fbpx

آيا صوفيا وقصّة الحضارات الهشّة

يرى علمانيون أتراك أن تحويل أشهر متحف في إسطنبول إلى مسجد هو في الأساس تجسيد للصراع القائم بين مؤيدي أردوغان وجمهورية أتاتورك. ويشعر العلمانيون الأتراك، الذين يتركز معظمهم في بلدية إسطنبول، بأن الهدف من فتح المدينة هذه المرة هو استهدافهم والقضاء عليهم.

متحف آيا صوفيا واحد من أكثر المواقع الملهمة روحياً التي أعرفها. ولا يقتصر تأثيره العميق في الجمال المعماري المدهش الذي يتسم به المبنى فضلاً عن تصاميمه الداخلية ذات الدلالات الروحانية. إذ لا يستطيع أي زائر أن يُنكر حقيقة أن المكان صُمم وبُني ليكون كنيسة أرثوذكسية، وظلت الشعائر المسيحية تُمارس فيه لقرون. وقد تحول هذا الموقع الديني المسيحي بالقوة إلى مسجد عام 1453 عندما اجتاحت الجيوش العثمانية القسطنطينية. تصف الوقائع التاريخية التي تروي أحداث غزو المدينة كيف اقتحمت القوات الإنكشارية آيا صوفيا لنهب القطع الأثرية الثمينة، واغتصاب واختطاف المدنيين الذين اتخذوا منها ملاذاً وحاولوا الاعتصام داخل أسوارها. لذا يُمكن القول إن عملية تحويل آيا صوفيا من كاتدرائية أرثوذكسية إلى مسجد، حصلت من خلال أعمال عنف جماعي؛ فقد كان تحولاً قسرياً، يشبه إلى حد كبير اعتناق 20 إلى 30 ألف شخص من المواطنين الأرثوذكس اليونانيين الإسلام قسراً في اللحظة التي سقطت فيها المدينة.

قصة آيا صوفيا معقدة ولها بُعد روحاني وديني بالغ العمق. وتحمل لنا في طياتها الكثير من الرسائل الأخلاقية، لعل أبرزها رسالة الفتح والاحتلال والهيمنة، فهي قصة أشخاصٍ لا يرون سوى القوة والسلطة. 

يبعث تاريخ آيا صوفيا المعقد والمتشابك والقصة التي يرويها على الورع والتواضع: فحتى أعظم الإمبراطوريات تضعف وتنهار في نهاية المطاف. وما يتبقى هو الثقافة التي أنتجتها، والحضارة التي خلفتها والعبر التي يمكن أن نستخلصها منها.

يحمل القرار التركي بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد -الذي أصبح متحفاً منذ عام 1934- بين طياته رسالة خفية.  فقرار إعادة آيا صوفيا من متحف إلى مسجد هو ثالث تحول بعرفه المكان. غير أنني لا أرى في هذا الفعل أي دافع ديني أو روحاني أو حتى أخلاقي. فقد اتخذ القرار قاضٍ علماني ووقع عليه الرئيس التركي المنتخب وفقاً للمبادئ الديموقراطية، وبالتالي فهو أيضاً من حيث المفهوم رئيس علماني. ولم تتخذ قرار هذا التحول الأخير هيئة من علماء الدين أو الشيوخ، بل اتخذته مؤسسات الدولة العلمانية.

لن يزيد تحويل آيا صوفيا إلى مسجد من الروحانيات والعمق الأخلاقي للأتراك المسلمين، فمدينة اسطنبول لديها ما يكفي من المساجد لكي يلتقي سكانها المسلمون ويقيموا الصلاة، كما ذَكَّر الرئيس التركي في خطاباته السابقة. بل إن هذا التحول الأخير لن يُثير سوى الإحساس بالخضوع ومشاعر الهيمنة: فقد أقيمت الصلاة الإسلامية بالفعل في 29 مايو/ أيار من هذا العام داخل الكاتدرائية البيزنطية السابقة، احتفالاً بالذكرى 567 لفتح المدينة.

قصة آيا صوفيا بلا شكٍ قصة معقدة، لكن لا يمكن فصلها عن عملية إبادة المسيحيين في الدولة العثمانية خلال أول عقدين من القرن العشرين. فقد كان نصف سكان مدينة القسطنطينية -كما كان يُطلق عليها حتى عام 1924- على الأقل مسيحيين، يتبع معظمهم كنيسة الروم الأرثوذكس والكنيسة الرسولية الأرمنية. واليوم، لا يوجد سوى ألفي أرثوذكسي على أقصى تقدير ما زالوا يعيشون في المدينة التي يسكنها حوالى 20 مليون شخص. ويتم التغاضي عن الفوارق بين حال السكان المسيحيين الذين كانوا يقطنون مدينة القسطنطينية قبل الحرب العالمية الأولى والذين يقطنون إسطنبول اليوم في سبيل مسميات مثل فرض القوة والفتح و”النصر”.

واليوم، تشهد المدينة فتحاً جديداً. لكن ما الهدف؟ إذ لم يعد هناك كثير من الأرثوذكس في المدينة، على الرغم من أن الدولة لا تزال تضطهد وتسيء لِلقلة الباقية منهم، ويشهد على ذلك معهد هالكي اللاهوتي -أهم مركز تعليم لاهوتي أرثوذوكسي- الذي لا يزال مغلقاً منذ عام 1971 بموجب قرارٍ من الدولة التركية. مع ذلك، يرى علمانيون أتراك أن تحويل أشهر متحف في إسطنبول إلى مسجد هو في الأساس تجسيد للصراع القائم بين مؤيدي أردوغان وجمهورية أتاتورك. ويشعر العلمانيون الأتراك، الذين يتركز معظمهم في بلدية إسطنبول، بأن الهدف من فتح المدينة هذه المرة هو استهدافهم والقضاء عليهم. وقد أعرب أورهان باموق عن هذا الرأي في مقابلة له مع شبكة “بي بي سي”، وذلك عندما تبرم من أن العلمانيين الأتراك لم يعد لهم رأي يُسمع ولا مكانة تُذكر في تركيا اليوم. لكن ألم تقضِ تركيا في ظل “العلمانية” على مسيحييها الذين شكلوا ذات يومٍ نصف سكانها، جاعلةً تركيا الحديثة حكراً على “المسلمين”؟ ألا نشهد اليوم استمراراً للعلمانية التركية لكن مع تغييرات طفيفة؟

قصة آيا صوفيا معقدة ولها بُعد روحاني وديني بالغ العمق. وتحمل لنا في طياتها الكثير من الرسائل الأخلاقية: لعل أبرزها رسالة الفتح والاحتلال والهيمنة، فهي قصة أشخاصٍ لا يرون سوى القوة والسلطة. 

لكن ثمة رسالة أخرى تحملها قصة آيا صوفيا خلف هذا الصخب والعنف: وهي أن الحضارات الإنسانية تُبنى على مقومات وتوازنات حساسة، وأنها جميلة وهشة في الوقت نفسه.


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروى صعب – صحافية لبنانية
أن تكون أجنبياً في لبنان، معاناة ستحملها إلى ما بعد الموت. روان التي ولدت في بيروت منعت من ان تدفن فيها،
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني