fbpx

لبنان يسبق الإمارات إلى “غزو الفضاء”؟

كانت الأبحاث الصاروخية الفضائية محاولة من "النادي اللبناني للصواريخ" لتوحيد الناس بعد أحداث العام 1958 الطائفية...

مع إطلاق مسبار “الأمل” الإماراتي إلى كوكب المريخ، تناقل لبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي حكاية التجربة اللبنانية في إطلاق صاروخ نحو الفضاء في ستينات القرن الماضي، في عهد رئيس الجمهورية اللبنانية فؤاد شهاب. والحكاية صحيحة، وقد وثقها كل من جوانا حاجي توما وخليل جريج في فيلمهما الوثائقي “النادي اللبناني للصواريخ” الذي صدر عام 2012 مذيلاً بشعار “لبنان يغزو الفضاء”. 

وحكاية الوثائقي غريبة بقدر حكاية الصواريخ الفضائية اللبنانية، وتعود إلى عام 2001 حينما سمعا حكاية عن وجود ما يسمى “النادي اللبناني للصواريخ”، ولم يأخذا في حينه الموضوع على محمل الجد، وعثرا في السنة نفسها في كتاب “المركبة” لأكرم الزعتري و”المؤسسة العربية للصورة”، على طابع يحمل صورة لصاروخ بألوان العلم اللبناني، وإلى جانبه صورة التقطتها المصور هاري كوندكجيان لإطلاق الصاروخ. وكانت هذه الصورة بمثابة الدليل على وجود مشروع الصواريخ في لبنان، ولكن بحث جوانا وخليل عن الرواية الكاملة لقصة الصواريخ تأخر حتى عام 2009. ومن صورة إلى صورة، ومن شخصية إلى أخرى، تجمعت خيوط الحكاية المدهشة والتي طمست لأسباب مجهولة طوال أعوام منذ إنهاء المشروع عام 1969. 

استطاع معدّا الفيلم ومخرجاه أن يصلا إلى مانوغ مانوغيان، صاحب فكرة المشروع، ومؤسسه، وقد وجداه في فلوريدا يدرّس في إحدى الجامعات. انطلق مشروعه من فكرة لديه لتطوير علوم الفضاء، وكان يحلم بتصنيع صاروخ يستطيع الذهاب بعيداً إلى القمر. مانوغيان كان أستاذاً في جامعة هايغازيان في بيروت في بداية الستينات، وعمل مع طلابه على إجراء بحوث لمحاولة تصنيع صواريخ بعيدة المدى قادرة على اختراق الغلاف الجوي للأرض نحو الفضاء، وقد بدأت التجارب بصواريخ صغيرة (أشبه بألعاب) ثم بدأ المشروع يكبر شيئاً فشيئاً مع دعم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني التجارب. يقول مانوغ في الفيلم: “لبنان كان يجري اختبارات وصلت إلى مستوى لم يبلغه وقتها اي بلد في الشرق الأوسط، وحدها إسرائيل اطلقت تجربة صاروخية، وكان ذلك بعدما أطلقنا بنجاج أول صاروخ لبناني. قبل ذلك لم يكن هناك صواريخ في الشرق الأوسط، ولم تكن هناك دراسة حول الصواريخ في الشرق الأوسط. لبنان كان رائداً في هذا الحقل”. 

اهتم الرئيس اللبناني فؤاد شهاب شخصياً بهذا المشروع، والتقى بمانوغيان وخصصت الحكومة اللبنانية حينذاك ميزانية من وزارة التربية وقدرها 25 ألف ليرة لبنانية لعام 1962 ومثلها لعام 1963 (اي ما يقارب اليوم ثلاثة دولارات في السنة بحسب سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق السوداء!). كانت تلك ميزانية كبيرة نسبياً، وقد صرف “النادي اللبناني للصواريخ” هذه المبالغ لتطوير صواريخه، وأطلق في عيد الاستقلال من عام 1963 صاروخ “الأرز 4” وصدر طابع يحمل صورة الصاروخ في ذلك العام. 

انشئت لتلك الغاية محطة فضائية في مرتفعات الضبية، واستخدمت مختبرات جامعة هايغازيان لتصنيع الوقود الخاص بإطلاق الصواريخ.

كانت الأبحاث الصاروخية الفضائية، كما يكشف الفيلم، محاولة من “النادي اللبناني للصواريخ” لتوحيد الناس بعد أحداث العام 1958 الطائفية، وقد انشئت لتلك الغاية محطة فضائية في مرتفعات الضبية، واستخدمت مختبرات جامعة هايغازيان لتصنيع الوقود الخاص بإطلاق الصواريخ، وقد قام الطلاب بعملية التصنيع. ويروي الفيلم كيف كاد إطلاق صاروخ باتجاه البحر الأبيض المتوسط يتسبب بكارثة وحرب، وأوقع ما يشبه أزمة ديبلوماسية عالمية، حينما حدث خطأ في توجيه الصاروخ فسقط في المياه الإقليمية القبرصية بالقرب من بارجة حربية بريطانية، التي أعرب سفيرها في لبنان عن قلقه من هذه التجارب، كما طالبت الحكومة القبرصية بجلسة استماع في الأمم المتحدة. 

إعلان فيلم “النادي اللبناني للصواريخ”

طبعاً بقيت تجربة الصواريخ اللبنانية أرضية في جميع التجارب، فلم يفلح أي صاروخ في اختراق المجال الجوي نحو الفضاء، مع أن مانوغ كان يخطط مع طلابه لإرسال فأر يدعى “ميكي” في أحد الصواريخ إلى الفضاء، لكن زوجته المناصرة لحقوق الحيوان أثنته عن الفكرة، وأنقذت الفأر من السقوط مع الصاروخ في البحر. ولم تقتصر التجارب على جامعة “هايغازيان” بل انسحبت “حمى غزو الفضاء” كما يسميها الفيلم إلى الجامعة الأميركية في بيروت، التي أجرت تجربة إطلاق صاروخ “هنبيعل” التي باءت بالفشل، كما أجرى طلاب صغار في مدرسة “الهدى” في الشياح تجارب على صواريخ، وتجربة إطلاق على صاروخ صغير يدعى “الهدى 2”. 

انتقل المشروع من مجال الجامعات ليضع الجيش يده عليه بالكامل بعد وقوع انفجار وحريق كبيرين في مختبر جامعة “هايغازيان”، حيث كان الطلاب يعملون على تحضير وقود الصواريخ، وقد أصيب عدد من الطلاب بجروح وحروق خطيرة. بعد هذه الحادثة تحكّم الجيش اللبناني في عملية تصنيع الصواريخ وتجربتها، ويقول أحد ضباط الجيش الذين كانوا من المنسقين مع “النادي” منذ بداياته، إن الجامعة والطلاب كانوا يجرون تجاربهم لأهداف علمية بحتة، فيما لم يكن يخفي الضباط في ما بينهم الرغبة في تطوير هذه الصواريخ لأهداف عسكرية. ولا بدّ أن همسات الضباط وصلت إلى من يعنيهم الأمر، وبدأت إسرائيل تقلق بعد تجارب صاروخية أظهرت قدرة الصواريخ على الوصول إلى مدى يطاول عمق الأراضي المحتلة، فطلبت جهات دولية، فرنسية على الغالب، من لبنان إيقاف المشروع. وبالفعل، تدخل الرئيس فؤاد شهاب شخصياً وطلب إيقاف التجارب كافة، وإنهاء حلم “النادي اللبناني للصواريخ” بـ”غزو الفضاء”. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
وكأنّ الانفجار، الذي فتح فجوة هائلة في الأرض، فتح مثلها في السماء، التي لا تتوانى عن استقبال أرواح ضحايا الجريمة، حتى بعد مرور 83 يوماً…
Play Video
أحمد “آندي” خواجة رجل الأعمال اللبناني- أميركي متهم بدفع ما لا يقل عن 6 ملايين دولار بشكل غير قانوني للتلاعب بالانتخابات الأميركية الرئاسية عام 2016. تُقابل اليوم قصته في لبنان بالصمت والتجاهل وكأنّ لا أخبارَ جديدة عن الملياردير الناجح الذي تم الاحتفال به قبل سنوات قليلة

3:36

Play Video
منذ سنوات دأب الصحافي رياض قبيسي على إثارة ملفات فساد خصوصاً في مرفأ بيروت، بعد انفجار المرفأ تكررت كشوفات قبيسي بحق فاسدين نافذين وتكررت ملاحقته واستهدافه، فهل سيواصل قبيسي تحديه للسلطة؟

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني