fbpx

آيا صوفيا إذ تعوّض سنّة المنطقة عن هزائمهم

يستسهل أصحاب الوعي السني البحث عن "مخلص" يعوضهم عن صعوبات الحاضر بأوهام الماضي. و أردوغان الشخص المثالي للعب هذا الدور خصوصاً وهو يستثمر في احتفاء بعض سنّة المنطقة بممارساته، وبحثهم عما يعوضهم عن ضعفهم...

يستقبل عدد واسع من سنّة المشرق حدث تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد في تركيا، بوصفه علاجاً يعوض هزائم متتالية، حولتهم إلى مضطهدين ومهجرين ومعتقلين ومعارضين لا يستطيعون العودة لأوطانهم. والاستقبال هذا، إذا يتحكم فيه نازع ديني يحيل الغرب إلى زمن الحروب الصليبية ويثبته هناك مغفلاً كل التحولات التي مرت، فهو، يكشف عن قصور في الفعل السياسي عند الجماعة الأكثرية، وما اللجوء إلى “مخلص” مثل رجب طيب أردوغان، سوى تبدي وجلاء، لهذا القصور، وترك المظلومية السنية عرضة لاستغلالات الشعبوي الطامح لتحويل تركيا لبلد سلطوي يتمركز حول شخصه.

مع الانهيارات المتتالية التي أصابت الجماعة السنية، سيما في بلدان المشرق، بفعل تغلب جماعات وأنظمة مدعومة من إيران، تعرض الوعي السني تجاه الغرب لرضات حادة

والأرجح أن القصور السياسي، يتغذى من النازع الديني المعادي للغرب، بحيث لا تتقاطع الأكثرية السنية مع الأخير سوى في المصالح الضيقة، دون تأسيس أي علاقة تتجاوز إشكالات التاريخ، وتبني على معطيات الحاضر. هذا التناقض يسهل اكتشافه، مع ملاحظة ردود الفعل على مسألة التدخل الخارجي في حروب المنطقة، فإن تدخل الغرب فهو احتلال يريد نهب ثرواتنا، وإن لم يفعل فهو متآمر وصامت على جرائم الأنظمة المستبدة. التأرجح بين، “المحتل” و”المتآمر”، في بناء تصور في النظرة للغرب، يستمد جذره، من فهم إسلامي يرتكز على الحروب الصليبية معطوف على فهم إيديولوجي يساري وشعبوي يعتاش على اجتزاءات نظريات المركز والأطراف، العولمة ومعاداتها، الشرق والغرب وسواها. 

ثمة إشكال إذا في علاقة قسم كبير من السنّة مع الغرب، سببه وعي متصلب، يتجاهل عن قصد، أن الغرب غادر الحروب الصليبية وبات في مستوى آخر في التعاطي مع مشكلاتنا، ويستند، أي الوعي، على أوهام إيديولوجيا باتت بلا معنى بحكم ما طرأ على العالم من تحولات. 

ومع الانهيارات المتتالية التي أصابت الجماعة السنية، سيما في بلدان المشرق، بفعل تغلب جماعات وأنظمة مدعومة من إيران، تعرض الوعي السني تجاه الغرب لرضات حادة بيد أنها لم تتبلور كوعي مضاد ونقدي، ينظر للغرب بتوازن بعيداً عن المخيال الديني. كما أن طروحات السياسة بقيت أسيرة هذا الوعي ولم تستطع الجماعة الأكثرية أن تطرح تصورات جديدة حول أشكال الحكم والعلاقة مع الأقليات والنظرة إلى السلام. ما يعني أن الوعي المتصلب إياه يتوازى مع استعصاء سياسي يحول دون حل المشكلات العالقة،  بدليل أن أي تغيير بأوضاع المنطقة، كمنح حق تقرير المصير لجماعة ما، ينظر إليه كإرادة غربية. إذ إن وحدة البلدان لها أصل إسلامي في الخلافة وآخر رديكالي في الإيديولوجية القومية، بمعنى أن الوعي الذي يؤسس النظرة للغرب، هو نفسه يمانع إحداث تحول سياسي في بناء تصورات حول أنظمة الحكم.

وعليه، فإن الأوضاع المتردية للسنة في المنطقة، لا تتوازى مع وعي سياسي، يقلل منها ويخفف من أثقالها، عبر بناء تقاطعات مع الغرب، بل إن عدداًَ كبيراً من السنّة ينحون إلى  استئناف الوعي المتصلب انطلاقاً من معطيات جديدة، وهو ما يفسح المجال لأردوغان ليكون “المخلص”. 

فالأخير، وبصرف النظر عن هدف سياساته وممارساته و انعكاسها على الداخل التركي، يشكل استجابتان لوعي قسم من السنة في المنطقة، الأولى، تثبيت الغرب عند حقبة الحروب الصليبية، والثانية، استعصاء السياسة وما يرتبه من قصور في حل مشكلات الجماعات في المنطقة. فأردوغان، الذي يرفع حدود الصدام مع الغرب لحدوده القصوى مستحضراً كل حقب التاريخ الدينية، يمانع مثلاً وجود كيان كردي مستقل في سوريا، ملاقياً بذلك نخب سورية وازنة وجمهور سوري واسع.

وكأن الأردوغانية تشكل بممارساتها، استجابة ثنائية، لوعي سني مأزوم في المنطقة، لديه إشكال في العلاقة مع الغرب معطوف على إشكال في العلاقة مع السياسة وطبيعة نظم الحكم، ما يرتب هزائم متراكمة للجماعة السنية، العاجزة عن ايجاد خلاصها وتجاوز وعيها الصلب. والحماس لتحويل أيا صوفيا إلى مسجد ليس سوى تعويض رمزي عن هذه الهزائم. 

فبدل إعادة النظر بالعلاقة مع الغرب واستخدام السياسة دون أثقال أيديولوجيا، بما يخفف الاحتقان مع الجماعات الأخرى، يستسهل أصحاب الوعي السني البحث عن “مخلص” يعوضهم عن صعوبات الحاضر بأوهام الماضي. و أردوغان الشخص المثالي للعب هذا الدور خصوصاً وهو يستثمر في احتفاء بعض سنّة المنطقة بممارساته، وبحثهم عما يعوضهم عن ضعفهم، لاستخدامهم أدوات لمد النفوذ وتوسيع السيطرة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
كانت زيارة ماكرون أكثر من ضرورية، كانت زيارة فاضحةً لكل العطب الذي تعاني منه الدولة في لبنان، وكانت كاشفة لحجم السفالة التي يتمتّع بها حكّامنا.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني