fbpx

سوريا : ذوو الاحتياجات الخاصة وجهاً لوجه مع كوفيد 19

يثير وباء كوفيد 19 ذعر السيدة مريم حمادو، فهي تعيش قلقاً بالغاً من انتقال العدوى إلى أحد من أشقائها الأربعة الذين يعانون جميعهم من تأخر ذهني يجعلهم عاجزين عن إدراك وفهم ما يحصل...

العائلة من خلفية متواضعة ولا تجد رعاية طبية كافية لتحديد طبيعة الإصابة التي يعاني منها الأشقاء ولا كيف تطورت معهم لكنهم يعانون منها منذ الولادة بحيث تقتصر قدراتهم على القيام والمشي والتعبير المحدود…

حمادو من سكان قرية “الحنبوشية” في ريف جسر الشغور، بمحافظة إدلب شمالي سورية، وهي تخشى من احتمالات العدوى خصوصاً أن أشقائها بالغين ويخرجون كل يوم يخرجون صباحاً من البيت ويقضون نهارهم خارجه، ثم يعودون مع حلول المساء.  بحسب الشقيقة، هم يعرفون أنّ موعد عودتهم إلى البيت قد حل عندما يشعرون بالجوع، لكن سماعها الأخبار عن وتيرة انتشار الوباء عالمياً يزيد من قلقها، ويربك خططها إزاء التعامل معهم،  “نخاف عليهم أكثر من أنفسنا. أعلّمهم كيف ينظفون أنفسهم، وكيف وماذا يأكلون”.

تتواصل الأخت مع أشقائها بالكلام والإشارة، وبعد تكرار ذلك أكثر من مرة، يفهموا عليها ما تريده منهم، وينفذون. 
فرض انتشار وباء كورونا عالمياً، وخشية انتشاره في سوريا مع هشاشة الوضع الطبي، وتدمير البنية التحتية، معاناة جديدة على شريحة من السوريين، هم من ذوي التأخر الذهني وأغلبهم في عمر الشباب 18 – 35 عاماً ويعانون بصمت، لكونهم بعيدين عن دوائر اهتمام مقدمي الخدمات الطبية والاجتماعية، ويلقى عبئ الاهتمام بهم على عاتق ذويهم فقط، وسط نقص حاد في المساعدات.

“للأسف لا يوجد شيء مخصص لذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة للوقاية من كوفيد 19″، يقول مدير مركز متخصص في المعالجة والدعم النفسي في ريف حلب. 

ومع بدء انتشار كوفد 19، بدأ متخصصون وأطباء يسجلون تصاعد مستويات العنف تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما يجعل مصيرهم في مهب الريح، ويزيد من معاناتهم، على ما يكشفه هذا التحقيق.

قوانين قاصرة .. 

واحدة  من المشاكل التي يعاني منها ذوو الاحتياجات الخاصة ومن بينهم من يعانون من تأخر ذهني أو إعاقة عقلية وآخرون لديهم اضطرابات نفسية وذهنية هي قصور النصوص القانونية في الإحاطة بهم، بحيث أن بعض الحالات قد لا يصنفها الطب بالضرورة في خانة الاضطراب. نجد أن القانون القانون يستعمل عبارات غير وافية طبياً، ما يجعل المرضى في حال خلط ما بين التأخر الذهني والاضطراب النفسي، إذ يعتبر قانون الأحوال الشخصية السوري، “المجنون فاقد الأهلية بالكامل، أي أنّ جميع تصرفاته تعتبر باطلة باعتباره معدوم الإرادة ولذلك فإن أي شيء يصدر عنه لا يعتبر بالقانون وخاصة ما يتعلق بالبيع والشراء”.

تقول المحامية رهادة عبدوش من دمشق، إن النصوص القانونية الحالية موضوعة منذ الخمسينات، وتحوي عبارات يجب تغييرها كـ”المجنون” و”المعتوه” وهذا بسبب قدم القانون، لكن في التطبيق يرجع كل شيء إلى تقارير الخبرة الطبية، “القانون لا يعرّف المرض بل تقارير الخبرة هي التي تعطي نوع المرض وتقارير الخبرة تميّز بين السفيه والمغفّل وبين المريض النفسي والعقلي والاضطرابات النفسية بأنواعها وتحدد ما يريده القانون وهو مدى مسؤولية المريض أو الانسان عن افعاله ومدى مقدرته على التصرّف بأمواله وأفعاله وبنفسه وهذا يحدد ان كان بحاجة لقيّم على أمواله وولي على نفسه أو وصي على تصرفاته وافعاله والمدّة التي يحتاجها هل هي دائمة أم لفترة محدودة”.

لغاية 2016 تم الحجر على أكثر من 10 آلاف شخص خلال خمس سنوات، بسبب نقص أهليتهم ووصولهم لمرحلة “الجنون” أو “العته”، وفق القاضي الشرعي الأول بدمشق، محمود المعراوي ووفق التوصيف القانونية الحالية في سوريا.

يشمل الحجر “الحجز على أموالهم بعد طلب أحد أقارب المريض للحجر عليه وإجراء كشف طبي له يؤكد إصابته بالحالة”، وفق القاضي.

لم يبلغ رسمياً عن أية إصابة بفيروس كورونا لذوي إعاقة ذهنية، ولم يبلغ عن أية إصابات في مناطق سورية أخرى تحت سيطرة المعارضة شمال البلاد، أو مناطق الإدارة الذاتية شرقاً. 

بيد أن دراسة أجراها معهد “Crnic” ونشرتها دورية “Nature”، أظهرت أنّ مصابي مُتلازمة “داون” أكثر عُرضة لأمراض المناعة الذاتيّة، وبالتالي أكثر عرضة للإصابة بـكوفيد 19.

نقصً حاد بالأطباء 

يزداد وضع ذوي التأخر الذهني تعقيداً، مع النقص الحاد في توفر الأطباء المتخصصين، ومراكز الرعاية، فقد ارتفعت مستويات ندرة الأطباء وتراجعت جاهزيتها للمعالجة والتشخيص بسبب الصراع.

تقدر الأرقام الرسمية عدد الأطباء النفسيين في سورية بنحو 70 طبيباً فقط، وهم يغطون 9% من الاحتياجات.
“يوجد ثلاثة أطباء لكل مليون شخص، فيما الحد العالمي طبيب لكل عشرة آلاف نسمة”، وفق تصريح لرئيس رابطة الأطباء النفسيين، الدكتور مازن حيدر.

خلال يوم عملها الممتد من الصباح حتى ساعات متأخرة من المساء تركز أخصائية الطب النفسي، مها جواد، العاملة في مركز “النفس المطمئنة” التابع لمنظمة SAMS في بلدة الدانا بريف حلب، على توعية الأهالي بضرورة تجنيب ذويهم ممن يعانون من تأخر ذهني واضطراب نفسي، الاختلاط والتواجد في التجمعات لأنّ قابلية إصابتهم بالفيروس هي أعلى من غيرهم بسبب عدم تملكهم المعلومات الكافية والعي لمواجهة الجائحة.

المركز الذي يقدم خدماته في مجال الأمراض النفسية والمزمنة مثل الفصام وثنائي القطب، والإعاقات الذهنية والعقلية لحوالي أربعة آلاف شخص يتوزعون ما بين مراجع وحالة جديدة، يركز العاملون فيه هذه الأيام حيث يتصاعد تهديد كوفيد 19 على تكثيف التثقيف الصحي للحالات ولذويهم حول العناية الشخصية والتعقيم وغسل الأيدي بانتظام. 
من بين من يزوون المركز بانتظام لتلقي المساعدة الطبية والاستشارات، الطفل محمد بسام عبد الكريم (17 عاماً) والذي يعاني بحسب والده (بسام) من تأخر ذهني وجسدي، يتخلله اختلاجات ونوبات.

يقيم الطفل مع عائلته في منطقة حزانو بريف إدلب، وأكثر ما يقلق والده في هذه الأيام الخوف من انتشار الوباء بسبب تفشيه في الجوار السوري، وعدم توفر أدوية الأعصاب في المنطقة، وإن توفرت تكون أسعارها فوق قدرتهم على شرائها. 

يقول الأب بسام “نعاني من عدم توفر الأدوية، ومن واجبنا أن نكون حريصين على ابننا، نعطيه معقمات وكمامات ونمنعه من الاختلاط مع الآخرين خوفاً على صحته”. 

وفق المحكمة الشرعية في دمشق، كان عدد معاملات حالات “الجنون” و”العته” وهي مجدداً التوصيفات التي يعتمدها القانون السوري لشريحة المتأخرين ذهنياً، في إدلب 50 حالة فقط العام 2014، و 250 حالة في حلب، وبحوالي ثلاثة آلاف معاملة في عموم سوريا. أما الآن، فلا يمكن إحصاء الأعداد بسبب تكرار النزوح والأعمال العسكرية المتقطعة التي تعيق عمل المنظمات المتخصصة، والمراكز الطبية، يقول طبيب في إدلب. 

وفقاً لاتفاقية حقوق الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، التي وقَعَت عليها سوريا، فإنّ الدولة مُلزمة بتوفير أشكال المُساعدة البشرية. في وقت تقدر وزارة الصحة السورية أن عدد المستفيدين من خدمات الصحة النفسية 135,242 مستفيد عام 2019، وفق الموقع الرسمي للوزارة.

ربع سكان القرية “ذوو إعاقة”  

تشكو مريم نقص كل شيء بدءاً من ضعف الاهتمام المجتمعي والطبي بأخواتها الأربعة، وذوي التأخر الذهني عموماً، وعدم مساعدتهم في مواجهة مرض كوفيد19، إلى ضعف قدرة العائلة الشرائية، حيث تحتاج يومياً بين 2500 إلى 3000 آلاف ليرة سورية (1 دولار) فقط لشراء الخبز، في حين يبلغ سعر كيلو البرغل ألف ليرة، والعدس 1300 ليرة.

بدوره يؤكد شاكر عبدو، مسؤول المجلس المحلي في قرية “الحنبوشية” بريف جسر الشغور، أنّ المجلس عاجز عن تقديم أية مساعدات أو رعاية لذوي الاحتياجات الخاصة بسبب قلة الدعم من المنظمات الانسانية وبسبب قلة الخبرات وعدم وجود أي نقاط طبية في القرية.
ومما يزيد الوضع صعوبة أن القرية تضم نسبة كبيرة من السكان ذوي التأخر  الذهني، يقدرها المسؤول المحلي بحوالي 25% من السكان، أي ما يعادل ربع سكان القرية، وهو ما يعزى سببه إلى حالات زواج الأقارب المنتشرة بكثرة في المنطقة.  هذا الواقع يترك آثاره على مريم، ومن هم في مثل حالتها، وتعمل جاهدة على حمايتهم من فيروس كورونا، رغم أنها تعاني من عجز في قدمها اليمنى على إثر عمليات جراحية، قارب عددها التسعة لكي تتمكن من المشي على قدميها. 

الخوف من المجهول 

ليس فقط من يعيش في شمال سوريا ممن يحتاجون رعاية خاصة لا يتلقون الدعم والمساعدات الكافية، بل أن المعاناة تشمل هذه الشريحة في مناطق أخرى وبالتحديد تلك المناطق التي كانت تشهد أعمال عسكرية وقصفاً جوياً شرق سوريا خلال المعارك ضد تنظيم داعش.
 

النظافة الدائمة، وخشية انتقال العدوى إلى ذوي التأخر الذهني وممن يمتلكون بنية جسمانية هشة، هو ما يجعل والدة الشاب خضر عيسى (30 عاماً) من أبناء قرية قرة قوية، التابعة لبلدة الدرباسية في الحسكة، لا تفارقه ليلاً ونهاراً، كما تقول. 

الشاب خضر، المسجّل لدى مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في الحسكة، على أنه يعاني من تأخر ذهني مع تشوهات في الرأس والعين، ويحتاج إلى مرافق، لم يتلق أية مساعدة رسمية ولم يسأل عن وضعه الصحي أحد من قبل، وخلال فترات الحجر الصحي، وخلال ذروة انتشار المرض عالمياً، وبدء انتشاره على الأراضي السورية. 

تتولى والدته بالكامل مهمة الحفاظ على صحته، وإبقائه بعيداً عن الإصابة بالجائحة، رغم الفقر الشديد.  

تقول الأم وهي جالسة في فسحة بيتها الريفي: ” لم نتلق مساعدة من أحد، ويومياً يغسل يديه بالصابون، ولا أسمح له بالخروج والاختلاط، أحافظ عليه ليس من الآن بل منذ الصغر، ولا أعلم من سيهتم به من بعدي… أحبّه كثيراً؟”. 

وعلى الجانب الآخر، يعمل في منطقة الحسكة بعض المراكز الطبية التي تتولى مهمة إعطاء الخدمات، وفي مجالات دعم التعليم وحماية الأطفال، ومنها مركز “سمارت” في القامشلي، الذي تأسس عام 2012 وتمتد مشاريعه إلى الحسكة ودير الزور والرقة، ومع بدء انتشار وباء كورونا لم يكن هناك أية مخططات لاستهداف ذوي التأخر الذهني بالبرامج التوعوية، كما يقول مدير المركز الأخصائي النفسي، محمد علي عثمان. 

يضيف “لا يوجد شيء مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة للوقاية من كوفيد 19، المشاريع متعلقة بالتعليم وحماية الأطفال، لكننا نعمل في مجال التوعية ونشر الملصقات للوقاية”.
تشمل تعليمات السلامة التي تستهدف نحو 500 شخصاً من بينهم أطفال، المحافظة على مسافة التباعد الاجتماعي، متر واحد على الأقل، والتعقيم وارتداء القفازات والكمامات. 

العنف خلال كورونا  

يتعايش ذوو الاحتياجات الخاصة الذهنية مع تداعيات كوفيد19 سواء كانوا كباراً أو أطفالاً، ويمكن رؤية معاناتهم، في حين أن قسماً كبيراً منهم يبقون في المنازل يتجنبون الإختلاط، وفق مدير مركز سمارت الطبي.

بقاؤهم في البيت قد يكون عاملاً إيجابياً جنبهم التأثر بالمرض، والتأثر بعوامل أخرى، كالعنف مثلاً. بيد أنّ متخصصون بدؤوا بتسجيل مستويات عنف ضد هذه الشريحة خلال جائحة كورونا في سوريا.  وهو ما أظهرته نتائج استبيان أعدته مؤسسة “مستقبل سوريا الزاهر” المتخصصة بالصحة النفسية والدعم الاجتماعي والحماية، بهدف قياس مستويات العنف تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة، ومستويات حصول هذه الشريحة على المعلومات الكافية المتعلقة بمرض كوفيد 19 في سوريا.

كشف الاستبيان، بحسب الاستشاري محمد أبو هلال (44 عاماً)، المتخصص في الطب النفسي، أنّ 20% من المستطلعة آرائهم يعتقدون أن “هناك زيادة في العنف يمارس بحق ذوي الإعاقة خلال هذه الفترة، وأنّ 25% ممن أجابوا على الاستبيان يعتقدون أنّ ذوي الإعاقة لا يحصلون على المعلومات الكافية خلال المرض.”

يعلّق أبو هلال مفسّراً “لقد ازداد العنف بشكل عام بسبب زيادة الاحتكاك بين الناس طوال اليوم، وبسبب الجو الضاغط على الأهالي وعلى ذوي الإعاقات، وبالتالي انخفضت القدرة على تفهم سلوكياتهم”.

ليس هذا فحسب، إذ توضّح مذكّرة تتناول الجوانب النفسية والدعم النفسي الاجتماعي خلال مرحلة فيروس كورونا، صادرة عن IASC  -Inter Agency Standing committee أن هناك عوائقاً تواجه ذوي الاحتياجات الخاصة خلال كوفد 19، مثل تكلفة الرعاية الصحية التي تحد من الوصول إلى الخدمات، إضافة إلى الأحكام المسبقة والوصمة والتمييز ضد الأشخاص بما في ذلك الاعتقاد بأنهم لا يستطيعون المساهمة في الاستجابة لتفشي فيروس كورونا، وهو ما يترك عليهم وعلى مقدمي الرعاية ضغوط إضافية.

في سوريا، ترخي جائحة كورونا بثقلها على شعب منهك أصلاً، وتبدو الشرائح الأكثر هشاشة نماذج منسية من المعاناة السورية اليومية.

  • أنجز هذا التحقيق بإشراف الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية سراج. 
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
وصفت بأنها أسوء أزمة حقوقية منذ عقود في مصر، وكأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يريد ان يدخل التاريخ، لكنه لا يجد إلا الباب المفضي إلى الظلامية والقمع للدخول منه.
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني