fbpx

الحرب على العنصرية في الغرب… إسقاط التماثيل ضمناً؟

الغضب يحرك التاريخ والحكومات، الغضب ولو كان وجيزاً، قد يؤدي إلى إنصاف وإن كان فيه القليل من المخاطرة وتفكيك للعلاقات المهترئة القائمة بين السلطات والذين تظلِمهم.

في الآونة الأخيرة، وفي ظل المعركة من أجل حقوق المواطنين ذوي الأصول الأفريقية التي بدأت في الولايات المتحدة ومن ثم امتدّت إلى دول أخرى كالمملكة المتحدة وبلجيكا وفرنسا، توجه المحتجون نحو تحطيم تماثيل وتذكارات لشخصيات ساهمت في تكريس تاريخ العبودية والرق، وكان لها دور مركزي في زمن الاستعمار، كوسيلة إضافية وأكثر راديكالية لمجابهة العنصرية المنهجية والبنيوية في هذه البلدان. ففي الولايات المتحدة فقط، أسقط نحو 11 تمثالاً، لشخصيات تاريخية وسياسية، لعبت دوراً مهماً في التاريخ الأميركي، وخصوصاً في ما يخص استحضار العبيد واستعمار الدول وطرد سكان الأرض الأصليين وقتلهم. 

أثارت هذه التحركات وما تبعها من تشويه وتحطيم لرموز اليمين العنصري تحفظات كثيرين، فأبدوا معارضتهم عمليات التخريب “السخيفة والمخزية” بحسب تعبير بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا. فهذا الجدل نجح في تقسيم الناس إلى معسكرين، الأول، يعارض التخريب والتحطيم، بذريعة أن ما يُحطم هو جزء من التاريخ الجماعي لدولة أو لشعب، وأساس وإرث ثقافي تجب المحافظة عليه، وإن وجبت ازالتها، فإن هناك أساليب سلمية غير العصيان المدني تتناسب مع واقع البلد الديموقراطي، يمكن من خلالها الاتجاه نحو قرار ديموقراطي عبر آليات الدولة، لإزالة هذه التماثيل. امّا المعسكر الثاني، فهو يعتبر أن تحطيم تذكارات وتماثيل شخصيات لطخت أيديها بالدماء وساهمت في شقاء آلاف البشر، هو حق مشروع، وخصوصاً في حالات الغضب، التي اندلعت بسبب رواسب هذه الشخصيات في المنظومة الاجتماعية والسياسية ضمن تلك البلاد. 

ولكن هنا نجد أنفسنا أمام سؤالين ملحين، وهما، ما طبيعة التمثال؟ وما دلالاته التاريخية؟ والسؤال الآخر، متى يكون العصيان المدني في حالات كهذه مبرراً وأخلاقياً؟ 

التماثيل ورمزيّتها 


التمثال هو تاريخ، تاريخ عام لذاكرة جماعية عامة وهذا أقله في الدول “الديموقراطية” حيث يعبر التمثال عن تكريس ديموقراطي للتاريخ، يهدف الى تأدية وظيفة تاريخية عامة. للتاريخ وظائف كثيرة، فإضافة إلى الدقة في نقل الوقائع والأحداث، يعمل التاريخ على تبجيل بعض الأشياء أو الأشخاص، أو يحفظهم في ذاكرتنا الجماعية، ودور التماثيل التاريخي هو فعلياً التبجيل أو تكريم هذه الشخصيات. والتماثيل هي أيضاً تلعب دور الرموز للقدوة السياسية والاجتماعية التي يجب ان توجد في التاريخ العام.  ولكي نصل إلى هذا التاريخ العام، كان على المؤرخين أن يخوضوا تجارب كثيرة، وأن يسألوا أنفسهم أسئلة جذرية، عن كيفية تدوينهم التاريخ وأي أحداث يجب أن تدون، وبأي طريقة؟ ما الأسس التي علينا نقلها للأجيال المستقبلية، وما قيم المجتمع التي عليهم أن يظهروها، وبالتالي، ما نراه حاضراً هو تعزيز لما وجد سابقاً، أي في الماضي، وتكريم لهذه القيم والشخصيات التي كمجتمع، علينا أن نتقبلها ونحترمها. وطالما هذه القيم والشخصيات لا تتعارض مع حاضر الدولة أو المجتمع، فإن وجودها وأساسها إذاً لا مشكلة فيهما. ولكن في حال عدم ارتقاء هذه المفاهيم وتاريخ هذه الشخصيات إلى واقع المجتمع الحالي وعدم تناغمها معه يصبح الشك بشرعيتها أمراً طبيعياً وضرورياً. 

فبأي حق على أحفاد من استعبد في الولايات المتحدة، أن يقبلوا تكريم من استعبد أجدادهم؟ لماذا عليهم أن يتقبلوا فكرة وجود تذكار، بني على الأرجح بين 1889 و1919، أي في حقبة من التاريخ البشري برزت فيها مزاعم العنصريين والتمييز العرقي والاستعمار الغربي لدول أفريقيا والشرق؟ 

هذا كله، يضعنا أمام معضلة أخلاقية، فوجود هذه التذكارات والتماثيل، في دولة، لا يزال أبناؤها يعانون من آثار العنصرية والتمييز، هو إجبار لهذه الجماعات المستضعفة على قبول الواقع كما هو، أي استمرار الماضي الأليم، وإبقاء رموز الاستعباد وأسياده. وهذا يحولنا نحو السؤال الثاني، إذا كانت هذه التماثيل غير شرعية، وحتى غير مقبولة أخلاقياً، فبأي طريقة يجب أن نتخلص منها؟ وهل العصيان المدني مبرر؟

مشروعية العصيان المدني في الفكر الليبرالي 

بعد أن تثبت الديموقراطية فشل إنصافها في حالات كهذه، يعود الأمر إلى الفئات المعنية بالموضوع للتصرف، وفق عقلية ومشروع محددين، تكون قد اتفقت عليها مسبقاً، او تخلق عفوياً إيماناً منها بمبدأ تحقيق العدالة لنفسها. يؤيد هذا الطرح، الفيلسوف الأميركي الليبرالي جون رولز في كتابه “نظرية العدالة” فيقول: “ليس من الصعب تبرير حالة العصيان المدني في نظام غير عادل لا يتبع مصلحة الأغلبية لذلك تستفيد حركات العصيان المدني من الظلم والتسلط وتوظفها في عملية التحريض وكلما ازداد الظلم كان ذلك في مصلحة حركات العصيان المدني وكلما ازدادت جرائم النظام المعلنة، كان ذلك سبيلاً لاجتذاب الجماهي،ر لذلك تستفيد حركات العصيان من أخطاء النظام وتوظفها بشكل دقيق لجذب المزيد من الأحرار لتسقط شرعيته وهيبته”.

ثم ينتقل رولز ليضع أربعة شروط لمشروعية العصيان المدني وهي:

 ١. أن يكون العصيان حقاً للجميع، وبإمكان أي فئة أن تقوم به في حال كانت عرضة للظلم.

٢.  فشل الوسائل الديموقراطية في إعادة التوازن.

٣.   حصول خرق فاضح في حقوق الإنسان.

٤.  تحديد هدف واضح من القيام بهذا العصيان.

نضيف إلى هذا أن مظلومية شعوب كثيرة قد تتجه نحو واقعية ما، وتتجذر في المجتمعات، ويصبح بذلك التخلص منها بالطرائق الاعتيادية أصعب وأصعب، ولذلك قد تحتاج هذه المجموعات إلى خلق صدمة أو خضة تعبّر عنها بشكل واضح وصريح. ويمكن أن نتعلم من التاريخ وخصوصاً بعد عنصرية طويلة الأمد، أنه إذا لم يغضب الناس، فلن يكون بإمكانهم تحقيق أي شيء، أو فرض عدالة ومحاسبة من أخطأ بحقهم، الغضب يحرك التاريخ والحكومات، الغضب ولو كان وجيزاً، قد يؤدي إلى إنصاف وإن كان فيه القليل من المخاطرة وتفكيك للعلاقات المهترئة القائمة بين السلطات والذين تظلِمهم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
باسكال صوما – صحافية لبنانية
تقتصر المحاسبة والتوقيفات على مديرين أو مسؤولين أو موظفين صغار في الدولة، وتتم تبرئة الرؤوس الكبيرة التي تتولى في الحقيقة إدارة المرفأ والمطار وكل شاردة وواردة في البلد.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني