fbpx

“هيا لننتخب الرئيس” : عن ذكريات انتخابات مجلس الشعب السوري..

اليوم، وإن تغيرت الأمور، فقد زاد المشهد هزلية تمهد لانتخابات رئاسية تجري العام القادم. ولا مناص من "الاستئناس" بصانع الأراكيل أبو عرب...

سنحت لي فرصة تغطية انتخابات مجلس الشعب في سوريا في أيار (مايو) 2012. حدثٌ وصفته السلطات بالخطوة المهمة من بين “حزمة” الإصلاحات الحكومية. كما زعمت أنها اتخذت إجراءات لضمان شفافية الانتخابات ونزاهتها.

Syrians demonstrate outside the Syrian parliament 25 June 2000 in Damascus in favor of the election of Bashar al-Assad as president. The parliament is expected to unanimously endorse Bashar’s candidacy tomorrow. Bashar has been elevated to commander in chief and secretary general of the ruling Baath Party since the death of his father the late Syrian President Hafez al-Assad. (Photo by LOUAI BESHARA / AFP)

في 7 أيار (مايو) 2012، موعد انتخابات مجلس الشعب (للدور التشريعي الأول)، جلست في بهو المجلس في “حي الصالحية” بدمشق في انتظار موعد مع أحد البرلمانيين. وبينما كنت أشاهد على شاشة قريبة مظاهر الاحتفال “بالعرس الوطني”، بثت “القناة الفضائية السورية” الحكومية إعلاناً مثيراً للاهتمام. قال المذيع بصوت رخيم: “أخي المواطن، تأمل وزارة الداخلية من الإخوة المواطنين الإبلاغ الفوري عن أي جسم مشبوه في الطرقات أو بالقرب من المباني والسيارات.” وتابع الإعلان: “تقوم المجموعات الإرهابية بزرع عبوات ناسفة بأشكال مختلفة لزعزعة الأمن والاستقرار…”. وترافق ذلك مع عرض لنماذج عن العبوات المزعومة.

في ظل تلك الظروف الصعبة، وفي خضم هدنة هشة ودعوات من قبل المعارضة لمقاطعة الانتخابات، جرت انتخابات مجلس الشعب الثالثة منذ وصول الأسد إلى سدة الحكم في عام 2000.

كانت تلك أول انتخابات تعقد في ظل ما أسمته الحكومة نظاماً متعدد الأحزاب بموجب الدستور الجديد الذي أُقِرَّ قبل شهرين والذي أنهى -نظرياً- أربعة عقود من احتكار حزب البعث للحياة السياسية.

لم يكن بوسعي طبعاً أن أنشر مشاهداتي عن المظاهرات المناهضة لنظام الرئيس بشار الأسد والاعتقالات التي تقوم بها قواته والمعارك الدائرة في دمشق وريفها.

لكنني قابلت في يوم الانتخابات صانع الأراكيل أبو عرب، 52 عاماً، وهو من حي “ركن الدين” الدمشقي، وكان يشارك في الاحتفالات مرتدياً لباساً مموهاً ونظارة سوداء ويحمل العلم السوري. أخبرني أنه سيصوت للرئيس الأسد الذي “يحمي سوريا من المؤامرة الغربية والإسرائيلية”. وعندما أخبرته أن الأسد ليس مرشحاً للبرلمان، أجاب: “صحيح. لكنني سأصوت له على أية حال.”

أخبرني أنه سيصوت للرئيس الأسد الذي “يحمي سوريا من المؤامرة الغربية والإسرائيلية”. وعندما أخبرته أن الأسد ليس مرشحاً للبرلمان، أجاب: “صحيح. لكنني سأصوت له على أية حال.

في اليوم التالي للانتخابات، جرى فرز الأصوات في مركز الاقتراع بمبنى محافظة دمشق في ساحة يوسف العظمة. وعلى مقربة من الحدث، نُصِبت شاشات ضخمة مع مكبرات صوت تبث أغنيات وطنية تمجّد “الإصلاحات” ورئيس البلاد. جميع الشوارع المؤدية إلى الساحة مغلقة بصهاريج المياه، وقوات حفظ النظام تدقق في هويات العابرين. وكان علي أن أبرز بطاقتي الشخصية والصحفية حتى يُسمح لي بالدخول إلى مبنى المحافظة.

داخل مركز الاقتراع، شاهدت موظفين حكوميين خلف حواجز زجاجية منهمكين بعد الأصوات وتسجيلها على أجهزة الكمبيوتر. بينما كان أعضاء اللجنة القضائية الفرعية في دائرة دمشق الانتخابية يراقبون عملية الفرز والعد، والتي كان من المفترض أنها تُنقل ببث مباشر عبر كاميرات ليشاهدها صحفيون ومراقبون ومندوبو مرشحين جالسون في قاعة منفصلة في ذات المبنى. إلا أنني حين انتقلت إلى تلك القاعة، كانت هناك مشكلة صغيرة: “ما في إنترنت”، كما أوضحت زميلة صحفية كانت تتصبب عرقاً. وتابَعَت: “قالولنا في مشكلة فنية”؛ وبالتالي لم يتمكن الصحفيون والمراقبون ومندوبو المرشحين من رصد عملية الفرز.

عدت إلى مركز الاقتراع، حيث أخبرني القاضي نذير خير الله، رئيس اللجنة القضائية الفرعية ورئيس محكمة الجنايات الأولى، أنه لو كانت الظروف “طبيعية”، لطلبت لجنته ميزانية لتمويل تركيب كاميرات لمراقبة عملية التصويت ولتشكيل لجنة إدارية لمعالجة التفاصيل التقنية.

لاحقاً أصبح خير الله رئيساً لمحكمة الإرهاب، ثم غدا رئيساً للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش. لكنه أُقيل في حزيران (يونيو) 2017 لتورطه بقضية فساد تعود لعام 2009، بقيمة 200 مليون دولار أمريكي.

وفي 14 أيار (مايو) 2012، قابلت النائب خالد العبود في مكتبه. كان عبود قد خاض الانتخابات من جديد. وخلال المقابلة، عرّفني على ضابط برتبة عقيد حضر فجأة وهنأ عبود على “نجاحه” في الانتخابات. وحتى ذلك الحين، لم تكن نتائج الانتخابات قد أُعلِنت بعد.

في نفس اليوم التقيت مع الخبير الاقتصادي والمعارض السياسي عارف دليلة، وهو عميد سابق لكلية الاقتصاد في جامعة دمشق. وقد رفض دليلة إجراء الانتخابات في ضوء المشهد السياسي والأمني.

وقال دليلة من منزله قرب دمشق إن جوهر المأساة أن نظام الأسد أنكر منذ عام 1970 حقوق الإنسان العامة وجميع أشكال الديمقراطية. وأوضح دليلة أن الأجهزة الأمنية تدير جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية؛ ما يعني أنه لا نقابات ولا حرية تعبير أو انتخابات حرة أو حرية إعلام أو حرية تنقل أو حرية تأسيس أحزاب سياسية.

وقال دليلة إن “أعضاء البرلمان الـ 250 محددون ومعلنون بالفعل. حيث أن قوائم [“الجبهة الوطنية التقدمية”] موزعة في جميع المحافظات لصالح حزب البعث وآخرين. ولا سبيل لخسارة أي منهم وهذا نتيجة للنظام الانتخابي وآلية إجرائها. إن تحديد عدد — دون أسماء — من هذا الطرف أو ذاك قبل إجراء الانتخابات هو الاحتيال وانتهاك للقانون وفقدان للشرعية في الأساس.”

في اليوم التالي، أعلنت الحكومة النتائج. وحصلت “الجبهة الوطنية التقدمية” التي يقودها “حزب البعث” الحاكم برئاسة الرئيس الأسد على 168 مقعداً من أصل 250. وحصل “المستقلّون” (غير الحزبين) على 77 مقعداً، بينما حصل ائتلاف “الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير” المعارِض على خمسة مقاعد.

واليوم، وإن تغيرت الأمور، فقد زاد المشهد هزلية تمهد لانتخابات رئاسية تجري العام القادم. ولا مناص من “الاستئناس” بصانع الأراكيل أبو عرب، ولعله سيقول: “هيا لننتخب الرئيس!”.   

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عليا إبراهيم وحازم الأمين من موقع “درج” – توم ستوكس ورياض قبيسي ورنا الصباغ من ” (OCCRP)
استثمرت شركات خارجية (أوفشور) مملوكة لحاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة بهدوء في أصول خارجية، بلغت قيمتها نحو 100 مليون دولار أميركي في السنوات الأخيرة، فيما كان سلامة يشجع الآخرين على الاستثمار في بلاده.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني