fbpx

سوريا: ثنائية الريف والمدينة وتناقضات التشكّل

المعارض المعروف الذي أشعل السجال، وحمّل الريف مسؤولية فشل الثورة عبر العسكرة والأسلمة، اعتمد نتائج كلاسيكية للثنائية المطروحة، حيث المدينة تستخدم في احتجاجاتها "التظاهرة والاعتصام والإضراب والعصيان المدني"، فيما الريف يعمد سريعاً إلى "حمل السلاح".

لا تستوي ثنائية ريف- مدينة، التي شغلت أوساط السوريين في الفترة الماضية، كمعيار أحادي لتفسير الأحوال التي باتت عليها البلاد عقب ثورة قُمعت بوحشية واستقرت حروب أهلية، وتدخلات إقليمية ودولية. كما أنها تقع على حوامل وتحولات ومسارح، تتعلق بتاريخ سوريا، تحيل نتائجها إلى نقائض ومستويات متداخلة، فضلاً عن كونها مفتوحة على استثمار الاستبداد الأسدي.

المعارض المعروف الذي أشعل السجال، وحمّل الريف مسؤولية فشل الثورة عبر العسكرة والأسلمة، اعتمد نتائج كلاسيكية للثنائية المطروحة، حيث المدينة تستخدم في احتجاجاتها “التظاهرة والاعتصام والإضراب والعصيان المدني”، فيما الريف يعمد سريعاً إلى “حمل السلاح”. وما يبدو صحيحاً في هذا الفرز لناحية المبدأ، يتبدد مع ملاحظة التحولات التي مرّت فيها المدن السورية، واختلاط تشكلها ونمو العلاقات فيها، وسط معايير تقليدية لا ترتبط بما يعتقد أنه من آليات العمل السياسي.

فالمدن الرئيسية، أي دمشق وحلب وحمص وحماه، تحكّم بعلاقتها بالسياسة، عقب الاستقلال، أعيان العائلات. وهؤلاء مارسوا العمل السياسي انطلاقاً من أساليب تقليدية، تجعل من “قبضاي” الحي جامع أصوات في الانتخابات، وتعتمد تاريخ “الشخصيات الوطنية” ضد الانتداب، دعاية متواصلة تعفي من طرح مضامين حول البلاد القلقة. بمعنى أن قواعد الديموقراطية الضعيفة في سوريا، غدت مسارح لممارسة سياسة الأعيان التقليدية. والأحزاب آنذاك لم تُؤسس بناء على طروحات تتعلق بالنظرة إلى سوريا بل بناء على مصالح البرجوازيات المتضاربة. 

حزبا “الشعب” و”الوطني” لم يحملا مضامين سياسية جديّة، إنما اعتمدا على السمعة والوجاهة والتقليد العائلي. والقوى الراديكالية التي صعدت بالضد من الممارسة التقليدية للسياسة، لم تسعَ إلى تصويب هذا الخلل، وإنما قضت على قواعد السياسة الضعيفة عبر الانقلابات وتدخل العسكر بالبرلمان والحكومة، وعلى وقع هذا التحوّل انخرط الريف أكثر في المعادلة، وبات خزان للراديكالية المستجدة، يمدها الجماهير والتأييد، لكن هذا المدّ الشعبي لم يكن مرتبطاً بالريف فحسب، وإنما بالمدن أيضاً التي انهارت فيها الأحزاب التقليدية وعصفت بها الأيديولوجيات العابرة لسوريا.

وعليه، فإن الاعتصام والإضراب والتظاهرة والعصيان المدني، التي اقترحها المعارض السوري السالف الذكر، لإعطاء حكم قيمة على المدينة على حساب الريف في الفعل السياسي، مورست انطلاقاً من شروط تقليدية، في حقبة الأعيان، وفي شروط شعبوية في حقبة الراديكالية. أي أنها لم تمارَس انطلاقاً من قواعد ديموقراطية مؤسسة وصلبة، تربط أداة الاحتجاج بالتغيير وتمثيل الناس أنفسهم بشكل فعل. وهذا الإشكال، لم يكن مفصولاً عن القيم المحافظة في المدن السورية، التي لم يخرقها الاقتصاد الليبرالي الجزئي، ولا الأيديولوجيات الثورية، وهو ما حال دون تشكلها، أي المدن، كمناخات مفتوحة قابلة للتعدد والاختلاف وخاضعة لتأثير الرأي العام.   

امتناع المدينة السورية عن تشكلها كمدينة بمعنى الاجتماع المتعدد، توازى مع امتناع آخر يرتبط بقصور الفعل السياسي وضعف قدرته على التغيير. وانطلاقاً من الامتناعين هذين، يمكن النظر إلى صعود الريف، الذي لم يرتب ما سمي “الإصلاح الزراعي”، أي تغير في طبيعة العلاقات فيه، بل ارتبط بالشعبوية الراديكالية التي أرادَت جماهيرَ لها.

حزبا “الشعب” و”الوطني” لم يحملا مضامين سياسية جديّة، إنما اعتمدا على السمعة والوجاهة والتقليد العائلي.

أبناء الريف انخرطوا بمدينة ممتنعة عن التشكل، تعاني من تناقضات، فالاقتصاد حر لكن العلاقات محافظة، والديموقراطية تمارس لكن بطرائق تقليدية، والنسيج الاجتماعي مغلق على عدد من العائلات وغير منفتح على التعدد والتهجين. الحقبة الراديكالية المتمثلة بصعود الإيديولوجيات، أنهت أي فرصة لعلاج هذه التناقضات، واستبدلتها بشعبوية شعارتية تعتمد التغيير القسري. وهو ما وفر مناخاً لبروز أبناء الريف الذي جاء على وقع مدينة لم تتشكل، وسياسة تحولت أدواتها من التقليدية إلى العسكر والعنف.

بيد أن صعود الريف في السياسة والجيش والاجتماع، ترتب عليه، صعود أبناء الأقليات، وإن كانت ثنائية الريف والمدينة في سوريا تقوم على ارتباكات وخلل في تشكل طرفيها على ما ورد سابقاً، فإن استبطانها لثنائية الأكثرية والأقلية، يضعها في مستوى آخر يرتبط باحتكار البرجوازيات السنية للعمل السياسي، وما استتبعه من ردود فعل أقلوية اتخذت من بروز الأحزاب العقائدية مسارح لها. 

والأسدية إن كانت نتيجة لردود الفعل تلك، فهي غير معزولة عن الإشكالية الأصل، وما رتبته من نتائج في فشل السياسة وفشل تشكل المدينة. وعلى رغم انتماء الأسدية إلى مركبات الانقسامات السورية، فهي، ومع تشكلها كسلطوية أمنية قمعية عائلية فئوية، جيّرت هذه الانقسامات، لمصلحتها، فإضعاف ريف ما تعيش فيه أقلية دينية، يستوجب وضع مدينة في مواجهته يعيش فيها أكثرية سنية، وإضعاف مدينة ما، سنية الانتماء، يستوجب استجلاب أبناء الريف من الأقليات للعيش فيها، والتحكم بقراراتها. 

امتناع المدينة السورية عن تشكلها كمدينة بمعنى الاجتماع المتعدد، توازى مع امتناع آخر يرتبط بقصور الفعل السياسي وضعف قدرته على التغيير.

والانكشاف الذي حصل مع اندلاع الثورة، وتبدى صراعاً أهلياً عنيفاً، يرتبط حكماً بالتلاعب الأسدي بانقسامات البلاد، لكن أصوله تتموضع في عدم تحول هذه الانقسامات إلى ديناميكات تتحول وتتغير، وتذوب في مصالح تسعى إلى التمثيل السياسي. تطور البلاد الناقص عبر اعتماد هياكل الليبيرالية لممارسة سياسة تقليدية، والاستسلام لـالأيديولوجيات الانقلابية وتلاعب الاستبداد، هذا كله ساهم في تكريس الانقسامات وتداخلها مع بعضها بعضاً، ضمن مستويات متداخلة.

ما نظنه انقساماً بين الريف والمدينة قد يتمظهر صراعاً بين طائفة وأخرى وقد يبقى كما هو، وربما لا يكون له تأثير أبداً. هكذا كانت التجارب خلال السنوات العشر الماضية. لا منطقَ يحكم الانقسامات لأن مسرحها، أي سوريا، لم يتشكل وفق مسار واضح، يعتمد فكرة “الدولة – الأمة”، كما أنها، أي الانقسامات، لا تستتبع أي أحكام قيمة أو تصورات جوهرية، لأنها تتداخل ببعضها بعضاً. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
ماذا لو قلتُ لكم إن كثراً منكم أصيبوا بفايروس “كورونا” على الأقل مرة واحدة في فترة ما من حيواتهم؟
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني