fbpx

نساء مصر في زمن الوباء… ماذا يحدث خلف أبواب الحجر؟

مستوى الجرائم ضد النساء في زمن "كوفيد- 19" بات في أسلوبه يفوق التخيل فقد تداولت وسائل إعلام محلية واقعة إلقاء زوج زوجته من الطبقة الخامسة، بسبب إصابتها بـ"كورونا"...
  • هذا الموضوع تم اعداده بالتعاون مع Pulitzer Center

حاصر “كوفيد- 19” سكان الأرض منذ أشهر، وفي مصر تحديداً، ساهم الحجر الصحي منذ آذار/ مارس 2020، في تنشيط مناخ العنف ضد النساء بشكل مريع، بخاصة بعدما زادت الأعباء الاقتصادية على الأسر المصرية بسبب الجائحة.

فحجم المعاناة الاقتصادية التي واجهتها الأسر المصرية كان من الأسباب الرئيسة لتصاعد معدلات العنف الأسري على النساء، كما ساهم بقاء أفراد العائلة في المنزل لفترات طويلة مع غياب قنوات التواصل، في قفز معدلات العنف ضد النساء إلى مستويات غير مسبوقة بحسب مختصين، وصلت إلى أشكال من الجريمة شملت القتل والتحريض على الانتحار والاغتصاب.  

الدكتورة ياسمين أبو العزم طبيبة مقيمة سابقة في قسم النساء والتوليد في أحد المستشفيات المحلية توضح لـ”درج” أنها شهدت بحكم عملها حالات من التعنيف الأسري الواضح وصل أحياناً إلى موت المرأة المعنفة، كما أن هناك فتيات وسيدات يقبلن على الانتحار بوتيرة مرتفعة باستخدام عقار يباع في محلات السماد الزراعي (نتحفظ على ذكر اسم العقار) وهذا النوع من العقار يستحيل معه إنقاذ المنتحرة فهو قاتل بشكل سريع، كما أنه متوفر بأسعار زهيدة ومن دون رقابة.

وأضافت: “تصلنا كثيرات إلى المستشفى، يعانين غالباً من كسور في العظام وأورام في الوجه والجسم أو نزيف مهبلي ناتج عن الاغتصاب الزوجي أو اغتصاب من جانب الأخ أو الأب. هناك ناجيات يرفضن تحرير محضر لأخذ إجراء قانوني ضد المعتدي، ويكتفين بطلب العلاج والمسكنات وإيقاف النزيف”.

مستوى الجرائم ضد النساء في زمن “كوفيد- 19” بات في أسلوبه يفوق التخيل فقد تداولت وسائل إعلام محلية واقعة إلقاء زوج زوجته من الطبقة الخامسة، بسبب إصابتها بـ”كورونا”، فيما تداولت صحف خبر خدعة أب لثلاثة من بناته وإيهامهن بإصابتهن بالفايروس لاستدراجهن  إلى الختان. وكان الطبيب ذهب إلى منزل الفتيات بعدما قال لهن والدهن إنه سيقوم بتطعيمهن ضدَّ “كورونا”. لكنهن حقنّ بمخدر أفقدهن الوعي، وعندما أفقن فوجئن بأن أرجلهن مقيدة، وشعرن بآلام في أعضائهن التناسلية، فأخبرن والدتهن المطلقة التي أبلغت السلطات المختصة بالواقعة.

حالات غير مسبوقة

كما عجت الصحف بأنباء قتل زوج زوجته في الجيزة لرفضها معاشرته، وقتل زوج زوجته لتأخرها في إعداد وجبة العشاء. هذه الجرائم المتسارعة تفتح مجالاً للنقاش حول الوضع القانوني والتشريعي الواجب اتخاذه لحماية النساء من العنف والذي كشف كوفيد- 19 حجم تصاعده، ما يحتّم ضرورة إيجاد آليات التوعية الواجبة للحد مع انتشار جرائم العنف الأسري بالتوازي مع الضوابط القانونية.

أبو العزم تؤكد أن معدلات العنف ضد النساء تزايدت مع “كوفيد- 19″، لكن يصعب حصرها، لأن كثيرات من المعنفات يتجنبن اللجوء إلى المستشفيات خوفاً من الإصابة بالفايروس. وتضيف أن حالات الاغتصاب من الأخ والأب حالات غير مسبوقة “أنا شفت حالات لبنات حوامل في اخر التاسع والأخ أو الأب هو السبب في هذا الحمل، والضحية لا تملك وثيقة زواج فنضطر إلى توليدها بسرعة لأنها تأتينا في الدقائق الأخيرة لولادة الطفل وبعدها تترك لنا الطفل في المستشفى وتختفي”.

تسرد أبو العزم إحدى الوقائع “أتذكر سيدة وصلت إلى الموت بسبب عنف زوجها. كان جسمها كله متورماً لدرجة أن ملامحها مشوهة من كثرة الضرب، حاولت إنقاذها عبر إنعاش القلب، على مدار نصف ساعة لكنها توفيت. فقدت حياتها بسبب العنف المنزلي. في حالات أخرى لا يشترط أن تموت السيدة من شدة الضرب، بل تُقدم هي بنفسها على الانتحار للتخلص من العنف وجحيمه”.

تقول: “مش بيعدي علينا يوم إلا لما يجيلنا حالتين أو تلاتة منتحرة بعقار معروف يباع في محلات السماد، إلى جانب كثرة حالات القفز من أعلى بناية للانتحار، وهذه الحبة القاتلة من أكثر الحبوب المنتشرة في الأسواق يستخدمها المزارعون في حفظ الحبوب، ومتوفرة في بيوت الفلاحين، أي حد بياخدها مش مدرك حجم خطورتها  فهي قاتلة ولا سبيل لإنقاذ الضحية سوى انتظار موتها المحقق”.

فاطمة الشريف معالجة نفسية ومديرة قسم الاستشارات الدوائية في صيدليات 19011 (رشدي سابقاً) تساعد المعنفات افتراضياً عبر مجموعات أنشئت مجاناً، لاحتواء الأعباء والآثار النفسية السلبية التي تواجه النساء المعنفات في المنازل. تقول لـ”درج”: “كنا نركز قبل كوفيد- 19 على الدعم النفسي للأطفال والمراهقين، لكن بعد الإغلاق الصحي قررنا إنشاء خمس مجموعات لدعم النساء المعنفات على واتسآب. في البداية كنا نقدم الدعم النفسي لمريضات القلق والوسواس القهري والاكتئاب ثنائي القطب، لكن بعد فترة لاحظنا زيادة معدلات الشكوى من العنف الزوجي اللفظي والبدني والعنف ضد الأطفال في فترة الإغلاق، وهذا سببه الرئيس غياب قنوات التواصل بين الزوج والزوجة وبين الأب والأم وأبنائهم”.

تساعد الشريف حتى الآن 1000 سيدة وفتاة معنفات وتستقبل أسبوعياً أكثر من خمس شكاوى لحالات عنف جسدي لزوجات من أزواجهن، وأكثر من 70 حالة أسبوعياً لحالات عنف لفظي.

وتشير إلى أن “نسبة طلب الفتيات والزوجات على المهدئات زادت بشكل كبير في فترة الإغلاق الصحي، في محاولة لتلافي خطوة الطلاق، فالكثير من الأزواج يتعاملون كمشرفين على البيوت ولا يشاركون فعلاً في مسؤولية رعاية الأطفال. وكوفيد- 19 كشف أن الأسر المصرية بنسبة كبيرة تفتقد إلى قنوات التواصل، وساهمت فكرة البقاء في المنزل في تحويل أي نقاش إلى صراع”.

الدكتورة ألفت علام استشارية في العلاج النفسي في مركز رؤية للاستشارات النفسية  تلحظ إزدياداً واضحاً في حالات العنف الأسري لا سيما ضد النساء والأطفال. تقول لـ”درج”: “تأتينا إلى عيادات المركز حالات عنف جسدي وخصوصاً عنف جنسي، بمتوسط ثلاث حالات عنف جنسي كل أسبوع، تشكو النساء من أن الرجال في فترة العزل يجبرون زوجاتهم على ممارسة الجنس أكثر من مرة وبشكل عنيف حتى إن كنّ غير راغبات في العلاقة، بسبب التوتر والمسؤوليات الكبرى الملقاة على عاتقهن، فيمارس الرجال الجنس معهنّ بالقوة، ويؤدي ذلك في أحيان كثيرة إلى إصابات في المهبل فضلاً عن الآثار النفسية السلبية التي تلحق بالزوجات”.

وتضيف علام، “اللواتي أقدمن على محاولة الانتحار سابقاً، أصبح لديهنّ اندفاع أقوى تجاه المحاولة مجدداً في فترة الحجر الصحي. وأسمع كثيرات في جلسات المعالجة يرددن أنه آن أوان الموت. ومن لم يقدمن على محاولة الانتحار سابقاً، وتعرّضن لعنف شديد في فترة الإغلاق الصحي، ظهرت لدى عدد منهنّ نزعة إلى الانتحار، وإن كانت بنسب أقل مقارنةً مع اللواتي لديهن تاريخ سابق مع محاولات الانتحار” .

تقول علام: “نستقبل حالات كثيرة يومياً في مركز رؤية من الأقاليم خارج القاهرة. تأتينا سيدات معنفات يومياً من المنيا والمنصورة ودمياط وبنها ومحافظات الدلتا. لكنّ النساء من مناطق أبعد كالصعيد لا يستطعن الوصول نظراً إلى طول المسافة، لذلك وفرنا دعماً أونلاين للناجيات من العنف الجنسي”.

تواصلنا مع “المركز القومي للمرأة” في محاولة للوصول إلى أحدث إحصاء عن أعداد المعنفات في مصر من آذار/ مارس حتى تموز/ يوليو 2020، لكن جاءنا الجواب بأن المركز تابع لرئاسة الجمهورية ولا يقدم معلوماته وإحصاءاته سوى عبر بيان رسمي توافق عليه رئاسة الجمهورية، وحتى الآن لا إعلان عن بيان رسمي لرصد ظاهرة العنف المنزلي في زمن “كوفيد- 19”. لكن دراسة نشرت العام الماضي عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالتعاون مع الجهاز القومي للمرأة، كشفت أن 1.5 في المئة من النساء المصريات في مصر يتعرضن للعنف الأسري وهي نسبة قابلة للتشكيك بناء على بيانات الرصد الأخرى التى تخرج من منظمات دولية ومنظمات حقوقية نسوية.

مي مصطفى من “مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي” أشارت إلى أنها لاحظت زيادات في معدلات الشكاوى من العنف الأسري “نحاول تحويل الناجيات إلى مراكز دعم نفسي مختصة أو مراكز حقوقية قانونية لتوعية الناجيات بضرورة اتخاذ إجراء قانوني لمعاقبة الجاني والذي يكون في الغالب الزوج أو الأب، وعن محاولات حصر عدد المعنفات في فترة الإغلاق الصحي من شهر آذار إلى الآن. الأعداد كبيرة جداً، لكن للأسف لم نعمل على إحصاء محدد حتى الآن، نحن نقوم بدور بحثي ووسيط لتأمين تواصل الناجية مع جهة دعم نفسي وقانوني قدر المستطاع”.

وتعليقاً على بيان المركز القومي للمرأة العام الماضي الذي أفاد بأن نسبة المعنفات أسرياً في مصر 1.5 في المئة، ضحكت مصطفى وقالت: “لا طبعاً نسبة العنف الأسري في مصر تتخطى التوقعات”.

مؤسسة “إدراك للطب النفسي” يعمل على إحصاء عن نسبة المعنفات في مصر في زمن كوفيد- 19 يفترض صدورها وفق دراسة تفصيلية قريباً. تقول الدكتورة نجوى رمضان من المركز إدراك “أنشأنا مرصداً لكل أنواع العنف التي حدثت في فترة كوفيد- 19 من كانون الثاني/ يناير حتى حزيران/ يونيو  وهذه أول خطوة لنا في رصد نسب العنف ضد النساء بأشكاله كافة، وسنوسع دائرة الرصد حتى تستمر  لسنة  2021 ونعتمد في وقائع الرصد  على أكثر من مصدر” .

وتضيف رمضان: “ما حصل في الفترة الأخيرة من ازدياد في نسب العنف، دفعنا إلى إنشاء هذا المرصد، فقد لاحظنا طفرة في أنواع الجرائم ضد النساء، ومنها ما لم نكن نعرفه سابقاً. لذلك نقدّم توعية صحية للسيدات، ومن أجل الدعم النفسي والقانوني نرسل الناجيات إلى مؤسسات أخرى زميلة “.

الأعباء الاقتصادية إذ تحرّض على العنف…

بالعودة إلى الأعباء الاقتصادية الضاغطة التي تعيشها العائلات المصرية، والتي تساهم في تأجيج العنف الأسري بأنواعه كافة، كشف رسم بياني مرفق بدراسة نشرها “الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء” في نيسان/ أبريل 2020، حجم هذه المعاناة الاقتصادية الكبيرة التي حاصرت الأسر المصرية في ظل أزمة “كوفيد – 19”. 

ووفق الدراسة أكثر من 92 في المئة من المواطنين قرروا الاعتماد على أنواع أرخص من الطعام، 89.8 في المئة قرروا تخفيض نسب الاستهلاك الاسبوعي من اللحوم والطيور والأسماك. و37 في المئة من الأسر شهدت انخفاضاً في الدخل نتيجة الأزمة، 36 في المئة منها اتجهت إلى تقليل كمية الطعام المستهلك. ولجأت 25.8 في المئة من العائلات للاقتراض من أجل شراء الطعام، و14 في المئة إلى تقليل استهلاك البالغين لإطعام الأطفال. 4.6 في المئة من الأسر قررت إرسال أفراد الأسرة لتناول الطعام لدى آخرين، 19.8 في المئة من الأسر اتجهت إلى تقليل عدد الوجبات الغذائية، 28.2 في المئة إلى شراء طعام (على النوتة) فضلاً عن خسارة أحد معيلي الأسرة وظيفته، نتيجة تخلي عدد كبير من المؤسسات الخاصة عن العاملين. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
كارمن كريم – صحفية سورية
أزاح النظام يده الأمنية عن محافظة السويداء وأدخل أذرعاً له ساهمت في صنع حالة من عدم الاستقرار، كرد على عدم إرسال أبناء السويداء إلى الخدمة العسكرية.
Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

Play Video
يربط كثيرون بين السيدة فيروز والصباح. يستمعون الى اغنياتها الصباحية وهم يشربون القهوة، فيما تبدو المفارقة لافتة: معظم أغاني فيروز والاخوين الرحباني تتحدث عن الليل والسهر. في هذا الفيديو محاولة تفسير.

4:12

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني