fbpx

لبنان بين صورَتي إدمون نعيم ورياض سلامة… ملخّص الأزمة!

لم يكن ماهر صحافياً متخصصاً بالاقتصاد. لكن احتجاز حاكم مصرف مركزي في مكتبه وتمترسه بأكياس رمل لحماية نفسه من القصف، كانت قصة مغرية لكي تروى بصورة.

هي صورة انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي. يظهر فيها حاكم مصرف لبنان السابق إدمون نعيم متحصّناً في مكتبه في المصرف المركزي بأكياس الرمل، ويجري مكالمة هاتفية. الصورة ملتقطة عام 1989، وملتقطها هو المصور ماهر عطار. قادتني حشريتي إلى البحث عن تفاصيل هذه الصورة والقصة وراءها وكواليسها، فوقعت على قصتين: قصة صورة إدمون نعيم المنشورة والتي باتت مشهورة، وقصة لصورة غير منشورة (ينشرها موقع “درج” للمرة الأولى) للحاكم الحالي رياض سلامة.

المصور ماهر عطار

ماهر عطار ليس مصوراً عادياً. هو شخص يعرف تماماً كيف يصبر لينال. في التقاطه الصور شيء من صيد السمك. انتظار طويل، من أجل صيد السمكة الكبيرة. وفي حالة إدمون نعيم، ذهب لكي يلتقط له صورة وهو متحصّن في مكتبه بعدما رفض إقراض الدولة وقرر عدم التضحية بأموال المودعين، فاتخذت وزارة الداخلية قراراً بجلبه بالقوة وسحبه من مكتبه في الطبقة السادسة إلى الطبقة الارضي، إلا أنه تمكن من الإفلات بمساعدة موظفي المصرف وتحصّن بأكياس رمل تقيه رصاص الميليشيات والأحزاب والحكومتين الشرقية والغربية.

 يقول عطار إنه كان يعمل حينذاك في وكالة “سيغما” العالمية، وقد طلب موعداً من نعيم لزيارته في المصرف المركزي، و”فور وصولي فوجئت بأكياس الرمل في المكتب، حيث كان يعيش منذ مدة ليست بالقصيرة”، ويتابع عطار: “كان يغسل ثيابه بمفرده ويجلي الصحون ويطبخ وكانت زوجته تزوره في المكتب كل 15 يوماً، تقطع خطوط التماس من الشرقية إلى الغربية لتطمئن عليه”. 

لم يكن ماهر صحافياً متخصصاً بالاقتصاد. لكن احتجاز حاكم مصرف مركزي في مكتبه وتمترسه بأكياس رمل لحماية نفسه من القصف، كانت قصة مغرية لكي تروى بصورة. وهذا ما حصل: “كان إنساناً محترماً جداً جداً. كان خواجة وبشوش، أخبرني بكل اريحية كيف يغسل ثيابه ويطبخ ويجلي بمفرده مع ابتسامة لا تفارقه رغم الظروف، عندها رنّ الهاتف، رد وضحك، والتقطت اللحظة”. 

إدمون نعيم، حاكم مصرف لبنان سابقاً

تصدرت هذه الصورة غلاف “نيوزويك” وقتذاك. كانت صورة تاريخية، وقد أثبتت الأيام ذلك. اليوم تعود لتكون شاهداً على مقارنة ضرورية بينها وبين صورة أخرى لرياض سلامة. عطار التقط صورة لم تنشر من قبل لرياض سلامة. 

كان يحضّر لكتاب عام 2009 بعنوان “لبنان بورتريهات” يتضمن صوراً لشخصيات غير دينية وغير سياسية في مواقع مهمة في لبنان، من إعلاميين، مصممي أزياء ورجال أعمال، وقد طلب ماهر حينذاك موعداً من رياض سلامة، والتقط له صورة “من أجمل البورتريهات وراءه العلم اللبناني، كأنها صورة لرئيس جمهورية لبنان المقبل”، يقول. 

ينسج ماهر مقارنة بين لقائه إدمون نعيم عام 1989 وبين لقائه رياض سلامة عام 2009: “فرق كبير، ادمون مهضوم قريب للقلب مش شايف حاله نقول بالفرنسية un petit nounours، ضحكته لطيفة تعامل معي كأنني رفيقه، عزمني على قهوة تحدث معي أخبرني عن الطبخ والجلي والغسيل، أما رياض سلامة فكان كتير رسمي. كتير ناشف، كتير جدي. أعطاني وقتاً محدداً. اعطاني نصف ساعة كي أنهي كل شي. صورته بوضعية رئيس جمهورية بما أن اسمه كان مطروحاً في الكواليس”. 

ينسج ماهر مقارنة بين لقائه إدمون نعيم عام 1989 وبين لقائه رياض سلامة عام 2009: “فرق كبير، ادمون مهضوم قريب للقلب مش شايف حاله”.

ولا يجب إغفال الظروف المترافقة مع كواليس الصورتين، في قراءة هذه الفوارق، ورؤية دلالاتها، فإدمون نعيم استقبل ماهر في وقت كانت هناك حربان في البلاد: “الحرب الأهلية المستمرة وحرب التحرير التي خاضها عون ضد الجيش السوري”. 

رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان الحالي

أما عام 2009 فكان من المفترض أن البلاد تعيش في أوضاع مستقرة. ومع ذلك، وقبل صدور الكتاب، تلقى ماهر اتصالاً من رياض سلامة يعلمه فيه بأنه غيّر رأيه وأنه لا يريد الظهور في الكتاب “لأنو ما بدو يطلع مع هول الناس”، بحسب ما قال لماهر. 

بعد إصدار الكتاب عام 2010، وأثناء توقيعه في صالون الكتاب الفرنكوفوني، حضرت زوجة الحاكم السيدة ندى سلامة، واشترت نسخة، وقالت لماهر بتحبب وهو يوقع لها: “يا ريتك حكيتني إلي، كنت أنا بطلع معك”.

 في أرشيف ماهر عطار صور كثيرة من هذا الوزن. صور لشخصيات تظهر اليوم ببدلات رسمية على الشاشات، التقطها لهم وهم يمتشقون الأسلحة ويديرون ميليشياتهم وزعرانهم في الحرب. أرشيفهم يكذّبهم. ويفضح كم هم تجار دم، كما يصفهم ماهر. “كلّن يعني كلّن”، يقولها عنهم جميعاً، اولئك الذين رماهم في آلة التصوير وسجن ماضيهم المخجل الذي لا يخجلون به في “النيغاتيف”. لكن ظلام الأيام الآتية كفيل بتظهير أفلامهم كلها، التي تفضحهم بالأسود والأبيض، وبالألوان.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
باسكال صوما – صحافية لبنانية
تقتصر المحاسبة والتوقيفات على مديرين أو مسؤولين أو موظفين صغار في الدولة، وتتم تبرئة الرؤوس الكبيرة التي تتولى في الحقيقة إدارة المرفأ والمطار وكل شاردة وواردة في البلد.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني