fbpx

رحلة العلاج المؤجّل… صراع من نوعٍ آخر يواجه السوريين في مصر!

يكشف هذا التحقيق على مدار سبعة أشهر، أن ضعف الرعاية الصحّية المقدّمة للاجئين السوريين في مصر، من "مفوضية اللاجئين" وشركائها، أدّى إلى تفاقم المشكلات الصحّية لديهم وإصابتهم بعاهات دائمة.

في أيار/ مايو عام 2016 وصل إخطارٌ إلى السلطات المصرية يفيد بمحاولة 300 شخص التسلل إلى قارب صيد قاصدين الهجرة غير الشرعية من الإسكندرية إلى أوروبا، تحركت القوات إلى الموقع وألقت القبض على الجميع من بينهم عائلة جمال تيسير، سوري الجنسية.

كان سبب هجرة تيسير وعائلته، الرغبة في الحصول على علاج لعينيه، بعدما فقد النظر بشكلٍ شبه كامل في عينه اليسرى بسبب عجزه عن إجراء جراحة في مصر، فيما لم تتجاوب “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” مع نداءاته، كما يقول لفريق التحقيق. 

عانى تيسير من هبوط (المياه البيضاء) على عينيه، حُزناً على نجله عمرو الذي قُتل في سوريا.

وبعيداً من عين تيسير اليُسرى، التي فقدت قدرتها على البصر بشكلٍ شبه كامل، قابل معدّا التحقيق 12 لاجئاً سورياً في مصر، عانوا من مشكلات صحّية مستعصية، لكنّهم فشلوا في الحصول على العلاج، بعد اتصالات مع المفوضية، في حين اقتصرت خدمات وزارة الصحة المصرية على تقديم الاستشارات الأولية فقط، طبقاً لبروتوكول التعاون مع مفوضية اللاجئين.

يكشف هذا التحقيق على مدار سبعة أشهر، أن ضعف الرعاية الصحّية المقدّمة للاجئين السوريين في مصر، من “مفوضية اللاجئين” وشركائها، أدّى إلى تفاقم المشكلات الصحّية لديهم وإصابتهم بعاهات دائمة، فضلاً عن محاولة البعض المغامرة بحياته وركوب “قوارب الموت” بحثاً عن العلاج في دولٍ أوروبية.

ويفاقم المشكلة، أن المفوضية تبرعت بمبلغ 4.5 مليون دولار، أي ما يعادل 68 مليون جنيه مصري خلال الفترة ما بين 2014 – 2018، إلى وزارة الصحة المصرية في صورة دعم طبي لـ19 مستشفى ومركزاً طبياً، لتحسين الخدمة الصحية المقدمة للسوريين، ولكن خلال بحث معدي التحقيق، تبيّن أن 12 من هذه المراكز تقع بعيداً من أماكن تجمع اللاجئين ويصعب الوصول إليها.

كما يكشف هذا التحقيق في جانب آخر، عن ضعف التنسيق بين المفوضية وإدارة المستشفيات المتعاقدة معها في علاج الحالات الإسعافية والحرجة من اللاجئين السوريين، ويتم طرد المريض بعد 48 ساعة في حالة عدم تواصل المفوضية للتنسيق في دفع تكاليف العلاج.

“أكثر من 80 في المئة من اللاجئين في مصر يعيشون حياة بائسة”، هكذا قالت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في مصر في تقريرها الصادر في شباط/ فبراير 2019.

ويلزم دستور “منظمة الصحة العالمية” الحكومات بأن تهيئ الظروف التي يمكن فيها لكل فرد أن يكون موفور الصحة قدر الإمكان.

وتنص الفقرة الأولى من المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة له ولأسرته، ويشمل المأكل والملبس والمسكن والرعاية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية”.

وتجرم المادة 18 من الدستور المصري الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة.

يقول تيسير النجار، رئيس “الهيئة العامة للجالية السورية في مصر”: “إن اللاجئين في مصر عموماً يواجهون صعوبات في الحصول على الخدمات الصحية والغذائية والدعم المادي، حتى أنه ذهب إلى المفوضية أكثر من مرة لعرض المساعدة والتعاون، إلا أن مسؤولي المفوضية رفضوا مقابلته”.

يبلغ عدد اللاجئين السوريين في مصر حوالى 500 ألف لاجئ، بينهم 130 ألفاً مسجّلون في مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، وتقول المفوضية إنها قدمت 175 ألف استشارة طبية عام 2018، وانخفض العدد في 2019 إلى 150 ألف استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.  

رحلة غير موفقة

كان جمال تيسير (60 سنة) يعمل في بيع التحف الفنية، ويحقّق دخلاً جيداً، ولكن بعد اندلاع المعارك وحصار بلدته في ريف دمشق انتقل إلى مصر في أواخر عام 2011، هناك سجّل تيسير نفسه في المفوضية، حيث كانت زوجته تحصل على مساعدة مالية بقيمة 455 جنيه مصري (40 دولاراً) شهرياً ولكن هذه المساعدة توقّفت بعد ستة أشهر بلا أسباب.

عام 2015، هبطت مياه بيضاء (الساد وهي عتامة تصيب عدسة العين) على عيني جمال نتيجة الحزن على وفاة ابنه، حاول الاتصال بالمفوضية لتوجيهه إلى مستشفى تابع لها، إلا أنها لم تتجاوب مع اتصاله كما لم تسمح له بدخول مقرها.

فحص نفسه في مستشفى حكومي وسط القاهرة، وبعد الفحوص الأولية أخبره الطبيب أنه يحتاج إلى عملية جراحية لإزالة المياه البيضاء المتراكمة في عينيه بشكل سريع حتى لا تسبب له مضاعفات أخرى تصل إلى فقدان النظر.

يقول تيسير: “وافقت على العملية، وحددوا موعد إجرائها، كل أسبوع يتم إجراء عملية لإحدى العينين، وعندما ذهبت إلى الموعد قالوا لي “أنت سوري مش هينفع نعمل العملية”، على رغم أن المستشفى الحكومي يجري هذا النوع من العمليات للسوريين واللاجئين على ما تنص المادة 18 من الدستور المصري التي تجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة”.

أكثر من 80 في المئة من اللاجئين في مصر يعيشون حياة بائسة.

“لكل مواطن الحق فى الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للصحة لا تقل عن 3 في المئة من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجاً حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطي الأمراض، وينظم القانون مساهمة المواطنين أو إعفاءهم منها طبقاً لمعدلات دخولهم. ويجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. وتلتزم الدولة تحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين في القطاع الصحي. وتخضع جميع المنشآت الصحية، والمنتجات والمواد، ووسائل الدعاية المتعلقة بالصحة لرقابة الدولة، وتشجع الدولة مشاركة القطاعين الخاص والأهلي في خدمات الرعاية الصحية” وفقاً للقانون.

وفر تيسير من قوت يومه جزءاً من تكاليف العملية الأولى التي بلغت 4800 جنيه ما يعادل 600 دولار آنذاك، واقترض الجزء المتبقي، ليجريها لدى طبيب خاص بالقرب من سكنه في الحي السادس في مدينة أكتوبر. وأجرى العملية الأولى في عينه اليمنى التي عادت إلى طبيعتها، أما عينه اليسرى فتفاقمت حالتها وفقدت البصر فيها بشكل شبه كامل.

لم يستطع جمال إجراء العملية لعينه الثانية، فقرّر الفرار بعائلته عبر البحر إلى أوروبا بشكل غير شرعي، تعرّف إلى مهرّبين (نزار وأسامة) اتفق معهما على آلية التهريب ولكن كان الأمن المصري ينتظرهم واحتجزهم لمدّة 20 يوماً.

عاودت أسرة جمال محاولة الهجرة مرّة أخرى في تموز/ يوليو 2016، لكن القارب غرق وأُعيدوا إلى مصر.

استغاثة بلا إجابة

على مدار 4 أشهر حاول أبو شريف النجار مراراً التواصل مع مفوضية اللاجئين، لتحديد موعد مقابلة معهم، للمطالبة بإجراء عمليتين جراحيتين لنجل شقيقه شريف (22 سنة)، من دون أي رد.

أصيبت يد شريف النجار في ضواحي مدينة دمشق في أيار/ مايو 2013، إثر سقوط قذيفة صاروخية، نُقل على إثرها إلى مستشفى ميداني قرب دمشق، الأطباء حاولوا إنقاذ يد شريف من البتر، لكن الشظية تسببت في قطع الأوتار والأعصاب ما اضطر الأطباء لبتر يده، التي التهبت لاحقاً وتسببت في تشوه الجلد، فتوجه به الأهل إلى طبيبٍ، أشرف على علاجه حتّى أصبح شكل يده يشبه المثلّث.

على رغم بتر يده، طُلب شريف إلى الخدمة العسكرية في سوريا وبات مطارداً ففرَّ إلى مصر، مع أسرته في تشرين الأول/ أكتوبر2013 ليبدأ رحلة معاناة أخرى مع مفوضية اللاجئين.

حاولت عائلة شريف الاتصال بالمفوضية لتركيب طرف اصطناعي لابنها مرّاتٍ عدة عبر الهاتف من دون تجاوب، فيما لم يُسمح لهم بالدخول إلى مقر المفوضية.

https://lh6.googleusercontent.com/M5xXIOr3Y-84oGb-BTiPv8d4WrHQ3xGNLhDiRltT5NpWE7a4JbrBvSDYg4ckHAdCyIyHF35Pngig6elnXwxYs1LsShN0mxf77SOEu6h5DcibFDn_wOleqwUqdzgSdVF75wyvvfyyRUr3Hwd70Q

يقول الطبيب علاء موسى الموظّف في وزارة الصحة المصرية والذي عرضنا عليه الحالة: “إن شريف يعاني من تشوه في اليد ويحتاج إلى عملية تركيب طرف صناعي متحرك، إضافة إلى تدخل جراحي آخر لمعالجة التشوهات وتجميل مكان الإصابة، حتى لا يتسبب له ذلك في هيجان عصبي أو أذى نفسي”.

 ذهب أبو شريف إلى مفوضية اللاجئين في حي الزمالك وسط القاهرة، صباح 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، لمراجعة حالة ابن شقيقه شريف، إضافة إلى تقديم طلب لتجديد الإقامة، دخل بعد عمل استمرّ لأربعة أشهر للحصول على موعد مقابلة اتصل خلالها مراراً  بالمفوضية عبر الخط الساخن الذي يكلّف كل اتصال منه 1.5 جنيه مصري، استغرقت المقابلة أكثر من ساعتين.

يقول: “لم يهتم الموظفون بالمفوضية لمشكلتي ولم يسمعوا شكواي، إضافة إلى أنّهم قاموا بتجديد إقامتي لستة أشهر انتهى منها أربعة أشهر مسبقاً خلال محاولة تنسيق المقابلة”، أمّا بالنسبة إلى مطلب علاج ابن شقيقه فكانت الإجابة “ليس لدينا علاج من هذا النوع”.

 ضعف التنسيق بين المفوضية والمستشفيات

“من المفترض أن يكون لدى السوريين مستشفى خاص بهم، حتى لا يحدث مثلما حدث مع والدتي حين تعرضت لجلطة طارئة” يروي محمود ادريس معاناة والدته في رحلة البحث عن علاج.

رفض المستشفى الحكومي استقبال والدة محمود لأنّها سورية الجنسية، وأخبره أن لا علاقة له بالمفوضية علماً أن وزارة الصحة ومفوضية اللاجئين اتفقتا على أن حالات الطوارئ تقدم لها الإسعافات والعلاج لمدة 48 ساعة مجاناً، ولكنه لم يجد ذلك في المستشفى.

أصيبت أمينة بشرخ في الحوض قبل 6 سنوات في سوريا أثناء ركضها مع عائلتها هرباً من القصف على منطقة صلاح الدين في محافظة حلب، طلب أولادها العلاج من المفوضية خلال استخراج أوراق اللجوء، فأحالتهم إلى مستشفى محمود الذي لم يكن يقدّم هذا النوع من العلاج، وعندما طلبوا من المفوضية إحالتهم إلى مستشفى متخصّص، رفضت على ما يقول أولادها.

https://lh3.googleusercontent.com/FQgos_MJWwNg_JoNUVAXbIlXlhxWv2Gf_wQsCFXbEZSO5A5-hNKu8f89RfkaVzq0BTKgubOnYkokZuLkaSqSDMWpTV8SAuS6pp6fG_U1mtZFLSjv5baTHJFn-HhlLRq4Ish0mo9xSAJIK0K9HA

في 2015 تعرضت لجلطة حادة في البطين الأيمن للقلب، نُقلت على إثرها إلى مستشفى تخصصي مرّة أخرى.

حاول أولادها التواصل مع المفوضية لعلاج الأم لكنها رفضت بحجة عدم اختصاصها في علاج مثل هذه الأمراض، ما أجبرهم على إسعافها على نفقتهم بتكلفة 5 آلاف جنيه (340 دولاراً) لليلة الواحدة.

في شهر تموز/ يوليو 2019 تعرضت أمينة لجلطة مضاعفة بالقلب نُقلت على إثرها لوحدة رعاية القلب في مستشفى جامعي، لأن المستشفيات التي تتعاقد معها المفوضية لا تدعم عمليات جراحة القلب، وذلك وفقاً للدليل الصادر عن مفوضية اللاجئين في كانون الأول/ ديسمبر 2019، الذي حصر الرعاية الصحّية المقدّمة برعاية الأمومة وصحة الطفل، إضافةً إلى الرعاية الصحية الأولية (فحوص)، واستشارات الأمراض الحادة والمزمنة.

بلغت تكلفة العملية نحو 9200 جنيه مصري (600 دولار) وعانت أمينة بعدها من “سرعة نبضات قلب”، توجه ابنها إلى مستشفى غير متعاقد مع المفوضية، ولكن في حال وصول مرضى من اللاجئين إليه فإنه يقوم بإخطار المفوضية.

اقترح طبيب المستشفى على أولاد أمينة علاجها (منزلياً) عبر شراء اسطوانة أوكسجين وبعض المعدات الطبية لمراقبة الحالة بصفة مستمرة، من المنزل وذلك بعد إخضاعهم لتدريبات تمريضية.

يوضح تيسير النجار أن المعايير التي تتخذها المفوضية لاختيار اللاجئين الذين تقدم لهم الخدمة الطبية، قد تكون نظرياً صحيحة لكن على أرض الواقع هي خاطئة، موضحاً أنّه في حالات نادرة تدفع المفوضية جزءاً من تكاليف الكشف في المستشفى، أي ما يعادل 50 إلى 70 في المئة، فيما الـ30 في المئة الباقية يدفعها المريض وهي توازي الكشف لدى أي طبيب خاص بعيداً من المفوضية، بهذا الشكل يكون اللاجئ غير مستفيد من الخدمة.

المعاناة الطبية!

“المفوضية أرسلت موظفيها أربع مرات لتقييم حالتي، وكل مرة يقولون لي أنت تستحق المساعدة، لكن كله كلام فارغ… فين حقي؟” يسأل أبو هيثم اللاجئ في مصر، والذي أُصيب بربو حاد، وتآكل في مفاصل قدميه.

دخل أبو هيثم مركزاً صحّياً في القاهرة في الثلاثاء 26 مايو/ آيار 2015 لإجراء فحوص طبية بعد شعوره بألم في مفاصل ركبتيه وربو حاد.

المركز الصحّي من المراكز التي خصصتها وزارة الصحة لاستقبال اللاجئين ولا تحتاج إلى إحالة من المفوضية.

أجرى الطبيب معاينة أولية لأبي هيثم وأظهرت تعرّضه لخشونة مفرطة بقدميه، وربو حاد في صدره تطور إلى مشكلة في الرئتين.

وصف له الطبيب الدواء وحصل عليه من صيدلية المركز بالمجان، وبعد تناوله بدأت قدماه تتورمان، ما نتج عنه تآكل في العظام، وبات يحتاج إلى إجراء عملية جراحية لتركيب مفاصل صناعية حتى يتمكن من الحركة بشكل طبيعي.

يعاني أبو هيثم من خمسة أمراض (الربو، خشونة العظام، البروستات، ضغط، سكّري)، ويقول إنّه لم يتلقَّ أي مساعدات من مفوضية اللاجئين، على رغم أن موظفيها فحصوا حالته أربع مرات في منزله، وأقرت المعاينات بأحقيته في صرف المساعدات إلا أن واقعه لم يتغير.

في 2015 اعتقلت قوات النظام أبي هيثم ونجله، واقتادتهما إلى “فرع فلسطين” في دمشق، حيث ظلا معتقلين 20 يوماً، بعدها أفرج عن الأب وبقي الابن 11 شهراً، تعرض خلالها للتعذيب.

لم يكن حزن أبي هيثم على نجله هذا فقط، بل على ابنته أماني والتي تعاني من ضمور في المخ، ومشكلة في الغدة الدرقية وقصور في أطراف اليدين والقدمين.

 أصيبت أماني بإعاقة كاملة وباتت غير قادرة على الحركة، إضافة إلى إصابتها باكتئاب نفسي حاد، نتيجة تأخر علاجها الذي رفضت المفوضية تحمل تكاليفه، لأنها لا تجري مثل هذه العمليات للاجئين بحسب دليل الخدمات الصحية.

المفوضية أحالتها إلى جمعية “كاريتاس” لتعالجها “نفسياً” فقط، وتقدم لها علاجاً شهرياً بقيمة 450 جنيهاً ما يعادل 30 دولاراً، لكنها لم تتحسن بسبب ارتباط مرضها النفسي بحالتها الصحية، بحسب الدكتور شهير المتخصص بالصحة النفسية في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية الحكومي.

تحتاج أماني إلى تدخلات جراحية لعلاج ضمور المخ، إضافة إلى استئصال جزء من الغدة الدرقية، وعملية لتصحيح اليدين والقدمين، حتى تعود إلى حالتها الطبيعية وتتمكن بعدها من استكمال حياتها مثل شقيقاتها، بحسب الطبيب علاء موسى.

يقول “رئيس الهيئة العامة للجالية السورية في مصر”: “لا تجري المفوضية بحثاً اجتماعياً تتعرف من خلاله إلى مقر المعيشة ومحتوياته ودخل مقدم الطلب، وهل يحصل على مساعدات منتظمة أو غير منتظمة وهل عليه دين، أو ربما تقوم ببحث ناقص”، معتبراً أن من يستطيع تقديم نفسه جيداً هو من يحصل على خدمات المفوضية.

علاج وهمي

 عندما أحالت جمعية “كاريتاس” وهي الشريك الطبي لمفوضية اللاجئين، اللاجئ السوري محمود القاضي وابنه عمر إلى مستشفى متعاقد معها في الاسكندرية، فرح الأب ظنّاً منه أن ابنه سيحصل على العلاج وذلك بعدما زار مقر الجمعية مرات عدة، ولكن عندما وصل إلى المستشفى، وجد طوابير من المرضى من دون أدنى درجات الرعاية.

لجأ محمود من ريف دمشق مع عائلته إلى مصر من طريق السودان، ويقيم في حي المندرة في محافظة الإسكندرية، تطورت معاناة ابنه عمر مع مرض “الدوشين” (هو مرض وراثي يصيب جميع أنواع العضلات في الجسم) بعدما فقد والده الأمل بعلاجه على نفقة مفوضية شؤون اللاجئين التي لجأ إليها عشرات المرات منذ وصوله إلى مصر في آذار/ مارس 2016 من دون استجابة.

يقول محمود والد عمر: “خلال رحلة اللجوء، فقد عمر الحذاء الحديدي الذي كان يعينه على الحركة بعدما هاجمهم قطاع طرق خلال طريقهم إلى مصر عبر الصحراء، واستولوا على أموالهم وأمتعتهم”.

المستشفى الذي توجّهوا إليه وصف لعمر بعض المقويات وطلب إجراء علاج فيزيائي (طبيعي) له، فيما أخبر الموظفون في جمعية “كاريتاس” الوالد، أن العلاج الفيزيائي غير متوفر، بسبب عدم التعاقد مع مستشفيات متخصّصة.

راجع معدا التحقيق لأطباء تابعوا الحالة، وقالوا إن “المقويات لم تُفد بشيء لأنه كان بحاجة إلى علاج فيزيائي قبل تطور حالته الصحية إلى هذا الحد الذي قد يودي بحياته في حال عدم إجراء عملية جراحية عاجلة في الأطراف لتخفيف الحثل العضلي (ضمور العضلات)، يليها علاج فيزيائي.

حاول والد الطفل مع مفوضية اللاجئين والمنظمات الأخرى السفر إلى أميركا لعلاج نجله لكنه ما زال ينتظر منذ 3 سنوات”.

جاء في المادة 24 من اتفاقية حقوق الطفل: “تلتزم الدول الأطراف بحق الطفل في التمتع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه وبحقه في مرافق علاج الأمراض وإعادة التأهيل الصحي. وتبذل الدول الأطراف قصارى جهدها لتضمن ألا يحرم أي طفل من حقه في الحصول على خدمات الرعاية الصحية هذه”.

تواصل معدا التحقيق مع “هيئة إنقاذ الطفولة” باعتبارها مسؤولة عن توفير المناخ الآمن للأطفال، إضافة إلى أنها ضمن شركاء المفوضية في مصر، لسؤالهم عن حالة عمر الصحية وسبب عدم حصوله على العلاج.

وجاء ردهم: “بالرجوع إلى برامج الصحة في الهيئة نود تأكيد أن والد عمر لم يتواصل معنا لطلب أي خدمات صحية من قبل، وقد تم التواصل مع والد الطفل وتعريفه بالخدمات الصحية المقدمة من قبل الهيئة”.

دعم اللاجئين خارج مناطق إقامتهم

حددت وزارة الصحة بالتفاهم مع المفوضية، 19 مستشفى ومركزاً طبّياً حكومياً، لتقديم الخدمات للاجئين، 8 منها تقدّم الخدمات الأولية، والـ11 الأخرى تقع في مناطق بعيدة من أماكن تجمّع اللاجئين.

تعمل هذه المستشفيات على تقديم الرعاية الأولية للاجئين بعدما حصلوا على دعم بقيمة 4.5 مليون دولار على هيئة أجهزة ومعدّات طبّية، على دفعات، طبقاً لما ذكرت مفوّضية اللاجئين في 12 أيلول/ سبتمبر 2018.

وهناك مجموعة مستشفيات ومراكز طبّية تستقبل حالات اللاجئين بالتنسيق مع المفوضية والجمعيات الطبّية الشريكة لها، طبقاً لفيديو نشرته المفوضية.

تجاهلت مذكرة التفاهم التي وقعتها المفوضية مع وزارة الصحة المصرية، حالات الطوارئ والعمليات الجراحية وركزت على الرعاية الصحية الأولية فقط.

اللافت في عملية اختيار المستشفيات والمراكز الطبّية الـ19 أن 11 منها تقع خارج أماكن تجمّع اللاجئين.

وتوضح تصريحات المتحدث الرسمي للمفوضية في مصر وتقرير صادر عن مبادرة الإصلاح العربي، أماكن توزّع اللاجئين السوريين وغيرهم، وبالمطابقة بين أماكن توزّع اللاجئين التي ذكرها المتحدث والتقرير، وأماكن المستشفيات المدعومة من المفوضّية، اتضح لدى معدي التحقيق أن كثافة اللاجئين موزّعة في مدينة 6 أكتوبر، والعاشر من رمضان والعبور ودمياط والمنصورة والغردقة والسويس، والإسماعيلية، والإسكندرية.

وفي المقابل، توزّعت المستشفيات المدعومة في القاهرة الجديدة، على مركز طبي في التجمع الأول، مدينة نصر، حي شرق، مركز طبي في الحي السابع، العمرانية، مركز طبي في الطالبية، مركز طبي في كفر نصار، إضافة إلى مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية، ومستشفى العباسية للصحة النفسية في القاهرة، مستشفى حلوان للصحة النفسية في القاهرة، مستشفى المعمورة للصحة النفسية في الإسكندرية.

خارطة علاج اللاجئين في مصر

يقول أبو شريف إن “المفوضية لا تجيب على المكالمات بشكل سريع لا في حالة الطوارئ ولا في الحالات العادية، وبالتالي فإن المريض في حال عدم توفّر أموال معه قد يفقد حياته بسبب الروتين الإداري”.

في كانون الأول 2019 تواصل معدا التحقيق مع مفوضية اللاجئين عبر البريد الإلكتروني، وطرحا عليها أسئلة حول آلية مساعدة اللاجئين وسبب ضعف التنسيق مع المستشفيات، إضافةً إلى طريقة اختيار المراكز الطبية التي تم دعمها، إلا أنهما لم يلقيا أي ردّ.

أُنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية” بالتعاون مع “درج ميديا”، وبإشراف الزميل أحمد حاج حمدو

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
كيرا غورني – مركز المحققين الصحافيين الاستقصائيين ICIJ
قال مسؤولون سابقون في وزارة الخزانة الاميركية إن تحقيقاً بشأن ارتكابات الشركة قد تأجل خوفاً من إغضاب دولة الإمارات العربية المتحدة، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وعندما فشلت محاولات إقناع الإمارات بالعمل بمفردها ضد “كالوتي”، جرى تعليق التحقيق.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني