fbpx

الصداقة مع دونالد ترامب: دعها إذا كنتَ عبداً!

في لبنان، وربما فقط في لبنان، تقرأُ خبراً عن تحرك لمن يسمّون أنفسهم "أصدقاء دونالد ترامب في لبنان" أمام السفارة الأميركية في عوكر للمطالبة بتطبيق القرار 1559.

أول ما خطر في بالي، بعد قراءته، هو الدخول إلى “غوغل” والبحث عن تعريف للصداقة. عثرت وأنا أبحث على أقوال “مأثورة” تمجّد القيمة العليا للصداقة، منها مثلاً أن “الصداقة كالمظلة كلما اشتدّ المطر كلما زادت الحاجة إليها”، أو “في الحقيقة أن الجميع قد يعمل على إيذائك، إنما هناك شخص واحد فقط يقدّر معاناتك”، أو اقرأوا هذه أعجبتني أيضاً: “لا تمشِ ورائي فأنا لست قائداً ولا تمشِ أمامي فأنا لا أتبع أحداً فقط كن بجانبي… كن صديقي”. وهذه الأخيرة (كن صديقي) أغنية غنتها ماجدة الرومي، تطلب فيها من الرجل ان يهتم بعقلها وليس بشكلها فقط، وما الى هنالك. 

المهم، الصداقة، كما يبدو من “غوغل” عملة نادرة، وغالبية الناس في بحث دائم عنها وإذا ما وجدوا الصديق “الحقيقي” فعلوا المستحيل ليحافظوا عليه. ويبدو أن هناك مجموعة في لبنان وجدت في دونالد ترامب صديقاً من هذه الطينة: يقدّر معاناتهم، ويقف إلى جانبهم، ويكون بمثابة مظلة تقيهم من المطر، ويهتم بعقولهم أكثر من أشكالهم! وإذا كان إرضاء الناس غاية لا تدرك، فإن “أصدقاء الرئيس الأميركي في لبنان” يظنون أنهم قادرون على إدراك رضا دونالد ترامب عليهم، بمجرد أن يسمّوا انفسهم “أصدقاء دونالد ترامب في لبنان”، ويذهبوا إلى السفارة الأميركية، هناك حيث يعتقدون أن السفيرة الأميركية سوف تراهم من نافذتها، وستهاتف رئيسها لتقول له: “أصدقاؤك كانوا هنا، وهم يلقون عليك التحية”. ترامب في مكتبه سيبتسم ويجيب السفيرة: “سلميلي عليهم واحداً واحداً”. وستنزل السفيرة إليهم وتسلّم عليهم واحداً واحداً. فهذه مسألة لا تمزح فيها السفيرة، لأن ترامب معروف بتقديسه مفهوم الصداقة، وهو يخصص قسطاً كبيراً من وقته ليهتم بأصدقائه حول العالم، بخاصة أصدقاؤه في لبنان، وهؤلاء لهم معزّة خاصة في قلب الرجل، لأنهم أوفياء، ولأنهم مبدئيون. فهم، من أمام سفارة الولايات المتحدة في لبنان، طالبوا ترامب بالتدخل لتطبيق القرار 1559 واغتنموا المناسبة لتقديم التهنئة للأميركيين بمناسبة عيد استقلالهم. أحدهم، بعد تهنئة الأميركيين بالإستقلال، قال إنه يأمل بأن ينال لبنان استقلاله، قالها وهو يحمل العلم الأميركي! 

هناك مجموعة في لبنان وجدت في دونالد ترامب صديقاً من هذه الطينة: يقدّر معاناتهم، ويقف إلى جانبهم، ويكون بمثابة مظلة تقيهم من المطر.

طبعاً هؤلاء، إذا سألتهم، يرفضون رفضاً قاطعاً ما يعترف به أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله علاناً من أنه “جندي في جيش الولي الفقيه”. يعتبرون هذا الأمر ارتهاناً لإيران، وهو كذلك، وبرأيهم أن ما يفعلونه مختلف تماماً، إذ يعززون مفهوم الصداقة مع ترامب، صديقهم الوفي، الذين لم يلتقوه ولو لمرة واحدة في حياتهم. علاقتهم به أشبه بمفهوم “الصداقة مع فوائد” friends with benefits، مع كل ما يتطلبه ذلك!

ما علينا، الصديق وقت الضيق، كما يقول المثل الشعبي، وأصدقاء ترامب يلجأون إليه الآن في أوقات الضيق اللبنانية. نيتشه يقول في “هكذا تكلم زرادشت”: “كن لصديقك كالهواء الطلق والعزلة والغذاء والدواء، فإن من الناس من يعجز عن التحرر من قيوده ولكنه قادر على تحرير أصدقائه”. ربما قرأ “أصدقاء ترامب في لبنان” هذه العبارة ويحاولون العمل بها. يظنون أن بإمكان ترامب تحريرهم، هو القادر على التحرر من قيوده، فكيف لا يستطيع تحرير أصدقائه؟

لكن نيتشه يضيف: “دع الصداقة إذا كنتَ عبداً”. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
باسكال صوما – صحافية لبنانية
تقتصر المحاسبة والتوقيفات على مديرين أو مسؤولين أو موظفين صغار في الدولة، وتتم تبرئة الرؤوس الكبيرة التي تتولى في الحقيقة إدارة المرفأ والمطار وكل شاردة وواردة في البلد.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني