اغتيال هشام الهاشمي : لعنة الميليشيا

الهاشمي، ضحية الإشكال الذي انتج منطق الميليشيا الشيعي، ولا يزال يحكم علاقة النخب الشيعية في العراق مع الدولة، والذي تغذيه إيران بنموذجها الطارد لأي قوة تحتكر العنف وتضعه في إطار شرعي، وتغذيه أيضاً مظلومية دولة السنّة المركزية...

في اغتيال الباحث والصحفي العراقي، هشام الهاشمي، أمام منزله في بغداد، اتصال ما بتحولات العملية السياسية التي تلت إسقاط نظام الديكتاتور صدام حسين، وخصوصاً موقع النخب الشيعية فيها. فالأخيرة، مارست السياسة انطلاقاً من ولاءات خارجية، وعلى قاعدة الانتقام، بعضها اتفق مع أميركا وآخر عارضها وحاربها، لكن الجميع تعامل مع هياكل الحكم التي أسسها التدخل الخارجي على أنها مسارح لنوازع أهلية. ورغم وجود الساسة الشيعة في الحكم، بقيت المظلومية تتحكم بذهنيتهم، وباتت الدولة، غنيمة للتعويض عن القهر التاريخي، وضعيفة خوفاً من استعادة الخصوم قوتهم وإعادة الجماعة المتغلبة حديثاً إلى موقعها السابق. 

الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد بين 2006 و2008، شكلت مناخاً نموذجياً، لتكريس سلوك النخب الشيعية الجديدة، وجعله مساراً متأصلاً يتحكم بشروط السياسة في البلاد، فالمخاوف والتصورات تغذت بالوقائع، وباتت أصلب وأشد تماسكاً. والمليشيا صارت مسرحاً لتصعيد “أبطال” جدد ومنحهم نفوذ وقدرة على تغيير مجريات السياسة. وإذا كانت الجماعات السنية المسلحة انتهت بالصحوات أو بالانخراط بالتطرف، فإن نظيرتها الشيعية، غدت أكثر فاعلية في السياسة، نظراً لموقع الشيعة في الحكم. والمليشيا في المتخيل الشيعي السياسي، هي إضعاف الجيش أي القوة العسكرية التي غالباً ما فتكت بمعارضات الجماعة، للتغلب السني. المشروعية المتخيلة تلبّست أحوالاً جديدة، خلال الحرب الأهلية، وسرعان ما تحولت إلى أخرى مع ظهور “داعش” واتساع سيطرتها، حيث شكل المرجع الشيعي علي السيستاني، مظلة لمجموعات عسكرية، غالبها شيعية، لقتال التنظيم المتطرف.

الفراغ  أحدثه عجز الساسة الشيعة عن مقاربة مسألة الدولة وشؤون الحكم، منذ بداية العملية السياسية، وما تلاه من حرب أهلية وصعود ” داعش”، وهو فراغ انتج المليشيات التي حصنت مواقعها، وسط استراتيجية إيرانية تعمل في السياق نفسه، حيث المليشيات الموالية أداة مدّ النفوذ وتجميع الأوراق في الإقليم. فمع نهاية “داعش” وإعلان النصر عليه، تحولت مليشيات “الحشد الشعبي” إلى أحزاب وقوى سياسية، وانخرطت في انتخابات جعلتها ثاني قوة في البرلمان، علماً أن القوى الأخرى ليس بريئة تماما من المليشيا التي اختلطت بالسياسة بحيث بات من المستحيل التمييز بينهما.

اغتيال الهاشمي، يكشف أن المعركة صعبة جداً، فالخصم شديد الالتباس ومتلون، وليس دولة واضحة. ما ينادي بإسقاطه المتظاهرون، شبكة معقدة من القوى والمصالح

والهاشمي، إذ نجح في مواجهة المليشيا السنية المتمثلة في “داعش” عبر تفكيكها معرفياً وكشف قادتها ومسارات تحولاتها، فذلك لأن الأخيرة معزولة عن السياسة، عكس نظيرتها الشيعية التي تملك امتدادات في ما يعرف بمؤسسات الدولة. ما يفتح المجال للكثير من المفارقات، أبرزها أن “قتلة” الهاشمي هم أنفسهم يطالبون بالتحقيق للكشف عن الجناة. 

الراحل ليس فقط ضحية المعركة التي يخوضها رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، ضد المليشيات، فهذه المعركة هدفها ضبط بعض المليشيات التي تستهدف المصالح الأمريكية، وليس إنهاء جذرياً للتساكن بين المليشيا والسياسة. الصحافي والباحث الشجاع، ضحية مواجهته المفتوحة مع منطق المليشيا بمختلف نسخها، في بلاد صارت فيها الأخيرة نواة صلبة للسلطة، تهندس الفساد وتوزع عائداته على عناصرها، تفرّغ أي محاولة للمأسسة من مضمونها، وتضع معيار الوطنية وتخوّن من يخالفها. 

والأهم أن الهاشمي، ضحية الإشكال الذي انتج منطق الميليشيا الشيعي، ولا يزال يحكم علاقة النخب الشيعية في العراق مع الدولة، والذي تغذيه إيران بنموذجها الطارد لأي قوة تحتكر العنف وتضعه في إطار شرعي، وتغذيه أيضاً مظلومية دولة السنّة المركزية وما رتبته من ظلم وغبن واضطهاد. الإشكال هذا، أدى إلى استبدال الجيش بالميليشيا، والاقتصاد بالغنيمة، والسياسة بالتحريض الطائفي وشحن جماهير الأحزاب.

وإن كانت التظاهرات الأخيرة شكلت خرقاً في جدار السلطة التي أسسها الإشكال السابق، فإن اغتيال الهاشمي، يكشف أن المعركة صعبة جداً، فالخصم شديد الالتباس ومتلون، وليس دولة واضحة. ما ينادي بإسقاطه المتظاهرون، شبكة معقدة من القوى والمصالح، لا يكفي لإنهائها، رفع شعارات جامعة، لابد من تصويب العلاقة بين الساسة الشيعة والدولة بحيث لا تبقى الأخيرة خالية من المضامين المؤسساتية انطلاقاً من كراهية النموذج السني السابق.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
رامي الأمين – صحافي لبناني
لا يستطيع أي زائر أو مغادر لمطار بيروت إلّا أن يلاحظ ضعف التنظيم وتراجع الخدمات وتهالك البناء والبنية التحتية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني