fbpx

كوفيد- 19 في اليمن… خارطة التفشي المجهولة!

ثمة أبعاد خفية في منتهى الخطورة لغياب المعلومة الحقيقة المتعلقة بانتشار الجائحة في البلاد، لن تشمل تبعاتها اليمن فقط، بل قد يمتد أثرها مستقبلاً إلى أماكن أخرى،...
  • هذا الموضوع تم اعداده بالتعاون مع Pulitzer Center

في 30 أيار/ مايو، أطلق اليمني أحمد القعاري صرخة استغاثة عبر صفحته في “فايسبوك” قال فيها: “أبي يموت، رفضت المستشفيات استقباله”. في الأول من حزيران/ يونيو، كتب “أبي مات”.

كلمات قليلة اختصرت معاناة مئات آلاف اليمنيين الذين يحصدهم الموت لأسباب معروفة وغير معروفة في ظل غياب شبه كلي للرعاية الصحية الذي زاد خطورته تفشي “كوفيد- 19” في البلاد.

في 10 نيسان/ أبريل، سجّلت محافظة حضرموت شرق اليمن أول حالة إصابة لمواطن ستيني وفي الـ27 من الشهر ذاته، أعلنت اللجنة الطبية العليا تماثل الحالة للشفاء من دون الإشارة إلى تفاصيل متعلقة بالحالة صفر، باستثناء تداولات إعلامية رجحت أن تكون الإصابة ناتجة عن احتكاك الرجل بعمال على سفن شحن آتية من دول مجاورة. أيام قليلة كان الوضع فيها قد انفجر في مدينة عدن، على بعد 656 كلم، من حضرموت، سجلت المدينة حينها عشرات الإصابات في وقت قياسي، فيما كانت الأعداد على الأرض صادمة.

ظل جل ما يدور في اليمن من صراعات وأحداث وأمراض من ضمنها كوفيد- 19 مجهولاً ليس للعالم الخارجي فقط، بل حتى بالنسبة إلى يمنيين في الداخل نتيجة غياب الدولة والانقسامات السياسية الحادة، وهيمنة خطاب البروباغندا على الخطاب الإعلامي الوطني المسؤول، وهو خطاب عملت الحرب على تثبيته كحالة طبيعية

 

عشرات الوفيات اليومية اكتظت بها مقابر المدينة، تداخلت الأعراض مع أعراض “كورونا” إلى حد كبير. في تلك الأثناء، دار جدل واسع عن المسببات التي تقف وراء هذه الوفيات.

 “منظمة أطباء بلا حدود” قالت إنها قد تكون ناتجة عن انتشار الطاعون الرئوي في المدينة عقب سيول طمرت شوارع المدينة وتسببت بأضرار بشرية ومادية جسيمة. السلطات على لسان الطبيب أدهم عوض رئيس مكافحة الأمراض والأوبئة في الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً نفت ذلك، مؤكدة أن الحميات والأوبئة انتعشت بفعل الأمطار والسيول التي صاحبها طفح للصرف الصحي وتكدس للنفايات، بخاصة أنها كانت موجودة مسبقاً في مدن يمنية عدة، أهمها عدن وتعز والحديدة. لكن الثابت أن عدد الوفيات زاد بنحو سبع مرات في عدن. حينها أصدرت مصلحة الأحوال المدنية تصاريح دفن لـ73 حالة ليوم الأحد 10 أيار فقط، بحسب رئيس المصلحة اللواء سند جميل لصحيفة “عدن الغد”. 

وتعز المدينة الأكثر كثافة سجلت الحالة الأولى رسمياً في 1 أيار،  في 5 أيار من الشهر نفسه كانت العاصمة صنعاء قد لحقت بالركب عقب إعلان الحوثيين عن أول حالة لمهاجر صومالي فارق الحياة قبيل إعلان وزير صحة صنعاء عنها.

محفزات الكارثة

يعاني اليمن من أسوأ أزمة إنسانية في العالم، بسبب الحرب الدائرة منذ أكثر من خمس سنوات، إذ قدرت الأمم المتحدة أن 80  في المئة من السكان أي حوالى 24 مليون يمني يحتاجون إلى الدعم والمساندة الإنسانية، 10 ملايين على بعد خطوة من المجاعة، 7 ملايين منهم يعانون من سوء تغذية حاد، فيما يتجاوز عدد النازحين داخلياً حاجز الـ4 ملايين نازح وفقاً للمفوضية السامية لشئون اللاجئين، المحظوظ منهم يعيش في مخيمات تشرف عليها المفوضية، بينما أعداد كبيرة تقدر بمئات الآلاف مشردة في أماكن غير منتظمة.

بالتوازي مع هذا الوضع، يعيش أكثر من مليون موظف في القطاع المدني الحكومي في مناطق سيطرة الحوثيين، بلا رواتب منذ أيلول/ سبتمبر 2016، منهم حوالى 30 ألفاً في القطاع الصحي يشكلون نسبة كبيرة من نسبة العاملين ميدانياً، البالغ 42 في المئة فقط، بسبب هجرة أعداد كبيرة من الأطباء لأسباب لا تقتصر على العامل المادي وحسب، بل لأسباب متعلقة ببنية النظام السياسي في اليمن منذ عقود مضت، ساهمت الأزمات المتعاقبة من 2011 حتى الآن في تفاقمها، بحسب دكتور محمود العزب، رئيس قسم المناعة والفايروسات في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا. 

وجاء فايروس “كورونا” ليتسبب في وفاة 53 شخصاً – من هذا الكادر المتهالك أصلاً – من نيسان حتى 25 حزيران 2020، فيما عشرات منهم لا يزالون في المحاجر الطبية وهي إحصائية قد لا تتطابق مع الواقع أيضاً، نتيجة تعامل المجتمع مع الوباء كجريمة، الأمر الذي دفع ذوي الأطباء إلى إخفاء سبب الإصابة أو الوفاة، تفادياً لوصمة “كورونا”.

ويشير العزب إلى أن تعرض الأطباء المتكرر للعدوى نتيجة احتكاكهم المستمر بالمرضى سبب رئيس في ارتفاع نسب الإصابة في الوسط الطبي، منبهاً إلى أن المستشفيات في وضعها الحالي قد تشكل بؤراً خطيرة لتفشي الوباء.

يزيد “كورونا” من تعقيدات وصعوبات عمل الكادر الطبي ويضيف تحديات إضافية إلى التحديات السابقة التي كان يواجهها بأقل الإمكانات، لا سيما انتشار وباء الكوليرا في أكثر من 20 محافظة، متسبباً بـ112,851 حالة اشتباه و56 حالة مؤكدة مخبرياً، و29 حالة وفاة بين كانون الثاني/ يناير وأيار 2020.

وأيضاً حمى الضنك أصابت 3500 تقريباً وأودت بحياة 50 شخصاً في محافظة الحديدة فقط في الفترة ذاتها، فيما لا تسجل حالات الإصابة بالمكرفس ضمن إحصاءات وحدة مكافحة الأمراض والأوبئة، على رغم ظهور عشرات الإصابات.

“كورونا” ورقة حرب

على صعيد متصل، كانت وسائل إعلام ومسؤلون في صنعاء روجوا لفكرة أن اليمن في مأمن من قبضة الجائحة تحت مبررات الحصار المفروض على اليمن وانقطاع حركة السياحة والاقتصاد والتواصل مع العالم الخارجي، وذهب مستشار وزارة الخارجبة في سلطة الحوثيين إلى أبعد من ذلك مشككاً بوجود الفايروس من الأساس وموجهاً الدعوة إلى اليمنيين بالتوجه لساحات القتال، عوضاً عن الموت بـ”كورونا”، قال متهكماً، لكن الوباء لم يمهله حتى يشارك في القتال فمات متأثراً به.

 بالتزامن مع ذلك، بدأ الحديث عن انتشار الوباء في الأرياف والمناطق النائية التي تفتقر لأبسط الخدمات الصحية فيما استمر التعتيم الإعلامي التام في ما يخص إحصاءات الإصابة باستثناء مؤتمر صحافي في 29   أيار. قال فيه وزير صحة صنعاء طه المتوكل إن المسحات والمحاليل المرسلة من “منظمة الصحة العالمية” غير دقيقة. وأظهرت نتائج إيجابية لعينات غير بشرية؛ فجوة بدت واضحة بين سلطة صنعاء والمنظمة العالمية، وإن استمر التعاون ظاهرياً.

تاريخ الفجوة يمتد لفترات سابقة وتحديداً أواخر عام 2019 حين تفشى في مدن عدة واقعة تحت سيطرة الحوثي مرض غامض، أبرز أعراضه الصداع، الحمى، الكحة الجافة، ضيق التنفس. كانت السلطات الصحية تسميه “حمى فايروسية” في حال عدم ثبوت اختبار H1N1. غزت هذه الأعراض مناطق شاسعة، منها قرية في عزلة بني الضبيبي محافظة ريمة، عانى جميع سكانها من المرض ذاته بشكل جماعي من دون التفات الجهات المعنية على رغم من استمراره من أسبوع ونصف الأسبوع إلى ثلاثة أسابيع، لجأ الأهالي خلالها للاستطباب بالأعشاب والمواد الطبيعية. وتؤكد الدكتورة رانيا جعشان، مختصة في العناية المركزة والتخدير، في مستشفى الكويت الحكومي بصنعاء، الذي خصصته سلطة صنعاء لعلاج حالات “كورونا”، أن حالات التهاب رئوي فايروسي انتشرت بشكل كبير في تلك الفترة، تعاملت هي شخصياً مع حالتين منها توفيتا بعد أسبوعين فقط من إسعافهما. كانت الحالات تتدهور بشكل سريع، والمثير للغرابة أن معظم وفياته هم في الفئة بين 20 و25 سنة.

يعتقد أن المرض قضى على 271 شخصاً من بين 6945 حالة مسجلة وفقاً لتقرير وزارة صحة صنعاء المعنون بـ”الوضع الوبائي لحالات الالتهابات التنفسية الحادة الوخيمة”.

فاقمت الأوضاع الميدانية من حدة الأوضاع الصحية في اليمن سوء وغموضاً، مايعزز ما ذهب إليه مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في اليمن عبر تغريده له في “تويتر” في 21 أيار، ذكر فيها من أن الارتفاع السريع في حالات الإصابة بكوفيد- 19 في اليمن ناتج عن انتشاره لأسابيع سابقة قبل اكتشافه.

كان المكتب تحدث عن ارتفاع الحالات بنسبة 325 في المئة خلال أسبوع واحد فقط، مسجلاً أعلى نسبة وفيات في العالم، بلغت 15.9 في المئة، وساهم في ذلك انعدام الشفافية عند الحوثيين في الشمال، وشحة توافر المواد الأولية كالأوكسجين وفيتامين c والباراسيتامول من الصيدليات، إذ يوجه مواطنون اتهامات للسلطات بمصادرتها لمصلحة مراكز الحجر المخصصة لعلاج “كورونا”.

في المقابل، وقف صراع المجلس الانتقالي في الجنوب مع الشرعية المعترف بها دولياً حجر عثرة أمام وصول المعدات والأدوات الطبية للمناطق والجهات المحتاجة إلى الدعم، وشكل احتجاز الشحنات الطبية الآتية من الخارج في مطار عدن من قبل مقاتلي الانتقالي الذين يسيطرون على المطار، مروراً باختفاء 30 ألف شريحة فحص كانت آتية من الصين عبر مطار جدة، ووُجهت تهمة إخفائها لمسؤولين من القنصلية اليمنية في جدة وأعضاء في وزارة صحة الشرعية، عقبات إضافية أمام معركة مواجهة كوفيد- 19. سجلت الإحصاءات الرسمية للوباء حتى يوم الجمعة 26 حزيران 2828 حالة اشتباه و1089 حالة مؤكدة بإجمالي وفيات بلغ 293 وإجمالي شفاء بلغ 402. وهي إحصاءات تشمل المحافظات الجنوبية وتعز فقط، فيما ما زالت المحافظات الشمالية خارج العداد إلا من تقديرات رصدها د. العزب، ترجح أن يكون إجمالي الإصابات في صنعاء قد تجاوز الـ 100ألف إصابة وبالمثل في تعز، وأكثر من 70 ألف في ذمار ومثلها في إب، بناءً على مقارنات ومقاربات تم ربطها بالكثافة السكانية في هذه المدن، وبالنظر إلى عدم تطبيق السلطات الإجراءات الوقائية اللازمة قبل تفشي الجائحة وأثناءه.

في المحصّلة، ظل جل ما يدور في اليمن من صراعات وأحداث وأمراض من ضمنها كوفيد- 19 مجهولاً ليس للعالم الخارجي فقط، بل حتى بالنسبة إلى يمنيين في الداخل نتيجة غياب الدولة والانقسامات السياسية الحادة، وهيمنة خطاب البروباغندا على الخطاب الإعلامي الوطني المسؤول، وهو خطاب عملت الحرب على تثبيته كحالة طبيعية، ثم بسبب هشاشة القطاع الصحي المزمن، وبالتالي ثمة أبعاد خفية في منتهى الخطورة لغياب المعلومة الحقيقة المتعلقة بانتشار الجائحة في البلاد، لن تشمل تبعاتها اليمن فقط، بل قد يمتد أثرها مستقبلاً إلى أماكن أخرى، بخاصة مع تحذير “الصحة العالمية” من دخول العالم مرحلة جديدة وخطيرة في الوباء.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
كانت زيارة ماكرون أكثر من ضرورية، كانت زيارة فاضحةً لكل العطب الذي تعاني منه الدولة في لبنان، وكانت كاشفة لحجم السفالة التي يتمتّع بها حكّامنا.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني