fbpx

في وداع زئيف شترنهل: تناسخ الفاشية وممكنات السلام

حذّر شترنهل من تحوّل اسرائيل إلى قومية يهودية متطرّفة "تحمل كل بذور الشر التي تشبه النازية في صعودها" واعتبر أنّ الخطر الذي تشكّله الجماعات اليهودية المسيانية سيكون مدمّرا للمجتمع الإسرائيلي...

قد يكون زئيف شترنهل من قلّة قليلة من المؤرخين الذين انكبّوا على قراءة الفاشية وتحليلها في أطوراها الأوروبية كافة، والفرنسية بخاصة، لبلورة إطار محلّي لها في معرض التمحيص عن فاشية مستجدّة لدولته، إسرائيل. وهذا التمحيص يرتكز على عصبوية قومية استخدمت القياس نفسه الذي ركن إليه القوميون في فرنسا إبان قضية الضابط اليهودي درايفوس: كانت اللاسامية حاجة منهجية وبقي حلم تحقيق القومية من دونها منقوصاً، لذلك أصبحت اللاسامية شرط قيام قومية فرنسية متطرفة وشرط اندثارها في آن.

تعرّض شترنهل لحملات ممنهجة بعد رفضه سياسة الإستيطان واعتبارها استعماراً جديدا ووصل الأمر إلى محاولة اغتياله في أيلول/ سبتمبر 2008 عبر قنبلة وضعت في حديقة منزله، كشفت التحقيقات لاحقا أنّ متطرفاً من الالتراناسيوناليست اليهود كان زرعها كرد فعل على مطالبة شترنهل بوقف الاستيطان في الضفة ورفع الحصار عن غزة.

لزئيف شترنهل فضل كبير في طرح تعريف آخر للفاشية بمفاهيم ماكس ڤيبر وبأسلوب يحاكي “الفاشية المثالية”، وله أعظم الفضل في سحب البساط من تحت مدارس عدة ردّت الفاشية إلى ترجمة محلية لظواهر تم استيرادها، فيما فسّرها هو كتوليفة “معادية للأنوار”، الأنوار الفرنسية الكانطية، الصالونية، النهضوية، الإنسانية بمفهومها الواسع. وحين طرح كتابه “لا يمين ولا يسار، الإيديولوجيا الفاشية في فرنسا” عام 1981، صدم الرأي العام في فرنسا والعالم عندما رفض نظرية “المناعة” التي كانت تتمتّع بها فرنسا إزاء الفاشية، واعتبر أنّ نظام ڤيشي “ليس وليد حادث أو صدفة” وقد دعّم حجته تلك في وقت لاحق في معرض تشريحه لجسم “التجمع الوطني” (الجبهة الوطنية سابقاً)، حين خلص إلى أنّ الجذر المؤسس لهذا الجسم هو في الطريق الثالث بين ليبرالية التنوير الفرنسية والماركسية، أي الطريق المعادي لكليهما، نفسه الذي مثّلته مدرسة الاشتراكي جورج سوريل أحسن تمثيل.

شترنهل المولود سنة 1935، في عائلة بولونية علمانية صهيونية، سرعان ما وجد نفسه في الغيتو اليهودي عند بداية الحرب العالمية الثانية. شاهد الضابط النازي ينهي حياة والدته وأخته وشاهد شريطاً كاملاً من مأساة يهود أوروبا الشرقية، حين نام ثلاثة أيام في حفرة صغيرة تحت أقدام الجنود النازيين، وحين فرّ مع أفراد من عائلته الكبيرة إلى أوكرانيا وحين اضطرّ أن يكون متدينا كاثوليكيا في أفينيون الفرنسية ليضمن نجاته من المحرقة.

عام 1951، وبعد نشوء إسرائيل، حسم الشاب خياراته الفكرية: اختار الكيبوتس والعبرية والجيش على حساب اليديشية والسيناغوغ. أصبح يعرّف عن نفسه كيساري صهيوني لاماركسي. التعريف الشائع لأي شاب اسرائيلي في سنوات الخمسين من القرن الماضي. في حرب الـ56، شارك شترنهل في الحرب كجندي احتياط في لواء غولاني. لم يتورّع عن المشاركة لاحقاً في كل الحروب التي خاضتها اسرائيل في الـ67 والـ73 واجتياح لبنان عام 1982. حتى منتصف الثمانينات، حافظ شترنهل على نظرته لإسرائيل: دولة العودة إلى روح الإنسانية، المكان الذي تمكن فيه استعادة الحياة الإنسانية التي دمّرها الغيتو.

وعندما أسّس وانتسب لحركة “السلام الآن” كان لا يزال مقتنعاً بممكنات دولة إسرائيلية تتجنب محاكاة المسألة القومية وتحوّلها إلى قومية فاشية قائمة بذاتها وبكراهيتها لكلّ المكونات اللاقومية.

ولأنّ شترنهل كان مؤمناً بأنّ الفاشية لا تتولّد إلا بتوفّر زواج بين شريكين متساويين هما القومية والاشتراكية، ذهب إلى الحديث عن عدم إمكان وجود فضاء مناسب لتناسخ التجربة الفاشية الفرنسية على أرض اسرائيل. لكنه سرعان ما اكتشف أنّه كان مخطئاً وأنّ القومية كسمة مميزة للفاشية، في جوهرها وظاهرها، تتأصّل في مجتمع يؤمن بفكرة الديموقراطية الاجتماعية التي قامت مع قيام الدولة والتي رأى فيها شترنهل نفسه حجةّ لتوصيف تاريخ الفاشية على أنه دفع مستمر لمراجعة الماركسية.

في أصول الفاشية

في أعماله التي تناولت تشريح الفاشية وتفسيرها، والتي استعاد خلاصات منها في كتابه الأخير حول الكولونيل فرانسوا لا روك وتجربة جماعة “الصلبان النارية” ووريثها الحزب الاجتماعي الفرنسي (PSF)، يمكن القول إنّ شترنهل يردّ جذور الحقبة البيتانية إلى ثلاثة أحداث زمنية أساسية:

1- حركة الجنرال جورج بولانجيه التي تعتبر الخطوة الأولى في خلق تقارب بين اليسار الفرنسي والقومية. هذا التقارب سيتجذّر مع المجلس المركزي الثوري بغالبيته البلانكية (أوغست بلانكي) وسيبلغ ذروته مع قضية الضابط اليهودي درايفوس حين اصطفّت تيارات واسعة من اليسار الفرنسي ضد درايفوس وأصبحت تعرّف عن نفسها بـantidrayfusard.

٢- تيارات موريس باريه وفرديناند برونوتيير الأدبية والسينديكالية الثورية مع جورج سوريل.

يتفق شترنهل مع المؤرخ الاسرائيلي شلومو ساند على “معادة السامية” في مفاهيم وبنى جورج سوريل، وعلى رغم اختلافهما في ترجمتها وتفسيرها، لكنّهما يجمعان على مساهمة سوريل في إشاعة جو من الكراهية لليهود الأشكيناز في العقد الأول من القرن الماضي. يستند شترنهل إلى كتابة سوريل في جريدة “الاستقلال” عام 1911 نشرات من بروباغندا ادوارد درومون – مؤسس الرابطة القومية المعادية للسامية وصاحب كتاب “فرنسا اليهودية”، وهجومه المركّز على رئيس الوزراء جورج كليمنصو ليدعّم حجته في جنوح سوريل للفاشية وتبنّيها.

شبّه شترنهل مأساة الفلسطينيين اليوم بمأساة اليهود في الثلاثينات، وشبّه ممارسات إسرائيل بممارسات النظام النازي. وكان اسمه حاضراً بين الأسماء الـ127 لكتّاب ومثقفين يهود، وقّعوا العام الفائت على عريضة ترفض توجه البرلمان الفرنسي إلى تجريم معادة إسرائيل باعتبارها شكلاً من أشكال معادة السامية.

اشتغل شترنهل منذ سنوات الجامعة الأولى على موضوع موريس باريه وخصّص أطروحة الدكتوراة للحديث عن باريه والفاشية. اعتبر شترنهل أنّ “قومية الأرض والكلمات” لباريه ليست إلا فصلاً قصيراً من بداية تحوّل الفاشية إلى “نظام ايديولوجي”. في المساحة الفاصلة بين هزيمة كومونة باريس وقضية درايفوس، ارتسمت معالم “يمين ثوري” لن يضطّلع بدور ايديولوجي فقط، إنما ستكون له وظيفة سياسية غالبة وحاسمة عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية. كان موريس باريه يعتقد أن مفهوم الدولة ينبثق من شعور روحي لا يدركه فهم الإنسان العادي، وهي وجهة نظر نجمت عن الأفكار النفسية التي سادت آنذاك، بشأن اللاوعي البشري الجمعي، وعن الحركة الرمزية في الأدب، التي كانت تؤمن بأن الفن يستطيع أن يصل إلى الأساطير الخفية الكامنة وراء السلوك البشري. لذلك كان يقول بوحدة القومية كبنيان قائم بذاته وبجوهره كجسد حيّ “القومية هي جسم. القومية ملتفّة حول الكنيسة والمقبرة. لا نصبح أعضاء في تلك القومية التي تبلغ أكثر من ألف عام لمجرّد أن امتلكنا بطاقة هوية رسمية”.

٣- انهيار الصيغة الجمهورية عام 1940، وسقوط الديموقراطية الليبرالية في السياسة. عارض شترنهل “راهنية” الفاشية في نظام ڤيشي واعتبر أنّ كل حديث عن تولّد الفاشية في فرنسا بيتان ناتج عن تعاملها مع النظام النازي هو محض كلام فارغ، وأعاد التذكير مراراً بالتيارات الفكرية والثقافية النظرية السابقة لأفعال الفاشية (proto-fascisme) كغابريل دانونزيو الذي ألهم بينيتو موسوليني والمراحل الأولى للسكوادرية في إيطاليا، ونتاج “الديموقراطية الدينية” الموراسية، المحافظة الثورية في فرنسا.

وفي سياق شرحه لتضافر الحيوتين الثقافية والسياسية في شخصية الماريشال بيتان ومشروع الإحياء القومي، رفض شترنهل اختزال حقبة ال collaboration بارتباطها بالنازية ولم يرَ أوجه شبه كبيرة بين هتلر وبيتان لأسباب عدة. أوّل تلك الأسباب أنّ بيتان انطلق من فكرة محورية “الأرض… الأرض لا تكذب” ليقول إنّ على فرنسا أن تغوص من جديد داخل جذورها لكي تجد تلك القوة القومية المفقودة، فيدعو مواطني فرنسا الفيشية إلى أن يذوبوا في العادات الفلاحية القديمة، ويشجع على عودة التقاليد الحرفية ويستعيد شخصيات تاريخية مثل جان-دارك التي تم تخليدها باحتفال سنوي منذ عام 1941. وواقع الأمر أنّ تلك “الثورة القومية” -التي تتمظهر كعون أو سند للاحتلال- هي جوهر ثقافي ثابت في الأسس الموراسية القائلة إنّ البشر لا يستطيعون أن يزدهروا إلا في إطار الجماعات الطبيعية. لذلك يظهر التنظيم الحرفي مثله مثل الأمة والدين والأسرة، وتبدو تلك الهيكلية الإدارية والمحلية أساساً لقيم العمل والتضامن والنظام.

مشروع فيشي الذي كان يحمل تغييرات جذرية مختلف عن المشروع الهتلري لأنّ لا شأن له بمثل أعلى فاشي يقوم بهيكلة الكوادر الاجتماعية والايديولوجية، إنما يقوم على تسليط فكرة تلعب فيها النواحي الثقافية دوراً حاسماً. في البيتانية لا يمكن الحديث عن معيار ثقافي واحد مفرد ومفروض، بل متشعب ومناور ومتعدد، ينسحب على هوامش ومجالات كثيرة شريطة أن يتم تطويعه لخدمة “الثورة القومية”. في البيتانية أيضاً، اهتمامان ظاهرهما التضاد وقالبهما الوفاق، ضروة تأكيد قوة الدولة وهيبتها من ناحية (وهو ما نجده هتلريا) وفي الوقت نفسه مساحة تشجّع السلطة المحلية والإقليمية على المبادرة وهو ما ظل غائباً عن النازية.

اذن الفاشية حسب شترنهل هي شكل متطرّف لحركة ايديولوجية وثقافية، تحتّل القومية مكانة كبيرة فيها، تنطلق بشكل أساسي ضد إرث الثورة الفرنسية، وتعادي التنوير والمادية التاريخية، وترفض الليبرالية السياسية وتحارب مفهوم النفعية (utilitatiste) التي تعود على المجتمع والدولة.

متحدثا امام منزله بعد محاولة اغتياله عام 2008 لرفضه سياسة الاستيطان الاسرائيلي

صهيوني خارج الصهيونية

يعدّ شتيرنهل من المؤرخين الاسرائيليين الذين نظّروا في فترة ما بعد الكيبوتس والسلاح في الجيش وحروب التحرير الكبرى إلى إمكانية التوصّل إلى دولتين فلسطينية واسرائيلية ورغم انخراطه في صفوف حزب العمّال وارتباطه بأي حركة معارضة على اليسار لصعود مناحيم بيغن في السبعينات والثمانينات، غادر إلى برنستون في نيوجرسي في الولايات المتحدة الأميركية حيث تفرّغ للدراسة والكتابة قبل أن يعود إلى الجامعة العبرية في القدس مدرّساً للعلوم السياسية.

كتب شترنهل بشكل دوري في صحيفة “هآرتس” وحذّر من تحوّل اسرائيل إلى قومية يهودية متطرّفة “تحمل كل بذور الشر التي تشبه النازية في صعودها” واعتبر أنّ الخطر الذي تشكّله الجماعات اليهودية المسيانية سيكون مدمّرا للمجتمع الإسرائيلي. في تقرير أعده الصحافي شارل آندرلين تحت عنوان “باسم الهيكل” أطلق الرجل، الذي اكتسب صفة “منش” (Mentsch) التي تعني باليديشية “النزيه”، صرخة ضد العنصرية الإسرائيلية التي يمثلها اليوم بنيامين نتانياهو، وقال “اليمين متسلحاً بالايديولوجيا القاتلة ذهب إلى حرب من أجل الهيكل. الهيكل اليوم هو المساجد والعرب. ستتحول تلك العدائية ضد العرب الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين إلى عدائية ذاتية تجاه المكون اليهودي العلماني الرافض لأساطير القومية”.

تعرّض شترنهل لحملات ممنهجة بعد رفضه سياسة الإستيطان واعتبارها استعماراً جديدا ووصل الأمر إلى محاولة اغتياله في أيلول/ سبتمبر 2008 عبر قنبلة وضعت في حديقة منزله، كشفت التحقيقات لاحقا أنّ متطرفاً من الالتراناسيوناليست اليهود كان زرعها كرد فعل على مطالبة شترنهل بوقف الاستيطان في الضفة ورفع الحصار عن غزة. أصيب البروفيسور الجامعي في الانفجار واعتبر الأمر رسالة إلى كلّ من يرفض اليوم سياسة إسرائيل العنصرية.

في آخر مقابلة مع “لوموند”، شبّه شترنهل مأساة الفلسطينيين اليوم بمأساة اليهود في الثلاثينات، وشبّه ممارسات إسرائيل بممارسات النظام النازي. وكان اسمه حاضراً بين الأسماء الـ127 لكتّاب ومثقفين يهود، وقّعوا العام الفائت على عريضة ترفض توجه البرلمان الفرنسي إلى تجريم معادة إسرائيل باعتبارها شكلاً من أشكال معادة السامية.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
باسكال صوما – صحافية لبنانية
تقتصر المحاسبة والتوقيفات على مديرين أو مسؤولين أو موظفين صغار في الدولة، وتتم تبرئة الرؤوس الكبيرة التي تتولى في الحقيقة إدارة المرفأ والمطار وكل شاردة وواردة في البلد.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني