fbpx

حرب أهلية سورية في ليبيا: مرتزقة للإيجار برعاية روسية– إماراتية

يكشف هذا التحقيق عن تواطؤ نظام الأسد مع الحكومة الروسية في تجنيد مئات المقاتلين السوريين للقتال في صفوف حفتر وتسهيل عبور مئات آخرين من المقاتلين المصريين عبر مطار دمشق بالتنسيق والتعاون مع الإمارات والقاهرة.

في مؤتمر صحافي عقده يوم الثلاثاء 23 حزيران/ يونيو في دمشق، أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم، دعم دمشق “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر وتحركات القاهرة التي تسعى إلى حل النزاع بين الأفرقاء الليبيين بالوسائل السلمية وجلب جميع الأطراف إلى طاولة الحوار.

للمرة الأولى، يخرج مسؤول بهذا المستوى في الحكومة السورية ليعلن عن دعمه قوات شرق ليبيا بقيادة حفتر، التي تقاتل الحكومة المعترف بها دولياً في غرب البلاد، والتي يقودها فايز السراج، مع أن العلاقات بين دمشق والقاهرة مجمدة وسيئة منذ بدء الحرب في سورية.

وأكد المعلم أن “دمشق تقف إلى جانب الأشقاء في مصر العربية من أجل الدفاع عن أمنهم الوطني والأمن القومي العربي… وإذا كانوا يريدون أي دعم سوري فنحن جاهزون بغض النظر عن مواقفهم من قضايانا”.

يوم الاثنين، قبل يوم واحد من إعلان هذا الموقف المفاجئ، انطلقت رحلة جوية لشركة “أجنحة الشام” السورية من القاعدة العسكرية الروسية في حميميم، محملة بعشرات الشبان السوريين باتجاه مطار بنغازي في ليبيا.

يكشف “درج” في هذا التحقيق عن تواطؤ نظام الأسد مع الحكومة الروسية في تجنيد مئات المقاتلين السوريين للقتال في صفوف حفتر وتسهيل عبور مئات آخرين من المقاتلين المصريين عبر مطار دمشق بالتنسيق والتعاون مع الإمارات والقاهرة.

وكيل حصري لـ”المرتزقة”

الرحلة التي انطلقت يوم الاثنين سبقتها رحلات على مدى أكثر من ستة أشهر، حملت على متنها أكثر من ألفي مقاتل تم تجنيدهم من مناطق ومحافظات سورية مختلفة ضمن الجغرافيا التي يسيطر عليها النظام بحسب أهالي مقاتلين ومصادر ديبلوماسية.

خبراء الأمم المتحدة المكلفون مراقبة الوضع في ليبيا يقولون إنه بين 1 كانون الأول/ يناير و10 آذار/ مارس 2020 وصلت إلى شرق ليبيا 33 رحلة لـ”شركة أجنحة الشام” التي يملك معظم أسهمها رجل الأعمال السوري عصلم شموط الذي وضع اسمه على لائحة شخصيات عقوبات “سيزر” لدعمها نظام الأسد.

الشركة لا تكتفي بنقل المرتزقة السوريين على متن رحلاتها، إذ سيّرت أيضاً 24 رحلة لمرتزقة مصريين عبر مطار دمشق إلى بنغازي.

مصدر في “أجنحة الشام” قال لـ”درج” إن مئات المصريين وصلوا إلى مطار دمشق خلال الأشهر الستة الماضية، من مصر إلى دبي عبر الطيران المصري والإماراتي، ومن دبي إلى دمشق عبر “أجنحة الشام”.

في دمشق يتوقف هؤلاء بين 6 و8 ساعات (ترانزيت) قبل تحميلهم مرة أخرى في طائرات الشركة باتجاه الأراضي الليبية.

سوريون “للتأجير”!

في إحدى الرحلات منذ فترة وجيزة، تجمع مقاتلون من السويداء ودرعا والقنيطرة وريف دمشق وحمص وحماة وطرطوس واللاذقية في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية كما يؤكد أحد المجندين لـ”درج”.

أُرسِل عدد كبير من المرتزقة إلى ليبيا خلال الشهور الماضية مع احتدام المعركة بين حفتر والسراج. تقدر الأمم المتحدة أعدادهم بالآلاف، بينهم حوالى ألفي سوداني وألفي سوري، إضافة إلى 1200 مرتزق روسي ممن جندتهم شركة “فاغنر” التي يملكها رجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوزين المعروف بـ”طباخ بوتين”.

الشركة لا تكتفي بنقل المرتزقة السوريين على متن رحلاتها، إذ سيّرت أيضاً 24 رحلة لمرتزقة مصريين عبر مطار دمشق إلى بنغازي.

وسط هذه الفوضى السياسية العارمة، صارت ليبيا ساحة صراع لآلاف السوريين الذين يقاتلون إلى جانب طرفي الحرب؛ فمن جهة، رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دولياً فايز السراج والذي تدعمه تركيا بكل قوتها، ومن جهة ثانية الجنرال خليفة حفتر الذي يتلقى دعماً من روسيا ومصر والإمارات والأردن وحكومة الأسد، وكان الجنرال أعاد فتح سفارة ليبيا في دمشق مطلع آذار 2020. قبل ذلك بأشهر، كان وسطاء روس يطوعون المقاتلين السوريين في مناطق سيطرة حكومة الأسد للقتال في شرق ليبيا، بحسب أهالي ومجندين تحدثت اليهم “درج”.

يقال لهؤلاء إنهم سيحمون المنشآت النفطية والمواقع الروسية في ليبيا. وعندما يصلون إلى ليبيا يتأكدون أنهم سيقاتلون إلى جانب حفتر.

وسطاء الموت!

“علاء” اسم مستعار لشاب سوري من محافظة اللاذقية، قاتل في صفوف الجيش السوري ضد قوات المعارضة وتنظيم “داعش” قبل أن ينضم إلى قائمة المقاتلين المجندين للقتال إلى جانب قوات حفتر في ليبيا.

يقول علاء لـ”درج” إنه أثناء خدمته الاحتياطية في منطقة دير الزور لمدة خمس سنوات، تعرّف إلى أشخاص يعملون وسطاء للروس، مهمتهم تجنيد الشباب “للعمل في حراسة المنشآت النفطية في ليبيا” وفق ما كان متداولاً حينها، مقابل 800 دولار شهرياً.

ويضيف، “هؤلاء الوسطاء افتتحوا مكاتب في مناطق سورية كثيرة مثل جرمانا في ريف دمشق واللاذقية وتالياً في مناطق ومحافظات أخرى، وتعمل هذه المكاتب علناً تحت اسم (مكاتب عقارية)”.

س. ش، أبرز هؤلاء الوسطاء وفقاً لشهادات متطوعين تحدث إليهم مراسل “درج”. س. ش. من عرب دير الزور، ولديه مكاتب في كل من جرمانا واللاذقية وطرطوس ودير الزور، مهمتها تجنيد المرتزقة. يتابع الشاب: “حتى أواخر العام الماضي 2019 لم يكن هناك تدقيق على الأشخاص الملتحقين بالقتال في ليبيا، فهناك عشرات التحقوا مثلاً من أبناء الساحل السوري ومن مختلف الملل والطوائف. كان بيننا علويون وسنة وحتى بعض المسيحيين والمرشديين”.

اليوم يتم التركيز على مقاتلي المعارضة الذين أجروا مصالحات مع النظام برعاية روسية، وعلى المتورطين بتهم تتعلق بالإرهاب والفرار من الجيش، فتتم تسوية أوضاعهم ووقف الملاحقة في حال التحاقهم بقوات الجنرال حفتر بحسب س. ش.

وحول تجربته يقول: نقلونا إلى معسكر لطلائع البعث (يقع بالقرب من الرمل الفلسطيني جنوب اللاذقية) عبر الوسيط الذي يأخذ الهويات الشخصية من المجندين في المعسكر. ويستقبل المتطوعين ضابط روسي برفقة مترجم، ويتم توقيع العقد معنا على نسختين، واحدة باللغة العربية، وأخرى بالروسية. ويتضمن العقد شرطاً جزائياً يفيد بأن على المقاتل أن يبقى في العمل (القتال) لمدة ثلاثة أشهر ليحصل بعدها على إجازة مدفوعة (800 دولار).

بعد توقيع العقد يحصل المقاتل على سلفة نقدية بقيمة 500 دولار أميركي، وكضمان لعدم التخلف أو الهرب تبقى الهوية مع الضابط الروسي أو الوسيط، وبعدها ينقل المجندون إلى مطار حميميم عبر وسائط نقل مختلفة برعاية روسية. ولا يسمح للمقاتل بالاحتفاظ بنسخة من العقد الذي يعاد “للمطوع” بعد توقيعه.

يقول علاء: “هناك قوائم اسمية يعدّها في معسكر التدريب ضابط سوري وتُرفع إلى المخابرات الجوية المسؤولة عن هذا الملف”. ويضيف: “يتم الحصول على موافقة أمنية قبل التقدم للتطوع في المركز الروسي (معسكر الطلائع). وتجمع شهادات لأكثر من مصدر أنها لا تعدو كونها موافقة شكلية، فالكلمة الأولى والأخيرة هي للروس الذين يسيطرون على هذه المنطقة ويتحكمون بحركة الدخول إلى المعسكر والمطار والخروج منهما”.

يروي الشاب أنه التحق بالمعسكر عبر مكتب تابع لـ”س ش”. وهناك قبض السلفة (500 دولار). ويبرر أنه قَبِل التطوع بسبب الفقر الشديد بعدما أغلقت اﻷبواب في وجهه، فهو بعمر الـ33 وبلا عمل ولا يستطيع الزواج أو حتى استئجار بيت.

يشرح تفاصيل ما قبل سفره: “نقلونا إلى المطار بعد توقيع العقد وإجراء فحص كورونا، وحين وصلنا إلى المطار نقلنا فوراً إلى اﻷليوشن (طائرة شحن روسية)”. 

يقول ديبلوماسي عربي لـ”درج” إن “هناك توافقاً روسياً مع النظام السوري الذي استجاب لطلب إماراتي- مصري لتسهيل هذه العملية لمواجهة التغلغل التركي في ليبيا”.

تصاعد حملات التجنيد

ثمّة حركة تجنيد نشطة في الفترة الأخيرة، فعندما تراجع هجوم حفتر على معاقل القوات الحكومية التابعة للسراج، تراجع بالمقابل عدد المتطوعين. في شهر حزيران/ يونيو 2020، خسر الجنرال حفتر قاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية الأهم في ترهونة.

وراهناً بدأ الوسطاء الروس يعملون على استقطاب المزيد من المتطوعين من ريفي حماة وحمص ودير الزور. العملية هذه المرة كانت معقدة وبطيئة بحسب شهادات أهالٍ. الشباب من سكان القرى استغرقهم الأمر شهراً كاملاً قبل حسم أمرهم والتوجه إلى حميميم. ودافعهم الأقوى هو الحصول على ما يعيلهم ويعيل عائلاتهم بسبب تنامي الفقر والبطالة. هناك نُقلوا عبر أجنحة الشام إلى قاعدة “الخادم” العسكرية في منطقة الخروبة شرق ليبيا التي بنتها الإمارات لدعم قوات المشير حفتر.

حركة تجنيد نشطة تشهدها محافظة القنيطرة أيضاً وفقاً لبعض أهالي المنطقة. المزيد من الشبان يقبلون على التطوع تحت ثقل الفقر والجوع.

في درعا المجاورة التي استعادتها قوات النظام قبل عامين، نشط التجنيد في الشهر الثالث من عام 2020، وبخاصة في صفوف فصائل المعارضة التي أجرت مصالحات مع النظام، والتي انضوت في قوام الفيلق الخامس الذي شكلته روسيا قبل عامين. وكانت استجابة هؤلاء أفضل من غيرهم بحسب ناشطين في المنطقة. فهؤلاء يعانون أصلاً من تضييق النظام عليهم. كان مغرياً بالنسبة إلى كثر منهم الحصول على 1000 دولار بدلاً عن 30 دولاراً يتقاضونها من النظام، فضلاً عن تعهد روسي لهؤلاء بتسوية أوضاعهم وكف الملاحقات الأمنية بحقهم في حال وجدت.

في السويداء أيضاً، يلعب الفقر دوراً حاسماً في استدراج عشرات الشبان الراغبين بـ”مغادرة الجحيم السوري”، كما يقول أحدهم لـ”درج”. يرفض الشاب ذكر اسمه خوفاً من العواقب، ذلك أن الجهات الأمنية والوسطاء يشددون على سرية العملية بأكملها تحت طائلة التهديد بخسارة التعويض.

الشاب من إحدى قرى ريف السويداء الغربي. يكشف أنه وصل إلى القاعدة الروسية في اللاذقية برفقة عشرات السوريين من محافظته ومحافظات أخرى. وكان ضمن الرحلة التي انطلقت أخيراً إلى مطار بنغازي.

ويؤكد أن عشرات الشبان من قرى عريقة وحران وشقّا ومفعلة وقنوات في محافظة السويداء كانوا معه في القاعدة، إضافة إلى العشرات من محافظات أخرى كدرعا والقنيطرة وريف دمشق وحمص وطرطوس واللاذقية.

 وصل الشاب مع مجموعة من السويداء قبل 48 ساعة فقط من موعد السفر إلى قاعدة حميميم. ولم يخضع لدورة تدريبية كما كان مقرراً “أبلغونا أننا سنخضع لدورة في ليبيا، وأن هناك حاجة لأعداد من المقاتلين، لذلك نُقِلنا من سوريا سريعاً. المئات هنا كانوا في حميميم بانتظار ساعة الصفر”.

يؤكد الشاب أنه وقع على عقد مع شركة تدعى “الصياد”، وأضاف أنه تلقى وعوداً من مسؤول في الشركة أثناء توقيع العقد، براتب 1000 دولار مقابل حراسة المنشآت، يحسم منها 200 دولار تأمينات، أما في حال قرر المشاركة في العمليات القتالية على الخطوط الأولى، فالراتب 1500 دولار شهرياً. 

“درج” تقصى عن “شركة الصياد” التي تقوم بعمليات التجنيد. وتبيّن أنها شركة مرخصة تحت بند خدمات الحراسة والحماية لدى السلطات السورية، تشرف على عمليات التجنيد، عبر عملاء موجودين في المحافظات السورية مهمتهم تجنيد الشباب بأجور مغرية، مقابل الذهاب إلى ليبيا للقتال إلى جانب قوات المشير حفتر.

الشركة مسجلة في السجل التجاري تحت رقم /9765/ بتاريخ 17/3/2017، ومقرها مدينة السقيلبية في محافظة حماة، وتعمل بإشراف فواز ميخائيل جرجس. وبحسب مصدر مطلع يعتبر جرجس من المسؤولين عن تشكيل مجموعات قتالية، إلى جانب القوات الروسية منذ سنوات في سوريا. ومن أبرز المجموعات التي أشرف على تشكيلها “صائدو الدواعش”، التي ذاع صيتها أواخر عام 2017، وكانت تقاتل بإسناد جوي مباشر من القوات الروسية. وهي المجموعة التي افتتحت عهد المرتزقة السوريين في ليبيا.

ليبيا… أرض أخرى للموت!

سعيد اسم مستعار لمقاتل سابق في التاسعة والعشرين، تطوّع مع ميليشيات “صقور الصحراء” لعامين في سوريا، وهو واحد من الذين وصلوا إلى ليبيا وقاتل في صفوف قوات الجنرال حفتر وعاد بعدما تعرض ﻹصابة في قدميه.

يقول الشاب: “ينص العقد على أن عملنا هو حراسة المنشآت النفطية، وليس القتال، على الأقل هذا ما ورد في النسخة العربية من العقد. أما في الروسية فلا أحد يقرأها أو يعرف إن كانت تطابق العربية، وهي المعتمدة بالضرورة على رغم وجود مترجمين سوريين، وممنوع الاحتفاظ بها”.

“بعد الوصول إلى معسكر الكرامة في بنغازي خضعنا لدورة تدريبية على يد ضباط روس لمدة عشرة أيام. عند وصولنا قال لنا الضابط الروسي  كل ما سمعتموه في سوريا انسوه، هنا عالم آخر مختلف كلياً”.

يضيف سعيد: “زودونا بسلاح فردي كلاشنيكوف مع مئات الطلقات، وبحسب خدمتك في سوريا تخدم هنا “مثلاً رامي رشاش يتسلم في ليبيا رشاش” وهكذا. بعد انتهاء التدريب نقلونا إلى جوار طرابلس للقتال. الظروف كانت سيئة، الأكل والشرب كان على حسابنا في بنغازي، الإسعاف غير متوفر إلا للروس، وفي حال إصابة السوري لن يسعفه أحد”.

عن طريقة التعويض يقول “عليك أن تمضي شهرين كاملين في القتال ومن ثم تعطى إجازة شهر مدفوع الأجر (800 دولار). وإن عدت إلى القتال يجدد عقدك، ولكن إذا بقيت أقل من شهرين ولو بيوم واحد، عليك أن تدفع 3000 دولار للروس”.

ويتابع: “أمضيت هناك ثلاثة أشهر ثم عدت بعد إصابتي، وأعطوني تعويض 1000 دولار، بالنسبة إلى المقاتلين تمنح عائلاتهم تعويض بمبلغ 5000 دولار”.

ويردف سعيد: “بعد إصابتي لم أستطع العودة، فمن يموت يدفن هناك، في ليبيا سوريون كثيرون سقطوا في القتال وتركوا في جوار طرابلس في العراء”.

ويختم: “لا يوجد جيش في ليبيا، لم ألتق بأحد منهم، هناك فقط مرتزقة روس يقاتلون معنا. السوريون في المقدمة، والحال نفسه لدى جماعة حكومة الوفاق بقيادة السراج، نحن في الصفوف الأمامية على جانبي المعركة، نقاتل ونقتل بعضنا بعضاً مجدداً في أرض بعيدة لا ننتمي إليها!”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
كانت زيارة ماكرون أكثر من ضرورية، كانت زيارة فاضحةً لكل العطب الذي تعاني منه الدولة في لبنان، وكانت كاشفة لحجم السفالة التي يتمتّع بها حكّامنا.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني