fbpx

صرخات أحلام ورفيقاتها… هل لهذا خلقنا؟

نحن نعيش وسط وباء وكوارث اقتصادية وحروب تلوح في الأفق، ومع ذلك فإذا نظرنا إلى ما طغى على الكثير من النقاشات خلال الأشهر القليلة الماضية سنجد أن فيها هوساً هائلاً بالمرأة: ماذا تفعل وماذا تلبس وكيف تعيش؟

قبل نحو عام، صمّت أرواحنا صرخات الفلسطينية إسراء غريب واستغاثاتها، تلك الفتاة التي ضربها أفراد من عائلتها حتى الموت في إحدى قرى الضفة الغربية. 

رسم لإسراء غريب

وقبل أيام، ترددت صرخات لا تقلّ ألماً من الأردنية أحلام التي قُتلت بمأساة مشابهة، إذ تلقّت ضربات عنيفة بحجر على رأسها على يد أبيها في الشارع قرب منزلها في عمان، لينهي الأب جريمته البشعة بالجلوس قرب جثة ابنته ويحتسي الشاي بانتظار وصول الشرطة. وقبل أحلام تابعنا مأساة المصرية إيمان التي أرسل لها زوجها شخصاً ليغتصبها ويقتلها فيُطوى موتُها بصفته جريمة “شرف”…

تحمل يومياتنا حكايات كابوسية مفزعة تقع تحت خانة الرعب المعبّد بعذاب وأنين جسدي ونفسي، فيحصل مثلاً وأنا أكتبُ هذا الموضوع أن يأتي خبر اكتشاف جثة فتاة قتلها والدها قبل عشر سنوات في الضفة الغربية وأخفى جثتها. اختفت الفتاة ولم يسأل عنها بجدية أحد حتى اكتشفت جثتها قبل أيام مصادفة.

الجرائم لا تتوقف، وفي كل مرة نجد عنصر صدمة جديداً، وهذه المقتلة المفتوحة بحق النساء في أكثر من دولة تُرتَكب في أرض خصبة غنية بالممارسات الاجتماعية والقانونية الرثة والتي تجيد امتصاص أي جريمة بوصفها حدثاً عابراً ومبرراً ربما، وليس نتيجة حتمية لموقع النساء المهزوز والضعيف في مجتمعاتنا. 

فور وقوع جريمة من نوع التهشيم الوحشي لرأس الشابة أحلام والتي لم تلق من يهبّ لنجدتها، علا ضجيج ثرثرة رخيصة حيث شرع حراس النيات والأخلاق الزائفة باستباحة حياتها كما يفعلون حيال حياة النساء عموماً، فأطلقوا تعليقات حافلة بسيناريوات تستوعب الجريمة بل وتكاد ترحب بها. الخوف هو أن يتكرر سير القضية في الاتجاه التقليدي نفسه، أي أن يدّعي الأب القاتل أن “سورة الغضب” أخذته بداعي “الشرف”، وأن يجد محامياً نذلاً يساعده على رفع شعار “العذر المحل” السافل، ولربما سيجد قاضياً لا يقلّ نذالة فيقبل بهذا فيخرج الأب بعد أشهر قليلة من السجن، تماماً كما حصل مع عشرات الحالات.

“ما لهذا خلقنا”

سخر كثيرون من تصريح قاله البرلماني والداعية الأردني محمد نوح القضاة في لقاء تلفزيوني عبر قناة “إقرأ” وفيه تفسير عجيب لضعف التطور التكنولوجي والعلمي في البلاد العربية، فهو قال ما حرفيته إن العرب خلقوا للأفكار والهداية وأن الشعوب الأخرى خلقت للعمل: “بعض الناس يريدنا أن نصنع الطائرات والسيارات والقطارات، ثم ننافس أوروبا وننافس أميركا بهم، ما لهذا خُلقنا”. صاحب هذا التصريح المضحك والمخزي داعية معروف له حضور وبرامج في قناة “إقرأ” وهي القناة الدينية الأشهر عربياً، وعبرها ظهر في حلقات لا تحصى متناولاً شؤون النساء، شارحاً لهن ما عليهن فعله وقوله ولبسه ومؤكداً لهن أنهن مسؤولات عن تعرضهن للتحرش ناصحاً كيف على المرأة ألا تقع فريسة الدعوات للخروج إلى العمل والاستقلالية

الداعية محمد نوح القضاة

المفارقة هي أن شرائح واسعة من الذين سخروا منه جراء تعليقه المضحك، “ما لهذا خلقنا” يقبلون منه أقوالاً كثيرة بحق النساء. فالعقل الذي يرفض ببداهة مطلقة هذيانات حول أن العرب لم يخلقوا للعمل والاختراع لتبرير التراجع والانتكاس، هو نفسه يغض النظر عن تصريحات ومواقف تحمّل المرأة مسؤولية التحرش أو تعيب عليها أن تلبس وتعمل وتعيش كما تريد.

هذا الشخص ليس نكرة، فهو شخصية معروفة جداً وكان وزيراً وعضواً في البرلمان أي أن له دور التشريع وتعميم الأفكار، وهو نموذج نجد له نظراء كثر لذكور في مراكز السلطة والتشريع، وأمثاله ممن يشرعون للمرأة كيف تحيا وكيف تموت.

يومياً نجد في المحاكم الخاصة بقوانين الأحوال الشخصية أحكاماً مخزية يحرص السلطويون الذكوريون على ألا تمس، بحيث يتم إجهاض التجديد والتطوير في النصوص تحت ستار الألوهية، فيرفض برلمانيون وسياسيون تعديل القوانين التمييزية بحق النساء، بذريعة أنها مستمدة من نصوص مقدسة. لكن الحقيقة هي أن حراس الدين وخلفهم السلطة السياسية يستغبون الناس ويصادرون العقول والمشاعر بمنطق الحلال والحرام والشرف والثواب والجنة والنار. 

عبر هؤلاء يصبح حق المرأة بالاختيار ضرباً من ضروب الكفر. 

يومياً نجد في المحاكم الخاصة بقوانين الأحوال الشخصية أحكاماً مخزية يحرص السلطويون الذكوريون على ألا تمس.

صرخات النساء القتيلات وآلام اللواتي على قيد الحياة منهن تصطدم بجدار من الأقوال الحمقاء المغلفة بغلالة كاذبة هي “القداسة”، فيحصل أن شيوخاً وقادة يخاطبون النساء عبر الفضائيات وعبر المنابر وعبر السوشيال ميديا وهم يلوحون بأيديهم وبألسنتهم بعصي غليظة يسوقون بها النساء. فهم يرون أنفسهم قوامين ومن تقرر أن تواجه أو تعترض ستتحول إلى كبش تنهشه ذئاب مسعورة. فباسم الدين يتم التحكم بكل مفاصل الحياة والتدخل في كل شاردة وواردة في يوميات النساء، بدءاً مما تلبس وصولاً إلى العمل والزواج وانتهاء بالموت والميراث.

نحن نعيش وسط وباء وكوارث اقتصادية وحروب تلوح في الأفق، ومع ذلك فإذا نظرنا إلى ما طغى على الكثير من النقاشات خلال الأشهر القليلة الماضية سنجد أن فيها هوساً هائلاً بالمرأة: ماذا تفعل وماذا تلبس وكيف تعيش؟

هل يجوز أن نترحم على الناشطة المثلية سارة حجازي؟ هل يجوز للفنانة رانيا يوسف أن تلبس ما تشاء، وهل يحق للمرأة أن تسبح بالمايوه أو بالبوركيني؟

وفي خضم النقاشات طحن رأس أحلام، وقتلت إيمان، وأخريات…

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عليا إبراهيم وحازم الأمين من موقع “درج” – توم ستوكس ورياض قبيسي ورنا الصباغ من ” (OCCRP)
استثمرت شركات خارجية (أوفشور) مملوكة لحاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة بهدوء في أصول خارجية، بلغت قيمتها نحو 100 مليون دولار أميركي في السنوات الأخيرة، فيما كان سلامة يشجع الآخرين على الاستثمار في بلاده.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني