّ، من قبل نخبة صغيرة غير خاضعةٍ للمساءلة. ما يتّفق عليه الكثير من الكتّاب والصحافيّين/ات والجامعيّين/ات، ومن أعلنوا في رسالةٍ نُشرت في مجلّة “Harper’s”: هو قلقٌ عام على حرّيّة الرأي والتعبير. وقد أشاروا فيها إلى التخوّف من عدم التسامح مع الآراء المتعارضة، ورواج التشهير والنبذ العام، والقلق من تقييد التبادل الحرّ للمعلومات والأفكار، ما يعتبر شريان حياة المجتمع الليبيرالي. إضافةً إلى الميل إلى حلّ قضايا السياسة المعقّدة عبر يقينٍ أخلاقيٍّ أعمى. وقّعت الرسالة شخصيّات معروفة أبدت اهتماماً كبيراً بالقضيّة، وأكّد هؤلاء أنّهم غير معنيّين بأنفسهم فقط؛ فهم لديهم القدرة والمساحة للتعبير، ولكنّهم يدافعون عن حقّ سائر الناس في التعبير عن أرائهم والخوض في النقاشات وتبادل الأفكار، من دون أن يكون في ذلك خطرٌ عليهم أو على وظائفهم أو مستقبلهم في المجتمع. 

من يقرّر ما هو الصواب إذاً؟

قد يصعب الفصل في مواضيع كهذه. ثمّ، إنّ طرد شخصٍ ما من وظيفته كعقابٍ على رأيه غير الصائب، أمرٌ لا يحدث بسبب إلغائه/ها على “تويتر” أو “فايسبوك”. إنّما علينا أن نتذكّر أنّ ادّعاء التقدّميّة والانفتاح في يومنا هذا، من أكثر وسائل الدعاية والتسويق لكبرى شركات العالم. فتقوم هذه الشركات بطرد صغار موظّفيها بسبب آراء وأفكار تبنّوها، لتبقي على كبارها وفكرها الذي هو في الأساس أكثر ضرراً من تغريدة الموظّفين الصغار.

فما هو الموقف الصائب؟ وهل هناك خطرٌ يهدّد حرّيّة الرأي؟ هل يجب تلقين بعض الناس درساً كي لا يتفوّهوا بما قد يشكّل خطراً على الآخرين؟ 

إنّ هذه الأسئلة مترابطةٌ. فقد يكون الموقف صائباً أو صوابيّته نسبيّةً، وقد تكون للرأي الآخر نسبيّته الصائبة أيضاً، فتختلط الأمور ويصبح من الصعب الوصول إلى أيّ مكانٍ فعلياً. أمّا بالنسبة إلى حرّيّة الرأي، فإنّ الذين يمارسون الإلغاء، يعتبرون أنّه الوسيلة الوحيدة المتاحة لديهم لكسر موازين القوى والعلاقات بينهم وبين من يخالفهم الرأي. فعلى سبيل المثال: حملات الإلغاء ضدّ العنصريّين أو الذكوريّين قد تكون من الوسائل القليلة للمجابهة، لتفعيل عقابٍ مجتمعيٍّ، في ظلّ غياب العدالة الحقيقيّة ضمن الدولة أو المجتمع. فالخطر الذي ينتج أو ينشر أفكار وآراء قد تجمع زخماً حقيقياً وتترجم كأفعالٍ في المجتمع، إمّا تؤذي أناساً وجماعاتٍ مستضعفة، أو تساهم في إعادة تثبيت علاقات الاستغلال والتمييز القائمة. إنّ حرّيّة التعبير لن تتهدّد، والنقاش لن يقف، وسيبقى بمقدور الجميع إبداء الرأي. لا تقلقوا! وحبّذا لو يتفهّم من يدافع عن رموز عصر التنوير وقدسيّة النقاش وأفكارهما، أنّ في زمننا هذا، لا يزال هناك أناس يختبئون وراء العلم والموضوعيّة، متسلّحين بحرّيّة التعبير والتقدّم الفكري، معتبرين أنّ الكلام لا تأثير سلبياً له، وأنّ حياة الناس ومعاناتهم يمكن أن تحتمل وجهات نظر هذا وذاك في أبراجهم العاجيّة. فيتجاهلون قدرة انتشار الأفكار المنتهكة لأخلاقيّات مجتمعاتنا الإنسانيّة المتنوّعة، والمضرّة بالفئات المستضعفة والأقلّيّات التي لا حقوق لها أساساً، ليلقوا يميناً ويساراً ما قد ينجم عنه ضررٌ فعليّ. حبّذا لو يوقف مدّعو الانفتاح بكاءهم على أطلال الحرّيّة ونفاقهم اليومي، وهم يطبّلون لذلك الطاغية أو لتلك المملكة، حيث يخطف الصوت الآخر ويختفي صاحبه عن الوجود كلّياً. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يمرّ قطاع الرعاية الصحّيّة في لبنان حالياً بمرحلة صعبة للغاية، تحت وطأة أزمة كورونا من جهة، وفي ظلّ عجزٍ عن التنبّؤ بالظروف الماليّة والنقديّة للبنان من جهة أخرى.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني