fbpx

لبنان: عن الطفل السوري الذي اغتُصب بصمت لسنتين

لم يخطر لحظة في بال فاطمة أن يكون هؤلاء الشبان، الذين تأتمنهم على ابنها، هم منتهكو جسده، بخاصة أن صلة قرابة تربط بينها وبينهم. تقول، "كنت أشعر بالاطمئنان وهو معهم، كثيرةً هي الأيام التي طلب فيها محمد ألا يذهب إلى العمل...

“كنت أشعر أنه خائف طوال هاتين السنتين، اليوم وبعدما كُشف أمر المجرمين، لا شيء يُبرد ناري سوى رؤيتهم يتعذّبون بصمتٍ وخوف، تماماً كما عذّبوا ولدي”، تقول فاطمة صبح، والدة الطفل محمد (13 سنة)، الذي اعتدى عليه ثمانية شبّان نفسياً وجسدياً بالتناوب في بلدة سحمر البقاعية في لبنان. 

أثارت قضية اغتصاب الطفل الرأي العام اللبناني والعربي، بخاصة بعدما تبيّن أن استباحة جسد محمد وانتهاكه استمّر سنتين، كان يعمل خلالهما في مكبس زيتون في البلدة بعد قراره بترك المدرسة لإعالة أمه وأخته، إذ ترك أبوه العائلة منذ فترة طويلة. 

مرّت أكثر من سنة على الجريمة المتكرّرة في ظل صمت محمد، الذي تعرّض لترهيب وتهديد. “إذا بتحكي رح نحفر قبرك وندفنك…”، تقول فاطمة لـ”درج”، شارحةً أنه كان يأتي باكياً في مرّات كثيرة، وأحياناً كانت تظهر على جسده آثار تعذيب، وعندما تسأله يغرق في صمته، أو يجيبها بأنه تشاجر مع أصدقاء. وتؤكد أن محمد حالياً بصحةٍ جسدية ونفسية أفضل، ويشعر بأن الجميع يسانده وينتظر تحقيق العدالة.

لم يخطر لحظة في بال فاطمة أن يكون هؤلاء الشبان، الذين تأتمنهم على ابنها، هم منتهكو جسده، بخاصة أن صلة قرابة تربط بينها وبينهم. تقول، “كنت أشعر بالاطمئنان وهو معهم، كثيرةً هي الأيام التي طلب فيها محمد ألا يذهب إلى العمل، ساعات قليلة ويأتون ليصطحبوه من المنزل… يلا يا حمودي بدك تروح، لا أنسى جملتهم هذه”… 

لم تكن فاطمة لتعرف بمـأساة ابنها لولا خلاف وقع بين المغتصبين، دفع أحدهم إلى نشر فيديو يوثّق فيه الجريمة، ليصل بعدها المقطع المصوّر إلى منصة محلية وتضج به وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، فيتحول إلى قضية رأي عام.


غطاء حزبي للمعتدين؟

لم تكن ثقافة استضعاف الفئات المهمشة في لبنان، وتحديداً استضعاف اللاجئين، حاضرة في هذه القضية على رغم أن محمد يحمل الجنسية السورية. فالضغط الاجتماعي والإعلامي حرّك القضاء، فكلّف مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات القاضية ناديا عقل بفتح تحقيق. وتمكّنت القوى الأمنية إثره من توقيف أحد المتهمين وسلّمت ثلاثة آخرين، ليصبح عدد الموقوفين أربعة. وأكّدت فاطمة لـ”درج” أنهم تواصلوا معها وساعدوها لرفع دعوى ضد المعتدين، كما تطوّع محامون كُثر في القضية. 

“كنت أشعر بالاطمئنان وهو معهم، كثيرةً هي الأيام التي طلب فيها محمد ألا يذهب إلى العمل، ساعات قليلة ويأتون ليصطحبوه من المنزل…”

الإجراءات الأمنية، التي أتت متأخرة، ليست كافية إلى الآن، بخاصة أن هوية المعتدين الثمانية باتت مكشوفة والطفل اعترف بالتفاصيل أمام القضاء لكن كان هناك تباطؤ في ملاحقة المشتبه بهم ولم يلق القبض سوى على واحد. هذا الأمر أثار حفيظة واسعة خصوصاً مع شيوع أنباء عن تمتع الهاربين بحصانة حزبية. 

انتهاكات سوريين بالجملة

تحمل هذه الجريمة في طياتها جرائم كثيرة، تبدأ أولاً بعمالة الأطفال، والغطاء الحزبي والعشائري والزبائني الذي يُستّر على أبشع الجرائم، بخاصة تلك التي تطاول الأضعف في المجتمع. في حالة الطفل محمد فهو من أب سوري وأم لبنانية وهذا حال لا يعطيه حصانة كافية لا قانونياً ولا اجتماعياً في ظل عجز الأم اللبنانية عن إعطاء الجنسية لطفلها، وصولاً إلى النفس التمييزي الذي يرقى إلى العنصرية في حالات كثيرة ضد السوريين. 

فواقع السوريين في لبنان من سيئ إلى أسوأ، سواء على صعيد الإقامات والأوراق الثبوتية، أو في مجال العمل والمداهمات والانتهاكات بحقّهم، وحتى في العنصرية الواضحة في المواقف اليومية، والتي تستمّد قوتها من خطابات سياسية وحزبية ممنهجة. 

واللافت أن الإعلام اللبناني هو جزء من هذه المنظومة، إذ يُلاحظ نوع من الخجل في تغطيات القضايا التي تمسّ مصالح السوريين في وسائل الإعلام، وقد يذهب البعض إلى تحميل اللاجئين مسؤولية الأزمة اللبنانية، على رغم أنها تراكمية وتعود لما قبل الحرب السورية. 

تحمل هذه الجريمة في طياتها جرائم كثيرة، تبدأ أولاً بعمالة الأطفال، والغطاء الحزبي والعشائري والزبائني الذي يُستّر على أبشع الجرائم.

وهذا كلّه يُضعف نبض اللاجئ السوري في لبنان، إذ يخشى من تقديم شكوى إذا كان بلا إقامة مثلاً، ما يعرّضه للمساءلة، فيختار السكوت عن حقّه، وبذلك يفقد السوري حقه بالتقاضي والمساواة أمام القانون.

الانتهاكات بحق سوريين، وتحديداً الأطفال، في لبنان كثيرة. فسبق أن حصلت جريمة مشابهة في بيروت منذ نحو سنتين، لكن الجريمة لم تصل إلى فعل الاعتداء الجنسي، بل كانت “حضّاً على الفجور”، إذ تعرّض شاب لبناني لطفل سوري في أحد مساجد بيروت، وبلّغت إدارة المسجد بالحادثة، ولا يزال المعتدي موقوفاً وفقاً لما قالته محامية الطفل ديالا شحادة لـ”درج”. 

واقع مأساوي وتمييز ممهنج

هناك أكثر من مليون لاجئ سوري مسجلون لدى “المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” في لبنان. بينما تقدّر الحكومة أن عدد السوريين الفعلي في البلاد هو 1.5 مليون. 

تصعيب سياسات الإقامة على السوريين يزيد خطر تعرضهم للاستغلال والانتهاكات، ويحّد من قدرتهم على الحصول على العمل والتعليم والرعاية الصحية. إذ يفتقد 73 في المئة منهم إلى الإقامة القانونية، ويواجهون خطر الاعتقال بسبب وجودهم غير الشرعي في البلاد، وفقاً لتقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” لسنة 2020. 

وأشار التقرير إلى أن “المجلس الأعلى للدفاع” اتخذ قرارات ضاعفت الضغط على لاجئين سوريين، بما في ذلك ترحيل الذين دخلوا لبنان بطريقة غير شرعية، وهدم مساكن لاجئين، وحملة ضد العمال السوريين الذين لا يحملون رُخص عمل. 

حتى أنه رُحّل أكثر من 2500 لاجئ في الآونة الأخيرة وسط خطر الاحتجاز التعسفي والتعذيب. وهذه التدابير القسرية، تنتشر وسط خطاب كراهية يتبناه سياسيون وأحزاب فاعلة، ومؤسسات إعلامية تابعة لهم. 

اليوم وبعدما كُشفت هوية المعتدين، تتّجه العيون إلى القضاء، فإما عدالة لطفلٍ انتهكت طفولته، أو تستّر بغطاءٍ حزبي على فاعلين، وبذلك لا يقلّ السكوت عن الجريمة، عن الجريمة ذاتها! 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
باسكال صوما – صحافية لبنانية
تقتصر المحاسبة والتوقيفات على مديرين أو مسؤولين أو موظفين صغار في الدولة، وتتم تبرئة الرؤوس الكبيرة التي تتولى في الحقيقة إدارة المرفأ والمطار وكل شاردة وواردة في البلد.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني