fbpx

الفقر في جنوب العراق: “حماة المذهب” جائعون

"هذه حال عشرات آلاف العائلات في المثنى وفي المحافظات المجاورة، حيث الجهل والفقر... أبناؤهم في الأزمات يشكلون حماة المذهب وعمق الوجود الشيعي وفي الانتخابات خزان الأصوات الوفي، في المقابل لا أحد يهتم بهم"...

بدا وجهها الطيني غارقاً في ظلام الغرفة المضاءة بمصباح نفطي وهي تطالع أطفالها الغارقين في النوم، بينما كانت منشغلة بترديد الأدعية، قبل أن تنهض وتعاين دولاباً بدا شبه فارغ، إلا من كيس من الدقيق وبعض الأرز وعبوة زيت أوشكت على النفاد، حين طرقت جاراتها باب المنزل ليمضين معاً نحو ما بات يشكل مركزاً لتوزيع المساعدات الغذائية على آلاف الفقراء في محافظة المثنى الجنوبية.

منذ أكثر من شهرين، كل يوم جمعة، تستيقظ أم عباس قبيل الفجر وتمشي كيلومترات للوصول إلى “جدار أحباب الله” في مدينة الرميثة، أملاً بالحصول على مساعدات غذائية، تاركة أطفالها الأربعة في فراش النوم في منزلها الطيني الذي لا تتجاوز مساحته الـ120 متراً، في حي عشوائي في قضاء الوركاء، وتعيش فيه عائلتان.

تبلغ نسبة الفقر في محافظة المثنى، التي تحتضن عشرات المواقع التاريخية التي شهدت أولى الحضارات الانسانية في وادي الرافدين، 53 في المئة بحسب إحصاءات رسمية لوزارة التخطيط نشرت في شباط/ فبراير الماضي، لتحافظ منذ سنوات على تصدرها المناطق الأكثر فقراً في البلاد. لكن تلك الأرقام تصاعدت في الفترة الأخيرة بسبب تداعيات جائحة “كورونا” وفقدان آلاف الأشخاص أعمالهم.

صفوف أمام جدار “أحباب الله” للحصول على معونات غذائية

الموت “رحمة وستر”

قبيل السابعة صباحاً، وقفت أم عباس في طابور طويل يضم مئات النساء المتشحات بالسواد الآتيات من مناطق مختلفة في الرميثة والوركاء والسماوة، بينما تشكل طابور آخر للرجال، عند نقطة توزيع المساعدات الغذائية.

بعد مشادة كلامية نشبت بين نساء نتيجة التدافع في الطابور، قالت أم عباس مبدية تذمرها: “لدي أربعة أيتام ولا أملك راتباً، ولا معيلاً لأطفالي، والسلة الغذائية التي نحصل عليها هنا لا تكفينا أكثر من ثلاثة أيام، لكن هناك في الطابور من له راتب رعاية اجتماعية ويشاركنا المساعدات”.

وتتابع الأرملة (28 سنة) التي فقدت زوجها بعد تطوعه لقتال تنظيم “داعش”، بينما حاولت إخفاء وجهها بطرف عباءتها السوداء “لم نعد نملك ثمن الطعام، منذ توقف عمل ابنيّ عباس (11 سنة) ورضا (9 سنوات) في سوق الوركاء بسبب كورونا، كانا قبل ذلك يحصلان يومياً على 8 آلاف دينار ( حوالي 6 دولارات)، نصفها كان يكفي لتأمين طعامنا، والباقي نجمعه لشراء العلاج لطفلي الصغير (4 سنوات) المصاب بضيق التنفس الحاد ويحتاج إلى أدوية لتوسيع الرئتين وأحياناً إلى الأوكسجين”.

وتضيف بينما تجرها جارتها لتحثها على التقدم في الطابور، “حين تسوء حالته علي أن آخذه إلى المستشفى العام في السماوة”. تصمت لبرهة، وهي تنظر في شباك بناية قريبة كان يطل منها طفل، قبل أن تكمل “سيموت إذا لم نفعل ذلك سريعاً”.

لا تختلف أوضاع فاتن محمد الأرملة العشرينية التي تملك محلاً لخياطة الملابس النسائية، عن أوضاع أم عباس، وإن كانت تملك مهنة تدر عليها بعض المال، فلديها طفلان يعتمدان عليها، فيما تأثر عملها بالأوضاع الجديدة في البلاد.

فاتن التي كانت تحاول أن تتحاشى جموع النسوة، وتغطي فمها بغطاء رأسها، وسط نسوة يشغلهن تدبر الغذاء لعائلاتهن أكثر من التفكير بما قد يشكله “كورونا” من خطر عليهن، تقول بنبرة صوت منخفضة “لم أعتد أن أطلب شيئاً من أحد لكن الحياة تزداد قسوة”.

وتضيف: “محلي مغلق منذ بداية إجراءات التباعد الاجتماعي.. أعيش بالاعتماد على مساعدة أهلي… في السابق كان عملي يوفر متطلبات عائلتي اليومية، لكن الآن الوضع تغير، فأنا أعمل من المنزل والزبائن أقل نتيجة تعطيل الأعمال وتراجع القدرة المالية للعوائل”.

وتلفت فاتن إلى أن الناس في المثنى اعتادوا ومنذ عقود على التعايش مع الفقر، لكن الأوضاع ازدادت سوءاً في الأشهر الأخيرة “أعرف كثيرين لا يملكون ثمن شراء الدواء لمرضاهم بل حتى ثمن شراء كيلوغرام من الأرز والفاصولياء… بعضهم يرى أن الموت رحمة وستر”.

أرملتا رجل واحد تبحثان عن المساعدات 

متوسطو الدخل أيضاً دخلوا في نفق المعاناة من الفقر، فأم جابر وهي سيدة ثلاثينية، أتت من مدينة السماوة (مركز المحافظة) للحصول على مساعدات لعائلتها التي تضم ستة أفراد بعدما توقف عمل زوجها وهو سائق أجرة، بسبب حظر التجوال المتكرر داخل المدن وبين المحافظات بسبب “كورونا”.

تقول وهي تفترش الأرض بينما همت بمسح العرق الذي تصبب على جبينها: “لم نشهد أياماً كهذه من قبل.. للمرة الأولى نواجه صعوبة في توفير لقمة العيش، لذا انتظر مثل الجميع فرق توزيع المساعدات… إن مر أسبوع على عدم تسلمنا سلة غذائية أتصل هاتفياً بالمتطوعين للاستفسار عن موعد التوزيع… ما نحصل عليه بالكاد يكفي ليومين او ثلاثة”.

بينما كانت فاتن وأم جبار تنتظران دورهما، حصلت أم عباس وبعد موجة من التدافع العنيف، على نصف سلة غذائية تضمنت كيس من كل مادة (فاصولياء وأرز وزيت وعلبة معجون ونصف طبقة بيض).

طلب منها الشاب الذي كان يسلمها السلة التوقيع على ورقة لإثبات استلامها الحصة، قبل أن يدرك انها لا تعرف القراءة فبصمت بإبهامها الأيسر على حقل التوقيع، ثم سحبت نفسها بقوة، بسبب شدة التدافع بعيداً من سيارة البيك آب التي كانت تحمل المساعدات، ووضعت سريعاً كل ما حصلت عليه في عباءتها وطوت أطرافها ولفّتها، باستثناء طبقة البيض التي أمسكتها بيدها اليمنى، قبل أن تجلس على الأرض في انتظار تسلم جاراتها حصصهن.

نسبة الفقر في المحافظات الجنوبية عدا البصرة، هي الأعلى مقارنة ببقية مناطق البلاد، ففي الديوانية بلغت 48 في المئة، وفي ذي قار 44 في المئة وفي ميسان 45 في المئة، بينما سجل في المثنى المعدل الأعلى للفقر بـ52 في المئة. في حين أن النسبة بلغت في العراق عموماً 20 في المئة قبل أزمة “كورونا

مقاتل بلا حقوق

في تموز/ يوليو 2017 خلال المعارك مع تنظيم” داعش” في محافظة كركوك فقدت أم عباس زوجها الذي كان مقاتلاً في قوات “الشهيد الصدر”، ولم تحصل على راتب تقاعدي لأن زوجها لم يدرج رسمياً ضمن مقاتلي الحشد الشعبي.

تقول “علمت بذلك بعد وفاته… خلال فترة تطوعه كان يصرف له راتب شهري قدره 450 ألف دينار من قيادة الفصيل بشكل غير رسمي… موظفو دائرة الحشد الشعبي نصحوني بالذهاب إلى دائرة الرعاية الاجتماعية للحصول على راتب من هناك، قبل نحو عام قدمت الأوراق المطلوبة لكنني لم أستلم راتباً منهم الى اليوم”. 

أم عباس هي الزوجة الثانية لزوجها المقتول. ولزوجته الأولى خمسة أولاد، وهي بدورها تأتي كل يوم جمعة إلى جدار الرحمة لتحصل على المساعدات الغذائية والأدوية بعدما أصيبت بجلطة دماغية وتحتاج إلى علاج مستمر.

لا يقتصر طلب المساعدات على النساء، فهناك طابور طويل من الرجال ينتظرون بدورهم الحصول على سلال غذائية.

علي حسين، عامل في مجال البناء، لا يحصل على عمل إلا لبضعة أيام كل شهر، كان يقف إلى جوار شقيقه عبدالله الذي يعاني من مشكلات في القلب. يقول: “حركة البناء محدودة جداً، قلة هنا يبنون بيوتاً جديدة أو يوسعون بيوتهم أو يرممونها، ولا توجد شركات خاصة هنا أو قطاع صناعي، والزراعة تعاني بسبب شح المياه… فرص العمل محصورة بالقطاع الحكومي وتحديداً بأجهزة الجيش والأمن لكنها محتكرة لمن يملكون علاقات في الأحزاب الحاكمة”.

يقول علي بصوت خفيض وهو يمسح التراب عن دشداشته البيضاء: “الناس هنا طلباتهم بسيطة، يريدون تأمين غذائهم وادنى متطلباتهم المعيشية… لكن حتى هذا أصبح حلماً بالنسبة إلى كثيرين… باتت الأسر تعاني فقط للحصول على غذائها اليومي”.

يبتعد علي بضع خطوات من شقيقه ويشير الي بالاقتراب، وكأنه سيطلق سراً لا يريد أن يسمعه أحد: “هذه حال عشرات آلاف العائلات في المثنى وفي المحافظات المجاورة، حيث الجهل والفقر… أبناؤهم في الأزمات يشكلون حماة المذهب وعمق الوجود الشيعي وفي الانتخابات خزان الأصوات الوفي، في المقابل لا أحد يهتم بهم، هم مغيبون تماماً والأحزاب الحاكمة لا تعرف إن كانوا أحياءً أو أمواتاً… حتى الإعلام لا يذكرهم”.

الجنوب هو الأفقر

وما تواجهه المثنى من فقر وانعدام البنى الاقتصادية وضعف في البنى الخدمية، يتكرر في معظم المحافظات الجنوبية بما فيها المنتجة للنفط والتي تضم بعض أكبر حقول النفط في العالم، فوفق وزارة التخطيط، كانت نسبة الفقر في المحافظات الجنوبية عدا البصرة، هي الأعلى مقارنة ببقية مناطق البلاد، ففي الديوانية بلغت 48 في المئة، وفي ذي قار 44 في المئة وفي ميسان 45 في المئة، بينما سجل في المثنى المعدل الأعلى للفقر بـ52 في المئة. في حين أن النسبة بلغت في العراق عموماً 20 في المئة قبل أزمة “كورونا”.

في المؤتمر الصحافي الثاني لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بعد تشكيل وزارته، قال وهو يضرب بيده اليسرى على المنصة موجهاً كلامه للسياسيين الذين حاولوا تعطيل إجراءات مكافحة متعددي الرواتب: “هل رأيتم نساء قضاء الرميثة في رمضان كيف يصطففن في طابور طويل مع اطفالهن للحصول على المساعدات الغذائية… ألا يستحققن تخصيص راتب؟”.

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس بلاسخارت، ذكرت خلال إحاطة في مجلس الأمن الدولي، في 12 أيار/ مايو، أن “هناك توقعات بانكماش اقتصاد العراق بنسبة 9.7 في المئة وأن يرتفع معدل الفقر الى 40 في المئة”.

وذكر وزير العمل عادل الركابي، في تصريحات صحافية في شهر أيار، ان نسبة البطالة ارتفعت إلى 40 في المئة، لكن المتحدث الرسمي لوزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، نفى ذلك وتوقع أن تكون النسبة 20 في المئة، بعدما كانت 14 في المئة، قبل أزمة “كورونا”، مبيناً أن الوزارة لا يمكنها إعطاء رقم قبل اجراء مسح جديد.

وعلى رغم وجود برنامج لتوزيع المواد التموينية شهرياً في العراق منذ عقود، غير أن أهالي المثنى ومعهم معظم محافظات الجنوب، اشتكوا من رداءتها وعدم صلاحية بعضها للاستهلاك البشري بخاصة الأرز، وتأخر توزيعها أحياناً لنحو شهرين، فضلاً عن قلتها فهي لا تسد سوى جزء بسيط من متطلباتهم الغذائية اليومية. وتتألف المواد التموينية تلك من الطحين والسكر وزيت الطعام والأرز. 

أنشأ “جدار احباب الله” في قضاء الرميثة في صيف عام 2011 شباب نشطاء، واختير حائط السجن القديم (البريطاني) الذي يعود تاريخه إلى عام 1920 لما له من رمزية وطنية وقام متطوعون بترميم الجدار بشكل بسيط ووضع مسامير ليعلق المتبرعون الملابس المستعلمة عليها، كما منحت إدارة مبنى السجن القديم غرفة لخزن الملابس والمساعدات الغذائية.

يقول علاء الشيخ مسؤول مبادرة الجدار: “كنُت وقتها متخوفاً من عدم تفهم أهالي الرميثة للمبادرة، لكن حصل تفاعل سريع ودعم كبير، الى أن تمكنت المبادرة من بناء أكثر من 83 بيتاً لأسر معدمة، وبناء مجمع (الباقر السكني) الذي يضم 54 بيتاً تسكن فيه عائلات كانت بلا سكن، وهذا تحقق من خلال حملة جمع (ألف دينار) لمدة ثلاث سنوات”.

ويتابع “المبادرة نجحت في بناء دار للمسنين وآخر للايتام، ومشغل للحرف اليدوية، ومحمية صغيرة للطيور لتشغيل بعض المستفيدين، إلى جانب التزامها بتوزيع المساعدات الغذائية بشكل أسبوعي (الجمعة والسبت) وهناك أيام استثنائية أخرى للتوزيع”.

يقدر عدد سكان مدينة الرميثة (25 كلم شمال السماوة مركز المحافظة) بحوالى 115 ألف نسمة، فيما يبلغ عدد سكان القضاء حوالى 330 ألف نسمة، في محافظة تضم حوالى 900 الف نسمة وتعد ثاني أكبر محافظة عراقية مساحة وتتألف من وحدات إدارية تمتد إلى الحدود السعودية. 

يتقاسمون ما يملكون

في ظل تراجع فرص العمل في مدن جنوب البلاد نتيجة جائحة “كورونا” وتراجع أسعار النفط ، وتعطل إنجاز بعض المشاريع، يعرب نشطاء في الجهد الإنساني عن قلقهم من تدهور الوضع المعيشي أكثر وعدم قدرتهم على تأمين الحد الأدنى من متطلبات آلاف العائلات.

تصف الناشطة النسوية رباب الزيادي، التي انخرطت في بداية عام 2020 في حملات توزيع المساعدات الغذائية الأوضاع في حي الكرامة الذي يقع في ضواحي مدينة السماوة على الطريق السريع الآتي من قضاء الوركاء، في الكارثية، حيث تسكن مئات العائلات الفقيرة في بيوت طينية لا تتوفر فيها خدمات الماء والكهرباء.

تقول: “تصلنا نداءات إغاثة من أهالي المنطقة، قدمنا لهم المساعدات الغذائية لثلاث مرات، وفي كل مرة نتفاجأ بالعدد المتزايد للعائلات التي لا تملك طعاماً في البيوت… هؤلاء عددهم كأفراد بالآلاف، ولا تمكن تغطية حاجات المنطقة بمجرد توزيع 100 سلة غذائية، لذا نضطر إلى حصر التوزيع بالعائلات الأكثر فقراً، على رغم أن الجميع  يحتاجون إلى المساعدة”.

وتنتقد الزيادي فشل الحكومة المحلية في “تقديم رؤية لمعالجة ارتفاع الفقر، مع توقف أعمال اصحاب الدخل اليومي بفعل تداعيات كورونا… العائلات هناك تقول إن المسؤولين المحليين أو أعضاء البرلمان غائبون تماماً: لا احد يأتينا غير الفرق الطوعية”.

الخزان الانتخابي وسور حماية المذهب

تعمل في المثنى 16 جمعية ومنظمة وفريقاً رسمياً، في حملات توزيع السلات الغذائية، هؤلاء لا يتلقون دعماً فعلياً من الحكومة المحلية التي اكتفت راهناً بتكريم ممثلين عنهم بهدف تشجع العمل الطوعي وتوسيع المبادرات الخيرية.

ووفق إحصاءات مبادرة “جدار أحباب الله”، تم تسجيل ألف و800 يتيم في قاعدة بيانات، وهناك ثلاثة آلاف مستفيد مسجلون لديها يتلقون دعماً مستمراً.

لكن أعداد المحتاجين كبيرة جداً، في منطقة “العبس” التي تقع بالقرب من الرميثة “هناك ألف و400 قتيل مسجلون من مقاتلي الحشد والجيش والشرطة، وغالبية تلك العائلات تضم عدداً كبيراً من الأفراد وتحتاج إلى مساعدات. ونسبة من هؤلاء بلا رواتب، وبخاصة أفراد من متطوعي الحشد الشعبي، كونهم قاتلوا “داعش” ولم يسجلوا رسمياً.

يقول المدرس أ.هـ. إن “الخزان الانتخابي للقوى الشيعية الحاكمة يكمن في المحافظات الجنوبية الأكثر فقراً في البلاد”. ويضيف: “هنا تغيب الخدمات الأساسية، فوضع المستشفيات سيئ، ولا تتوفر فيها الإمكانات العلاجية البسيطة، المدارس متهالكة وبعضها من طين، معدلات الفقر تقفز إلى أكثر من 50 في المئة والبطالة بين الشباب تتجاوز الـ50 في المئة”.

ويتابع بصوت متقطع مطلقاً ابتسامة صغيرة: “وهنا أيضاً الجدار الحصين للدفاع عن المذهب… لذا تغص الأحياء الفقيرة بشهداء الحشد والجيش والشرطة الذين قاتلوا مؤمنين بقضيتهم… إنهم منسيون يضحون بكل شيء ولا يحصلون على شيء”.

يقول مسؤول مبادرة “جدار أحباب الله” إن “ميزانية المبادرة في العام الماضي بلغت نحو 160 مليون دينار، أحد التجار تبرع بـ90 مليون دينار، لكن هذا العام الدعم شحيح في ظل أزمة كورونا، كما أن المبادرة تعاني من قلة الكوادر المتطوعة، نحن بحاحة إلى قرابة 30 متطوعاً يومياً، للعمل على تنظيم السلات الغذائية وتوزيعها”. 

ويؤكد العضو المتطوع في فريق “منظمة الهلال الأحمر” محمد الحجامي، تصاعد معدلات الفقر في الفترة الأخيرة، ما دفع المنظمة إلى تقسيم السلة الغذائية إلى حصتين لتشمل عدداً أكبر عدد  من المستفيدين.

يقول، “نقوم باستبيانات وعمليات مسح لمعرفة المناطق الأكثر فقراً وتسجيل أعداد الفقراء فيها ووفقاً لها نقوم بالتحرك. آخر حملة توزيع قمنا بها كانت في ناحية البصية في قضاء السلمان جنوب المثنى حيث تزايد انتشار الفقر”. ويبلغ أعداد السكان هناك أكثر من 2200 نسمة، وتعد هذه الناحية من أكبر نواحي العراق من حيث المساحة إذ تقدر بأكثر من 17067 كيلومتراً مربعاً. يغلب على المكان الطابع البدوي بسبب وقوعه في عمق البادية، ويمتهن السكان تربية الأغنام والإبل والزراعة وبعضهم يعمل في وظائف حكومية. 

صالح حسين ناصر، وهو عضو في فريق الصحة والبيئة بالمثنى المنخرط في توزيع المساعدات الانسانية، ينبه الى ان الفرق التطوعية ومع تصاعد اعداد الفقراء لم تعد توزع المساعدات الا على العوائل الكبيرة الأشد فقراً.

يقول: “الفرق التطوعية غالباً صارت تعد من يتقاضى راتب الرعاية الاجتماعية غير مشمول بالحصص الغذائية، مع علمها بأن ذلك الراتب لا يسد حاجة العائلة التي تضم أربعة أفراد لمدة 15 يوماً… هي تعمل على العائلات التي لا تملك معيلاً ولا دخلاً يومياً ولا راتباً، ولديها مرضى وعدد أفرادها يبلغ سبعة أشخاص وأكثر”.

خبز و”نبك”

ينقل ناصر قصص فقر شهدها في الأيام الأخيرة: “إحدى العائلات التي وصلنا إليها قبل يومين كانت تأكل الخبز مع الشاي لأن البيت كان يخلو من أي مادة غذائية، حتى الحليب للرضيع لم يكن موجوداً… وكانت عائلة أخرى تتناول الخبز وبقايا أرز قديم مع ثمار شجرة النبك”. 

ويرجع الناشط المدني صالح حسين، أسباب انتشار الفقر في المثنى إلى غياب فرص العمل “هنا إما أن تكون موظفاً أو تملك بسطة لبيع الخضار والمواد الاستهلاكية، فلا مصادر أخرى للعيش لأن المحافظة تخلو من المشاريع الصناعية والاستثمارية ولا موارد أخرى لكسب الرزق كالسياحة والمنافذ الحدودية، لذا أصبح العمل في بسطات الأسواق المهنة الوحيدة المتوفرة، وهذه الأخيرة تأثرت بأزمة كورونا”.

وعلى رغم تلقي عدد كبير من العائلات رواتب الرعاية الاجتماعية، فإن ذلك لم يغير الواقع، فالراتب لا يتجاوز الـ100 الف دينار (83 دولاراً)، ما لا يكفي العائلة أكثر من أسبوع، فما بالك بوجود شخص مريض مثلاً؟

ينتقد حسين إجراءات مواجهة “كورونا”، “فُرض الحظر من دون توفير بديل للفقراء حتى لو كان توزيع بعض الحصص التموينية”.

لا تقتصر مشكلة المثنى على البطالة والفقر المدقع، فهناك تزايد في نسب انقطاع الأطفال عن الدراسة، إلى جانب غياب أبسط الخدمات مثل الماء والكهرباء في أحياء كاملة، واستمرار انغلاق المجتمع.

تقول الناشطة رباب الزيادي: “الكثير من الأطفال الذكور والاناث، لا يستطيعون الذهاب إلى المدارس لأنها بعيدة، ففي بعض المناطق يحتاجون إلى عبور النهر فيما لا تتوفر جسور قريبة”، وهو سبب آخر يضاف الى الفقر يجبر عائلات كثيرة على وقف التحاق أطفالهن وبخاصة البنات بالدراسة.

الزيادي تحدثت عن تلقيها مناشدات من مجموعة بنات في منطقة الكرامة، غالبيتهم من الخريجات، يطلبن فيها تأمين دعم مادي يساعدهن على فتح مشاريع حرفية، “لكن بعضهن يتعرض لضغوط من العائلات بسبب التقاليد التي لا تتيح للمرأة العمل حتى بعد حصولها على شهادة”.

يقول عباس، الذي كان ينتظر مع شقيقه الأصغر قرب باب منزلهم، عودة أمه محملة بسلة المساعدات: “لم أدخل في حياتي إلى المدرسة، لا أعرف شيئاً عنها… تقول والدتي إن علي أن أعمل حتى نؤمن الطعام للعائلة… لكنني أتمنى أن يتعلم أحد أشقائي حتى لا نحتاج إلى مساعدة أحد عند تسجيل اسم على موبايلي”.

بعد ساعات عادت أم عباس إلى منزل والدها حيث تعيش في غرفة صغيرة مع أولادها الاربعة منذ وفاة زوجها، وباشرت بوضع محتويات “نصف السلة الغذائية” التي حصلت عليها في الدولاب المعدني بينما وضعت بحرص نصف طبقة البيض على الطاولة، والتفتت إلى أطفالها قائلة، “اليوم راح تاكلون عشاء مرتباً”.

انجز التقرير بدعم وتحت اشراف محرري شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني