fbpx

اللسان الملحي في البصرة… اللعاب القاتل

نزحت عشرات العائلات من البلدات والقرى الواقعة جنوب البصرة عام 2018 شمالاً، بسبب صعود اللساني الملحي البحري الذي بات يهدد السكان المحليين ونمط حياتهم في محافظة البصرة.

تحصل تلك الظاهرة تحديداً في قضاء أبي الخصيب وناحية السيبة تحديداً. تشير وثائق حكومية رسمية إلى نزوح أكثر من 350 عائلة في هاتين المنطقتين في العام ذاته. ولا يخفي من بقي ولم يهجر منطقته، الخوف مما تجلبه له الملوحة في المستقبل. حكيم عبدالرضا (55 سنة)، واحد من الخائفين من الأيام المقبلة التي قد تحرمه من العمل وإنتاج ما يحتاج من الغذاء في بستانه الذي تضرر كثيراً جراء اللسان الملحي في السنوات الماضية. يتشبث هذا الفلاح الجنوبي إلى يومنا ببستانه في ناحية السيبة جنوب مدينة البصرة، ويواصل الزراعة وعدم الاستسلام لهذا العدو الذي يسمى اللسان الملحي وذلك من أجل إبقاء مصدر رزقه والمحافظة عليه، إنما الخوف من تكرار مشهد تدمير البستان يهيمن على أمل الاستمرار في العمل والإنتاج. 

نفوق الأسماك واحدة من الظواهر المرافقة للسان الملحي – البصرة

وتشير وثائق رسمية من الجهات الحكومية إلى أن خسائر المحاصيل الزراعية لعام 2018 فقط بسبب اللسان الملحي تقدر بما يقارب 30 مليار دينار، من ضمنها تدمير أكثر من 30 ألف شجرة وتخريب أكثر من 60 ألف دونم من محاصيل الخضر والأعلاف بسبب التراكيز الملحية. ويرجع مدير ناحية السيبة أحمد هلال ارتفاع اللسان الملحي في عمود شط العرب إلى قلة الإطلاقات المائية الآتية من ناظم قلعة صالح، ونهر “الكارون” القادم من إيران، مؤكداً أن أكثر المناطق تضرراً من اللسان الملحي هي قضاء الفاو أقصى جنوب البصرة وناحية السيبة المجاورة له.

والتراكيز الملحية الآتية من الخليج العربي هي عبارة عن مركبات ملحية مثل كلوريد المغنسيوم والصوديوم والكالسيوم، تؤثر في المغروسات الخضرية الورقية التي لا تتحمل اكثر من 4000 PPM أي 0.3 في المئة، ناهيك بأن امتداد اللسان المحلي في عمود شط العرب يؤثر أيضاً في تصحر أكتاف الشط بحسب معاون عميد كلية الزراعة في جامعة البصرة والخبير في التربة والموارد المائية محسن عبد الحي دشر. ويقول هذا الخبير العراقي، “حتى القطاع الصناعي في محافظة البصرة يتأثر وبشكل مباشر في كمية إنتاجه أو توقفه في حالة ارتفاع التراكيز الملحية إلى درجات عالية”. ويعود سبب ذلك برأيه إلى أن معامل الأسمدة والبتروكيمياويات إضافة إلى الحقول النفطية تحتاج إلى المياه العذبة في عملية التبريد المستمر للعملية الإنتاجية، وهو ما يجعلها أمام خطر توقفها أيّام ارتفاع اللسان الملحي في شط العرب.

“الحل الأفضل لوضع حد لصعود اللسان الملحي على عمود شط العرب هو الحوار والاتفاق مع الدول الواقعة على منابع الأنهار بشأن الإطلاقات المائية، مؤكداً الدور الرئيس لكل من تركيا وايران في زيادة الإطلاقات المائية وبالتالي “دفع اللساني الملحي باتجاه الخليج

أضرار هائلة

ووثقت كتب رسمية حكومية عام 2018 عدد المتضررين جراء توقف الخدمة في القطاع الصناعي بسبب ارتفاع التراكيز الملحية، إذ سجلت الشركة العامة للأسمدة الجنوبية خسائر توقف خط انتاج سماد اليوريا بواقع 24 الف طن شهرياً والتي دامت اربعة اشهر ليكون مجمل الخسائر بكلفة تقدر بـ43 مليار دينار، فيما سجلت الشركة العامة لصناعة البتروكيماويات خسائر توقف إنتاج البولي اثيلين، منخفض و(عالي) الكثافة بواقع 7500 طن شهرياً وهو ما يعادل خسائر لمدة شهرين تقدر بـ26 مليار دينار. 

ويشير هلال إلى ان اكثر الاعوام تضرراً كان عام 2009 وعام 2018 الذي تضررت خلاله أراضٍ زراعية وأحياء مائية وحيوانات مدجنة يعتمد رعيها على المياه العذبة والاعشاب التي تنمو عند اكتاف النهر، منوهاً إلى تأثير زيادة تساقط الأمطار والثلوج في دول المنبع والتي تؤدي إلى زيادة الإطلاقات في الأنهار، في تجاوز محنة اللسان الملحي خلال شهور الصيف الأربعة الحرجة من كل عام.

آلاف الدونمات الزراعية تضررت من اللسان الملحي

وفي السياق ذاته، ينوه مدير ناحية السيبة إلى أن “مشكلة ارتفاع التراكيز الملحية في مياه شط العرب أدت إلى ظهور أكثر من 100 ألف حالة تسمم في محافظة البصرة عموماً، إنما تضررت الناحية بشكل كبير بيئياً ودمرت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية فيها، وهو ما أثر في كمية إنتاج المحاصيل الزراعية التي كانت ترفد الأسواق المحلية في البصرة”. وقد شملت تلك الأضرار السوق المحلي لتربية الأسماك تحديداً، إذ أدت إلى نفوق الأسماك أو هجرتها بسبب التركيز الملحي العالي، فضلاً عن تراجع تربية الثروة الحيوانية من “الجاموس والابقار”.

وكشف هلال عن تعرض ما بين 25 و27 ألف دونم من الأراضي الزراعية الواقعة بين شط العرب وطريق بصرة – فاو،  للسان الملحي، مشيراً إلى لجوء السكان المحليين إلى حلول موقتة، مثل قطع الأنهر أثناء حدوث ظاهرة المد والجزر التي تؤثر بنسبة كبيرة في ارتفاع اللسان الملحي، ويحافظون بهذه الطريقة على مزروعاتهم من التراكيز الملحية العالية القادمة من فروع أنهار شط العرب. ويشدد المسؤول المحلي المذكور على ضرورة إيجاد الحلول للتجاوزات المحلية على المياه والالتزام بحصص المحافظات، ذلك أن الاطلاقات المائية من قلعة صالح في محافظة ميسان باتجاه البصرة، تتعرض لتجاوزات من السكان المحليين في مساحة تقدر بــ40 كيلومتراً شمال محافظة البصرة. 

“الحل الأفضل لوضع حد لصعود اللسان الملحي على عمود شط العرب هو الحوار والاتفاق مع الدول الواقعة على منابع الأنهار بشأن الإطلاقات المائية، مؤكداً الدور الرئيس لكل من تركيا وايران في زيادة الإطلاقات المائية وبالتالي “دفع اللساني الملحي باتجاه الخليج

الثروة السمكية مهددة

ويحذر قائمقام قضاء الفاو أقصى جنوب العراق ومحافظة البصرة وليد الشريفي، من ارتفاع اللسان الملحي في قضاء الفاو باتجاه ناحية البحار وبالتالي الوصول إلى منطقة سيحان وقضاء ابو الخصيب، مشيراً إلى أن ذلك يعود إلى قلة الاطلاقات المائية. وكشف الشريفي عن نفوق بعض الأسماك النهرية الموجودة حديثاً في الأنهر الفرعية في ناحية البحار والتي جاءت من الإطلاقات المائية السابقة المتواترة باتجاه أنهر الناحية. ويدعو في هذا السياق الجهات المعنية إلى إيجاد حلول ناجعة للحفاظ على الثروة السمكية النهرية والأراضي الزراعية التي استصلحت خلال السنتين الماضيتين بفعل المياه العذبة الآتية من الإطلاقات المتواترة باتجاه القضاء. ولا يخفي الشريفي تخوفه من تكرار مشهد نفوق الأسماك في ذروة تصاعد موجة اللسان الملحي خلال شهر آب/ اغسطس.

وتؤكد إحصاءات رسمية صادرة من بيئة المنطقة الجنوبية عام 2018 أن خسارة إنتاج التمور تجاوزت 12 مليون كيلوغرام، أي ما يقارب المليارين ونصف المليار دنيار عراقي، فيما تتحدث الإحصاءات عن خسائر الثروة الحيوانية في العام ذاته، تقارب 35 مليار دينار. 

في ظل هذه الأزمة المائية وصعود اللسان الملحي الناتج عن قلة الاطلاقات المائية في الأنهار وسوء الإدارة، يبحث الجميع عن حلول وآليات لتقليل الخسائر وإبعاد العوامل التي تهدد الاستقرار والأمن الاجتماعيين في المنطقة. ويرى مدير بيئة المنطقة الجنوبية في العراق في البصرة وليد حميد الموسوي، أن “الحل الأفضل لوضع حد لصعود اللسان الملحي على عمود شط العرب هو الحوار والاتفاق مع الدول الواقعة على منابع الأنهار بشأن الإطلاقات المائية، مؤكداً الدور الرئيس لكل من تركيا وايران في زيادة الإطلاقات المائية وبالتالي دفع اللساني الملحي باتجاه الخليج. كما يرى إمكان اقترح حلول أخرى للحد من اللسان الملحي مثل إبرام عقود بين العراق وتركيا لشراء حصة مائية إضافية تؤمن عدم امتداد اللسان الملحي في شط العرب مرة أخرى. ولا ينسى الموسوي التركيز هنا على إدارة كفوءة للمياه كطريقة من طرق الحد من اللسان الملحي، خصوصاً في مواسم الأمطار الغزيرة، وذلك من خلال بناء سدود أو بحيرات اصطناعية تساهم في خزن المياه في أوقات الوفرة. وينوه إلى أن تأسيس بحيرات صناعية لشط العرب وشق فروع له، قد تكون الحلول المقترحة الجيدة للحفاظ على المياه العذبة وبالتالي استصلاح أراض زراعية إضافية في البصرة.

ويبقى حكيم عبدالرضا، أو الحاج ابو عماد، كما يسمى بين مجتمعه المحلي في بلدة السيبة، معلقاً بأمل استمرار مضخته التي تسقي مزروعاته، وعدم توقفها يوماً بسبب انسدادها بالأملاح الآتية من مياه شط العرب. فهو يريد الاستمرار ومواصلة العمل لإدامة الزراعة في بستانه وإرجاعه إلى سابق عهده. يخشى أبو عماد، أن يستيقظ يوماً ولا يرى غير مياه البحر مصدراً لنخيله وأشجاره.

هذا الموضوع تم إعداده بالتعاون مع Clingendael Institute  وFPU

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني