fbpx

“على منشور ندخل الحبس؟” : السجن لآمنة التونسية بسبب كلام يحاكي القرآن!

يبدو أن الذين تولوا النظر في قضية آمنة الشرقي استجابوا لنزعاتهم الفكرية والايديولوجية الضيقة وتغافلوا عن حقيقة شيوع محاكاة النص القرآني التي حدثت في مناسبات عدة سابقاً.

“محبش ايجيني النوم… نخمم في مصيري… حياتي… التوا توصلي ميساجات تهديد بالقتل والذبح من بارشا بلدان عربية… مهددة بالسجن… تنقيلة داري… وضعي… كيفاه بش يجيني النوم مبعد هذا؟ كيفاه بش نرقد مرتاحة؟ صعيب. تونس تقتل آمال وأحلام الشباب وزدت تأكدت أكثر… هذا كل على منشور فايسبوكي ندخل للحبس؟ واللي يهددو فيا بالقتل مش هوما المجرمين؟ متحركتلهمش بلادي… بلادي اللي تقتل فينا عرق عرق”.

آمنة الشرقي في منزلها قبل أيام من قرار سجنها

بهذه الكلمات ردت الشابة التونسية آمنة الشرقي على صدور حكم قضائي يقضي بسجنها 6 أشهر وخطية مالية بسبب مشاركتها في نص ساخر من “كورونا”، يحاكي على مستوى الشكل النص القرآني. رسالة يغلب عليها الخوف المزدوج، فمن جهة الخشية على حياتها ومصيرها في ظل تهديدات لا تتوقف بالقتل والاغتصاب، والخوف من لا عدالة السلطة التي يبدو أنها تريد مواصلة لعب دور الجلاد ضد شبابها المختلفين بأفكارهم وحتى أشكالهم فيما تغض البصر عن دعاة القتل والترهيب.
وقضت المحكمة الابتدائية في تونس العاصمة، بالسجن ستة أشهر على الشابة آمنة الشرقي (27 سنة) بتهمة “الدعوة والتحريض على الكراهية بين الأديان والأجناس والسكان، وكذلك بغرامة مالية بقيمة ألفي دينار (أكثر من 700 دولار) عن جريمة النيل من الشعائر الدينية” لمشاركتها في نشر نص عبر وسائل التواصل الاجتماعي اعتبر مسيئاً للإسلام.


وقالت هالة بن سالم محامية الشرقي، “إن مثل هذه الاحالات والمحاكمات التي تأتي في إطار ممنهج لضرب حرية التعبير والفكر والنشر وحرية الضمير والمعتقد في تونس، لا يمكن أن تكون سوى تقويض لمبادئ الديموقراطية التي أسسنا لها وتعطل مرة أخرى بناء مجتمع تعددي ديموقراطي تضمن فيه الحقوق والحريات لجميع الناس مهما كانت اختلافاتهم. ولهذا سنواصل خوض هذه المعركة مرة أخرى بالقانون وسنواصل في الاستئناف”.
وأوضحت أن آمنة شرقي ليست صاحبة ”سورة الكورونا” وليست من قام بكتابتها بل أعادت نشر تدوينة كانت موجودة على صفحات “فايسبوك”، نشرت في شكل إطار مزخرف شبيهة بآيات القرآن، ومحتوى النص خالٍ من أي عبارة نابية أو مسيئة أو تحتمل معنى الاستهزاء أو السخرية أو التحريض.
مع العلم ان المعايير الحقوقية الدولية المتعلقة بحرية التعبير تضمن حرية الاشخاص في التعبير عن آرائهم حتى لو حملت سخرية أو تجديفاً ضد أفكار ومعتقدات حتى لو كانت مقدسة وأن الحد الوحيد الضابط لحرية التعبير هي حين يتضمن دعوة صريحة للعنف والكراهية والتمييز ضد أشخاص ومجموعات بسبب عرقهم أو لونهم أو أي تصنيف آخر.
بحسب بن سالم تتم مقاضاة الشرقي وفقاً للمادة السادسة من الدستور التونسي التي تنص على أن “الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم منع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف والتصدي لها”.

سورة “كورونا” التي سجنت آمنة الشرقي بسببها


يذكر أن القضاء التونسي قرر مطلع أيار/ مايو ملاحقة آمنة الشرقي بعدما تداولت على الإنترنت نصاً ساخراً فيه محاكاة للنص القرآني بتهمة “المس بالمقدسات والاعتداء على الأخلاق الحميدة والتحريض على العنف”.
وكانت الشرقي نشرت في 2 أيار نصاً ساخراً على “فايسبوك” عنوانه “سورة كورونا” يتحدث عن جائحة كوفيد-19 في شكل يشبه النص القرآني. بعد يومين من نشر هذه التدوينة أي 4 أيار، استدعت الشرطة القضائية المدونة، لاستجوابها ومثلت في اليوم التالي أمام مكتب النيابة العمومية التي قررت مقاضاتها طبقاً للمادتين 52 و53 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة بتهمة “التعدي على الشعائر الدينية المسموح بممارستها” و”التحريض على الكراهية بين الأديان”. علماً أنه لم يتم توقيفها آنذاك. وبالعودة إلى النصوص القانونية، فإن هذه التهمة ليس لها أساس قانوني كاف باعتبار أن الفصلين 52 و53 من المرسوم 115 يتعارضان مع أحكام دستور البلاد ومع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه من قبل تونس.
ويضمن الدستور التونسي الحق في حرية الرأي والفكر والتعبير وفقاً للمادة 31. وتنص المادة 49 من الدستور على أن الضوابط المتعلقة بالحقوق المذكورة أعلاه لا يجب أن تنال من جوهرها وتنص كذلك على أن إقرارها يجب أن يكون مبنياً على أساس قانوني ويجب أن “يستجيب لمتطلبات دولة مدنية ديموقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها”.
ويكرس الدستور التونسي متطلبات هذه الالتزامات الدولية المتعلقة بحرية التعبير وتنص المادة 3-19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على أن وضع ضوابط على حرية التعبير يجب أن يقوم على أساس قانوني واضح بدرجة كافية، ومتوقع وأن يسعى إلى تحقيق أهداف مشروعة وتحترم مبدأ التناسب، بمعنى أن الفائدة التي تنتج عنها للفئات المستهدفة تفوق الضرر الذي قد يلحق بحرية التعبير، بما في ذلك ما يتعلق بالعقوبات التي تجيزها هذه القيود.

إن هذه التهمة ليس لها أساس قانوني كاف باعتبار أن الفصلين 52 و53 من المرسوم 115 يتعارضان مع أحكام دستور البلاد


ويبدو أن الذين تولوا النظر في قضية الشرقي من مركز الشرطة حتى القضاة الذين أصدروا حكمهم، استجابوا لنزعاتهم الفكرية والايديولوجية الضيقة وتغافلوا عن حقيقة شيوع محاكاة النص القرآني التي حدثت في مناسبات عدة سابقاً، وتغافل هؤلاء عمداً أيضاً عن مفكرين وكتاب كبار في تونس والعالم العربي اعتمدوا أسلوب محاكاة النص القرآني في نصوص ساخرة وناقدة، ولم يُحاكَموا اجتماعياً ولا قضائياً، منهم بيرم التونسي ومحمود المسعدي وحتى الرئيس قيس سعيد.
فالمسعدي الذي تقلد منصب وزير التربية في تونس إبان حكم بورقيبة اعتمد في كتابه “السد” المحاكاة للآيات القرآنية نذكر منها قوله “أعوذ بصاهبّاء من الإنسان الرّجيم” التي تتواءم مع “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.
ونجد في موضع آخر سير المسعدي على منوال سورة الرحمن في كتابه “حدث أبو هريرة”، عندما قال “ودعوتهم إلى جنات ووديان وأعناب مهدلة ولؤلؤ ومرجان وتين وتفاح ورمان وماء مستراح وريحان”. وهناك مواضع أخرى يطول شرحها اختار فيها الكاتب التونسي الكبير المعروف ببحثه في مسألة السجع العربي أن يأخذ شكل النص القرآني وإيقاعه ويلبسه لكتاباته رغبة منه في تقديم أفكاره بلغة سامية، ما دامت تحاكي نصاً مقدساً، لكنه لم يُجلَد لا ككاتب ولا كوزير.
قيس سعيد استحضر في محاضرة مسجلة له في كلية الحقوق نصاً لأحمد مطر “إذا الدساتيرُ سُئلَتْ بأيِّ حِبْرٍ كُتِبَتْ لانْتَفَضَتْ فُصولُها وصرخَتْ بنودها بحبر مستورد من عواصم غربية”، ما يحيل إلى الآية الثامنة من سورة التكوير “وإذا الموؤودة سُئلت بأي ذنب قُتلت”. لكنّ سعيّد أيضاً لم يُلاحَق!
منذ الثورة، يُلاحق شباب بسبب أفكارهم، على رغم الضمانات الدستورية التي تكفل حرية التعبير، فعلى سبيل الذكر لا الحصر صدرت أحكام بالسجن وغرامات مالية ضد شابين بعد اتهامهما وإدانتهما بنشر مواد “من شأنها تعكير صفو النظام العام أو النيل من الأخلاق الحميدة”.
وجاءت التهم على خلفية إصدار الشاب غازي بن محمد الباجي كتاباً بعنوان “وهم الإسلام” نشره على موقع www.scribd.com، وهو موقع مجاني لنشر “الكتابات الاجتماعية”. وقال غازي الباجي في مقدمة كتابه إنه ينوي الكشف عن “الوجه القبيح للإسلام”. وتناول المقال بشكل ساخر جوانب من سيرة النبي محمد، وبخاصة حياته الجنسية. أما جابر بن عبد الله الماجري، المتهم الثاني، فنشر صوراً كاريكاتورية على صفحته في “فايسبوك” للنبي محمد مقتطفة من كتاب غازي الباجي، إضافة إلى كتابات ساخرة عن الإسلام والنبي.
وتثير هذه الأحكام مخاوف المجتمع المدني بشأن مستقبل حرية التعبير في البلاد، لا سيما مع تكرار حالات اعتقال المدونين بسبب أفكارهم حتى التي لا تطاول المقدس.
يسرى فراوس رئيسة “جمعية النساء الديموقراطية” تستنكر بشدة الحكم القضائي الذي صدر ضد الشرقي، موضحة أنه منذ بدء الحملة الممنهجة ضدها، طالبت الجمعية النيابة العمومية بالتحقيق في دعوات الكره والتهديدات بالقتل وبالاغتصاب التي تستهدف الشابة، ولكن ما حدث أنه تم تجاهل هذا الخطر المحدق بها والذهاب نحو مساءلتها وملاحقتها بسبب منشورها. وتؤكد فراوس أن مجرد مساءلتها بسبب منشور وضعته على صفحتها الخاصة هو اعتداء على حرية التعبير والنشر.
وتستنكر فراوس حدوث هذه المحاكمة في بلد كتاب كبار مثل محمود المسعدي ومفكرين كبار تناولوا القرآن من داخله وخارجه على غرار محمد الشرفي ومحمد الطالبي ورجاء بن سلامة ولطيفة الأخضر، وغيرهم ممن تعاملوا مع النص الديني بالكثير من القراءة التاريخية والموضوعية وفككوه من الداخل لكي يفهمه الناس ويبحثوا فيه أكثر. كما تستغرب إصدار هذه الأحكام بعدما اعتقد الجميع أن أمر الحريات الفردية وحرية المعتقد بات محسوماً في تونس منذ تبني دستور 2014 الذي وضع بعد تضحيات واغتيالات وتحركات كبيرة من أجل أن يكون للبلاد دستور يتضمن الحد الأدنى من المعايير الدولية لحقوق الانسان.

تثير هذه الأحكام مخاوف المجتمع المدني بشأن مستقبل حرية التعبير في البلاد


وتقول: “نحن اليوم أمام قضاة للأسف لم يتخلصوا في ضمائرهم وعقيدتهم ووجدانهم من فكر ظلامي رجعي يحاكم ضمائر الناس باستعمال نصوص قانونية تستعمل في غير محلها. فمحاكمات الضمير لدى القضاء التونسي توحي بأن هناك علة حقيقية لديهم لعدم فهمهم الدستور ولضمانات الحقوق والحريات والأخطر أننا نعيش سياقاً عاماً فيه مد رجعي واضح بدليل صمت مؤسسات الدولة عن هذه المخالفات للدستور التونسي. وأشعر بالأسف لأنه ما زال لدينا قضاة بمقدورهم وضع مارسيل خليفة في السجن إذا غنى في حفلة أنا يوسف يا أبي”.
وتدعو الحقوقية التونسية رئيس الجمهورية قيس سعيد باعتباره المكلف بحماية الحقوق والحريات وحماية الدستور إلى التدخل والتعبير عن رأيه في هذه القضايا ويوضح أن سياستنا الجزائية ليست موجهة لمحاسبة الضمائر والمعتقدات أو ملاحقة حرية التعبير، بل لملاحقة الإرهاب والإرهابيين والظلاميين. “مؤسف أن نجد شباباً كآمنة يطلبون اللجوء إلى بلدان أخرى والفرار من بلدهم الذي أصبح خانقاً للحريات”.
“منظمة العفو الدولية” رأت أن هذا الحكم بمثابة صفعة قاسية في وجه حرية التعبير في تونس، وسيكون له تأثير مخيف من خلال منع الآخرين من التجرؤ على التعبير عن آرائهم عبر الإنترنت. ودعت السلطات التونسية إلى إسقاط حكم الإدانة، والتحقيق في تهديدات الاغتصاب والقتل التي تلقتها آمنة رداً على تعليقها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني