fbpx

عارف دليلة… المرشح الانتحاري لبرلمان الأسد

سرد لي دليلة طرفة سوداء عن ترشحه في الانتخابات البرلمانية عام 1998. وقال إن ما دفعه لذلك هو أن الانتخابات كانت المنبر الوحيد الذي يمكنه من خلاله مخاطبة الرأي العام.

بمناسبة إعلان نتائج انتخابات مجلس الشعب السوري، يسترجع محمد فارس مقابلة أجراها مع الاقتصادي السوري عارف دليلة أثناء انتخابات عام 2012.

ما إن فرغت من “المهمة السرية” التي أديتها وزميلي المصور في إحدى ليالي أيار/ مايو 2012، حتى خرجنا من الموقع في ضاحية “مشروع دمّر” غرب دمشق، متلفتين مسرعين نتنفس الصعداء.

كانت “العملية” تتلخص بإجراء حوار صحافي مع واحد من المعارضين المخضرمين في فترة تسمّى “الانتخابات البرلمانية”، كانت تجرى في سوريا في ظروف أمنية وعسكرية معقدة.

وفي منزله في ضاحية “مشروع دُمّر”، جلست مغتبطاً أشرب الشاي وأتحدث مع عارف دليلة، الخبير الاقتصادي والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد في جامعة دمشق.

كنت صادفت الأستاذ دليلة للمرة الأولى في مناسبة اجتماعية في أيلو/ سبتمبر 2008، بعد مدة قصيرة من خروجه من السجن. كانت ملامح الرجل الوسيم تغيرت بعد 8 سنوات في المعتقل أمضاها لأسباب كثيرة فجرتها محاضرة ألقاها في دمشق منتقداً السياسات الرسمية وآلية إعدادها وإقرارها بنتائجها الكارثية. كما طالب دليلة في محاضرات أخرى بإصلاح القطاع العام، وإلغاء الاحتكارات وتحديداً ما يخص صفقات الهاتف الخليوي التي ظفر بها رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد.

عارف دليلة

لم تغادر ذهني حينها صورة مخلوف جالساً في مؤتمره الصحافي الشهير معلناً ترك التجارة والاتجاه إلى “العمل الخيري”. ولم يكن بمقدوري، ليس بمقدوري حتى اليوم، أن أتصور أن شخصاً ما، أياً يكن، يمكن أن يتحدّث بعمق وينتقد بشجاعة، ومن قلب دمشق، نظام حافظ الأسد.

وبابتسامة لم تفارق وجهه، غاص دليلة في عمق المأساة السورية فقال: “منذ عام 1970، أنكر النظام الحالي حقوق الإنسان العامة وجميع أشكال الديموقراطية في المجالات الاجتماعية والسياسية. جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية أدارها الأمن بشكل مباشر. لا نقابات ولا حرية تعبير ولا انتخابات حرة ولا حرية إعلام ولا حرية إنشاء أحزاب سياسية”.

كما انتقد إصدار السلطات دستوراً جديداً وقوانين جديدة للإعلام والأحزاب والإدارة المحلية. وقال إنها إجراءات تم اتخاذها من جانب واحد هو السلطة الأمنية نفسها، من دون إشراك أو تعاون مع أي جهة أو رأي آخر. وأضاف أن ذلك حدث بتجاهل صريح لجميع المطالب العاجلة التي قدمها المواطنون لأكثر من 40 سنة، وسُجِن في سبيلها عشرات آلاف النشطاء والمثقفين وسوريون آخرون، وصُرِف عشرات آلاف من وظائفهم في الدولة وأُجبِر مئات الآلاف على البقاء خارج سوريا لأسباب أمنية واقتصادية وسياسية. “هذه الخسائر الفادحة كانت ناتجة عن تمسك السلطة بالأحادية وإنكارها أي مشاركة في أي مجال”.

وسرد لي دليلة طرفة سوداء عن ترشحه في الانتخابات البرلمانية عام 1998. وقال إن ما دفعه لذلك هو أن الانتخابات كانت المنبر الوحيد الذي يمكنه من خلاله مخاطبة الرأي العام. كما أنه أراد أن يردّ اعتباره بعدما صُرف قبل أشهر من الخدمة كأستاذ في جامعة دمشق نتيجة محاضرة ألقاها بدعوة رسمية من اتحاد الكتاب العرب في مقره في “حي المزة” الدمشقي عام 1997 إذ تحدث عن الدستور والفشل في تطبيقه.

بعد تسجيله كمرشح، نشر دليلة بياناً ينتقد فيه الفساد السياسي والاقتصادي. وتجاهل طلب “حزب البعث” الحاكم منه إلغاء نقاط في البيان.

كان ذلك الطرد تحدياً واجهه دليلة بالترشح لانتخابات مجلس الشعب. وفي الساعات الأخيرة لمهلة تقديم الطلبات، ولإثبات أنه استوفى شروط النيابة، وهي القدرة على القراءة والكتابة والقيام بالعمليات الحسابية الأربع، أعطى لجنة تسجيل طلبات الترشيح صورة عن وثيقة قرار تعيينه عميداً لكلية الاقتصاد موقعاً من وزير التعليم العالي. رفضت اللجنة تسجيل  الوثيقة بحجة أنها تفتقد إلى بعض الطوابع. كان البديل تشكيل لجنة اختبار طبقاً للقانون. حيث قرأ د. دليلة عموداً في صحيفة، فكتبوا: “يقرأ ويكتب”. ثم أعطوه ورقة وطلبوا منه أن يكتب: “4 × 5 ثم 50 ÷ 10”. فكتب: “4 × 5 = 20 و 50 ÷ 10 = 5”. فكتبوا في تقريرهم: “بإمكانه إجراء العمليات الحسابية”. 

وبعد تسجيله كمرشح، نشر دليلة بياناً ينتقد فيه الفساد السياسي والاقتصادي. وتجاهل طلب “حزب البعث” الحاكم منه إلغاء نقاط في البيان. ومضى في يوم الانتخابات إلى بعض مراكز الاقتراع وأمسك بيده أشخاصاً كانوا يجلسون داخل غرف الاقتراع، ليسلموا كل مواطن مقترِع ورقة طُبعت عليها أسماء محددة ليضعها في صندوق الاقتراع. كان ذلك واحداً من انتهاكات كثيرة.

نشاط دليلة الانتخابي انحصر بقيام مجموعة من أصدقائه وطلابه بتوزيع 32000 نسخة من بيانه الانتخابي الذي كان الأول من نوعه على مدى نصف قرن من عمر التمثيليات الانتخابية في سوريا، والتي كلفت ميزانية الدولة وجيوب المواطنين مليارات الدولارات.

كان موقع دليلة بعد تسجيل نتائج ثلث الصناديق في دائرة دمشق هو السابع بين التسعة الأوائل من المقاعد التسعة المخصصة  للقطاع (ب) أي فئة المستقلين وغير الحزبيين، وهم الذين “يفوز” من بينهم من يدفع مالاً أكثر. لكن ترتيبه تغير حين أُوقِفَ تسجيل الأرقام المكتوبة في تقارير مسؤولي المراكز الانتخابية ووصول “أوامر عليا” بالتلاعب بالأرقام.

اعتقلت السلطات دليلة عام 2001 مع نشطاء “ربيع دمشق”. وبتهمة “محاولة تغيير الدستور بوسائل غير قانونية”.

وفي بيانه الذي عنونه بـ”الإصلاح التشريعي والاقتصادي والإداري المهمة الملحة لمجلس الشعب ومبرر وجوده”، طرح دليلة عشر قضايا قال إن على السلطة التشريعية العمل على تحقيقها. وتتلخص تلك القضايا بإصلاح النظام الانتخابي لمجلس الشعب وللإدارات المحلية والارتقاء بوظيفته التشريعية، وإنشاء لجنة لشكاوى ومقترحات المواطنين فيه، وتفعيل وظيفته الرقابية على أداء السلطة التنفيذية وأجهزتها. كما تحدث عن إصلاح التعليم، وتوفيق القوانين والأنظمة والممارسات مع نصوص الدستور، وتوسيع صلاحية المحكمة الدستورية. كما نادى بإلغاء وتعديل القوانين والقرارات التي تمنح امتيازات أو استثناءات أو صلاحيات تحت أي اسم كان. وطالب بإصلاح السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والمصرفية والقطاعين العام والخاص واقتصاد السوق. كما دعا إلى الاستقواء بالعلم والعقلانية وتوظيف منجزات ثورة العلم والمعلوماتية والكفاءات العلمية السورية، والعمل على تحقيق التضامن العربي ووقف أشكال التطبيع مع إسرائيل دعماً لمطلب السلام العادل والشامل.

واعتقلت السلطات دليلة عام 2001 مع نشطاء “ربيع دمشق”. وبتهمة “محاولة تغيير الدستور بوسائل غير قانونية”، قضت محكمة أمن الدولة عام 2002 بسجنه عشر سنوات أمضى منها سبعاً في الحبس الانفرادي إلى أن خرج مريضاً في السابعة والستين من عمره بعد مطالبات دولية بالإفراج عنه.

ولا يزال دليلة يتحدث عن أكبر عملية سرقة لمال الدولة عبر “إهداء” قطاع الهاتف الخليوي الجديد مجاناً لمقربين من الرئيس الأسد، ويصفها بأنها “السرقة المستمرة منذ عشرين عاماً والتي يجري حالياً الاعتراف بها على أعلى المستويات وبأكثر الوسائل فضائحية؛ ولكن من دون إعادة فلس واحد من الأموال التي نُهبت وما زالت تنهب من الخزينة العامة وجيوب المواطنين إلى مستحقيها”.

ومنذ أيام كتب دليلة على صفحته على “فايسبوك” أن الصحف الحكومية ستنشر قائمة أعضاء مجلس الشعب الجديد، والمعدة مسبقاً، بعد إضافة الصفرين أمام الأرقام الحقيقية التي يحصل عليها المرشحون المراد نجاحهم ومحو الأصوات الحقيقية للمرشحين المقرر إخراجهم من قوائم الفائزين.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عليا إبراهيم وحازم الأمين من موقع “درج” – توم ستوكس ورياض قبيسي ورنا الصباغ من ” (OCCRP)
استثمرت شركات خارجية (أوفشور) مملوكة لحاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة بهدوء في أصول خارجية، بلغت قيمتها نحو 100 مليون دولار أميركي في السنوات الأخيرة، فيما كان سلامة يشجع الآخرين على الاستثمار في بلاده.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني