fbpx

“نامي واحلمي أنك تأكلين”: يوميات الجوع من العراق إلى سوريا

حين فكرنا بمادة تجمع العراق وسوريا معاً بدا أن الجوع هو البوابة، العراقُ من الماضي وسوريا الآن، كيف يبدو شكل المجاعةِ الآتية إلى سوريا اعتماداً على الزمن الماضي الذي عاشه العراق في حصار قاس؟

كيف بدأت المجاعة عام 1991، اعتماداً على مشاهدات بسيطة ليوميات السوريين اليوم، أدركنا أن خلط الزمنين يحدث بالفعل وأن الأحداث تتنقلُ في أزمنة قريبة وبعيدة، ولا شيء منتهٍ في الحقيقة. 

شيئاً فشيئاً عرفنا أننا عالقون في ما يحدث وفي ما حدث، عالقون كإنسانيين وأن هذه البلاد تركت لنا إرثاً مريراً علينا التعامل معه بحذر، كيلا نتشوّه، أدركنا أننا متشابهون في مشاعرنا تجاه بلداننا بطريقة ما، ربما طريقة الأزمنة، الأحداث واللحظات الحاسمة، كان أحدنا يبدأ ليكمل الآخر، لم يكن هناك قطعٌ سوى بالزمن، الزمن الذي أوصلنا في النهاية إلى النقطة ذاتها، فأدركنا أن الجميع سيموت وحده، سيموت في وطنه. 

هنا محاولة فهم ليوميات الحصار عبر ربط مشاهد عراقية وسورية عاشها واختبرها الكاتبان. 

من صفوف الاعاشة خلال حصار العراق – 2001

1991-2003: المهانة

بصوته الحاد وهو يصرخ: “غاز… غاز… غاز…” وقرعه بالحديد على الحديد، وضجيج عربته الكبيرة، يعرف حيُّ 30 تموز في مدينة الرمادي العراقية أنَّ الغاز صار متوفراً في المحطة، وبإمكان العائلات الفقيرة دحرجة تلك الأسطوانات الفارغة في الشوارع من أجل استبدالها بأسطوانات أخرى، معبأة بالغاز.

كأنَّ الطريق للحصول على أسباب العيش يمر عبر بوابة الإذلال والمهانة، وهكذا كانت هذه عادة يومية طيلة عقد التسعينيات من القرن الماضي والسنوات الثلاثة الأولى من القرن الواحد والعشرين

كان “قدّوري” الولد الذي يعاني من عوق في رجليه، وخللٍ هرمونيٍّ جعله بديناً جداً، لدرجة أن الناظر إليه بالكاد يرى عينيه على هيئة ثقبين صغيرين في وجهه بسبب انتفاخ خديه، كان هو المبشِّر بمجيء الغاز إلى الأحياء السكنية التي يتجول فيها من أجل بيع أسطوانات الغاز مقابل هامش من الربح ضئيل جداً، لكنَّ معظم العائلات التي تتأرجح على خط الفقر لا تشتري منه الغاز، وتدفع بأبنائها للذهاب إلى المحطة، والانتظار في طابور طويل للحصول على أسطوانة غاز تعبر فيها أسبوعاً آخر من الحياة الرديئة.

أحياناً يصل الخبر قبل مجيء “قدّوري” الذي يظلُّ مرابطاً أمام محطة الغاز لساعات طويلة، أحدهم يلمح مرور شاحنة الغاز، بأقفاصها المميزة التي تشبه الزنازين الصغيرة، ثم يصرخ: “جاء الغاز” وهكذا من فمٍ إلى فمٍ ينتشر الخبر، فتتحول الشوارع إلى مهرجانٍ للضجيج، وماراثون مفتوح لمن يصل أولاً إلى المحطة، ويقف في بداية الطابور.

الطوابير أمام محطات الغاز في المدن العراقية كانت فصلاً مأساوياً آخر من فصول حكاية الحصار الطويل. فبسبب التزاحم وتراكم الأجساد وأسطوانات الغاز الفارغة التي غالباً ما تتسبب باندلاع معارك تنتهي عادةً بالدم، لجأ النظام إلى وضع قفص حديدي بطول يتجاوز الـ40 متراً أحياناً، وبعرض يساوي مترين أو أقل؛ لحصر الطابور وتنظيم الحشود الباحثة عن الغاز.

مشهد الناس وهم يدخلون إلى القفص للمرور إلى المحطة كان يشبه كثيراً مشاهد حبس “العبيد” في الأقفاص، وكأنَّ الطريق للحصول على أسباب العيش يمر عبر بوابة الإذلال والمهانة، وهكذا كانت هذه عادة يومية طيلة عقد التسعينيات من القرن الماضي والسنوات الثلاثة الأولى من القرن الواحد والعشرين، لكي تحصل على الغاز عليك أن تعاني، تماماً مثلما عليك أن تعاني للحصول على كل شيء يسند حياتك المتعبة في البلد المحاصر.

عائلة في شمال سوريا

منزلنا في السويداء

من سطح منزلنا في إحدى قرى السويداء، كانت تخرج سحابة سوداء عالية، نتيجة احتراق مواد غريبة تضعها والدتي في مدفئة الحطب، للحصول على الدفء في الأيام الباردة الطويلة، لم يكن عليها سوى فتح الخزائن والبحث عن الثياب القديمة وحقائب اليد المهترئة ودسّها في الموقد. الأحذية القديمة لم تسلم أيضاً، كانت أمي تؤكد بابتسامة راضية أن فردة حذاء أو “كندرة” لإحدى بناتها هي أفضل من إشعال شجرة كاملة، فالدفء الذي نحصل عليه يستمر لساعات والهواء يعصف في الخارج في ظل شحّ الوقود. لم تتحدث عن إحراق علب البلاستيك الفارغة والثياب على أنّه محاولة للتدفئة إنما كطريقة حديثة لتعزيل المنزل من الفائض والأشياء التي ما عدنا نستخدمها.

 الطابور البشري في الخارج، فكان يحوّل الأحلام إلى أكف تُفرك ببعضها وأنوفٍ تتجمد، الشتاء قاسٍ في هذه البلد كطابور الأشياء المحترقة.

كانت أمي ككلّ السوريات تعرف معنى انتظار الحصول على الوقود بأشكاله، والنساء خارجاً ما كنّ يختلفن عن أمي سوى بأن هناك من يستطيع الانتظار عوضاً عنهن. كنتُ أصادف تلك السيدة في كلّ مرة يمتد طابور أمام معتمد الغاز القريب من منزلي، كانت امرأة في الخمسين، تلبس الأسود وتلف شالها وتجرّ عربة طفل قديمة، تضع قنينتها الفارغة فيها، ما زال ذلك المنظر مدهشاً على رغم انتشاره في دمشق، فكثيرون يستخدمون عربات الأطفال في نقل حاجياتهم، لكن تلك السيدة كانت تتعامل بحنوٍ هشّ مع عربتها وكأنّ طفلها لا يزال فيها، وتتكئ أحياناً على المقود لشدّة تعبها.

من بعيد كنتَ تلمح عربات أطفال تنتظر في الصف الطويل، حيث استُبدِل صراخ الأطفال بقرقعة الأسطوانات والشتائم والهزيمة القاسية للحاجة، بعد وصول الغاز كانت السيدة تجرّ عربتها بصعوبة، مع أسطوانة مملوءة، يُفسِح لها المنتظرون الطريق، هناك أشياء تكبر في الانتظار، فحتى الطوابير لها طريقتها في تقديم الزمن المتسارع والبطيء في الوقت ذاته داخل عربة طفل مهترئة.

وبينما كان الناس ينتظرون في طوابير، كانت والدتي تصنع من الأشياء القديمة طابوراً أمام المدفئة المشتعلة وقطعة خلف أخرى كانت ترميها في النار هكذا حتى يتلاشى طابور الدفء شيئاً فشيئاً. أمّا الطابور البشري في الخارج، فكان يحوّل الأحلام إلى أكف تُفرك ببعضها وأنوفٍ تتجمد، الشتاء قاسٍ في هذه البلد كطابور الأشياء المحترقة.

صفوف توزيع طعام الاعاشة في العراق

2011-2020: عن الجوع والسعادات العابرة

يستشعر الأطفال الجوع قبل غيرهم وتغدو ملذّاتهم الصغيرة عصيّة على التحقيق، تطلبُ الصغيرة “مصاصة” وسط الدكانة، ترفض الأمّ فلا مال كافٍ، وتكتفي بشراء نصف كيلو من السكر، يقوم شاب واقف خلفها بتناول “مصاصة” من على الرفّ ومنحها للطفلة، ثم يدفع ثمنها، تشكره الأمّ بخجل، تسجل نصف كيلو السكر ديناً وتخرج.

قصّة الجوع ليست جديدة في سوريا ولا تتعلق بقانون قيصر وحسب، فعائلات كثيرة عانت من الحصار خلال الحرب وفقدان الطعام، تناولت بعض العائلات أوراق الأشجار في الغوطة الشرقية أثناء حصارها.

يردد رجل على التلفزيون الرسمي بعدما سألته المذيعة عن غلاء الأسعار بعدما أشار إلى محل بيع الدجاج: “أترين ذلك المحل وقطع الدجاج، منذ أربع سنوات لم أتذوقه أنا وعائلتي”، حتى قطط دمشق بدأت تشعر بالجوع، فالقمامة التي كانت تحوي الكثير من بقايا الأطعمة باتت اليوم شبه مفقودة والقطط لا تشمُّ رائحة تتبعها ثم تمزق الكيس لتتناول ما فيه. 

يخبرني سائق الأجرة عن سيدة صعدت هي وطفلتها في سيارته، وطلبت منه أن يوصلها إلى حي الميدان وسط العاصمة دمشق، هناك حيث مقرّ جمعية خيرية توزع حصصاً غذائية على العائلات الأكثر عوزاً، أخبرني أن طفلتها اشتكت الجوع، فوضعت رأسها على حضنها ورددت: “نامي واحلمي أنك تأكلين”.

بحسب الصليب الأحمر الدولي، فإن 9 ملايين سوري لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم المقبلة، ونصف السوريين لا يحصلون على غذاء كافٍ، أمّا برنامج الغذاء العالمي فقد أعلن أن 9.3 مليون سوري يعانون اليوم من انعدام الأمن الغذائي مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية 209 في المئة عن مثيلتها قبل 9 سنوات.

لم تكن هنالك سعادات دائمة أو حتى طويلة الأمد لنعيشها خلال فترة الحصار على العراق، السعادات كانت قصيرة وعابرة، وربما كانت أكثرها تأثيراً وعلوقاً بالذاكرة تلك السعادة التي ترافق مجيء العم شاكر من الأردن. كنا عندما نشاهد الشاحنة تستدير باتجاه الحي نخرج -نحن الأطفال- كأننا جراء صغيرة إلى الشارع، نرقص ونهتف: عمو شاكر جاء… عمو شاكر جاء.

كان العم شاكر يعمل سائقاً في شاحنة لنقل البضائع بين العراق والأردن، فحينها كان المنفذ الوحيد لدخول البضائع إلى العراق المحاصر هو الأردن وتحديداً ميناء العقبة، وفي مقابل ذلك كان العراق يصدِّر النفط إلى الأردن بأسعار تفضيلية، أو ربما تقترب من أن تكوناً بالمجان.

كبرت بما يكفي لأعرف عن طفولتي تلك من خلال التقارير الأممية والإحصاءات التي تصنفنا تحت مستوى خط الفقر، وصرت عندما أقرأ عن معدل التضخم الذي وصل خلال فترة الحصار إلى 24000 في المئة سنوياً، صرت أفهم عجز أبي عن شراء حقيبة مدرسية لي، وإعطائي حزاماً قديماً له لأحزم فيه كتبي، فقد كان راتبه الشهري 5000 دينار فقط (2.5 دولار).

عندما يرصف العم شاكر شاحنته الطويلة في الشارع وينزل من مقعد السائق، كان يمثل لنا بطلاً حقيقاً، بدشداشته التي عليها أثر الرحلة، ولحيته النابتة في وجهه وقد خالطها البياض، كنا نتسابق بحماسة نحوه؛ من يحتضنه أولاً.

ومثل كل مرة؛ يذهب العم شاكر إلى ثلاجة الشاحنة ونحن وراءه مثل سرب من الجراء الصغيرة، يُخرج ما ننتظره طويلاً: بسكويت توتو، وعلبة من حلوى “ناشد اخوان” يوزعها علينا ثم يدلف إلى بيته.

بالنسبة إلى أطفال مثلنا، يفطرون على الخبز والشاي فقط كل يوم، وثمن شراء علكة بالنسبة إلى عائلاتهم يمثل تحدياً كبيراً، وكذلك ثمن شراء أحذية البلاستيك، ويخدش الجوع أيامهم، كان العم شاكر سعادتنا الأهم التي تأتي كل أسبوعين أو ثلاثة مرة واحدة فقط.

كبرت بما يكفي لأعرف عن طفولتي تلك من خلال التقارير الأممية والإحصاءات التي تصنفنا تحت مستوى خط الفقر، وصرت عندما أقرأ عن معدل التضخم الذي وصل خلال فترة الحصار إلى 24000 في المئة سنوياً، صرت أفهم عجز أبي عن شراء حقيبة مدرسية لي، وإعطائي حزاماً قديماً له لأحزم فيه كتبي، فقد كان راتبه الشهري 5000 دينار فقط (2.5 دولار).

أن أنجو من كل مما مررت فيه، معجزة، فأنا كنتُ واحداً من الأطفال دون سن الخامسة الذين زاد الموت بينهم إلى الضعف، فمن 56 حالة وفاة لكل ألف خلال الفترة من 1984-1989 قفز الموت إلى 131 حالة وفاة لكل ألف في الفترة من 1994-1999، أما معدلات سوء التغذية بين الأطفال فقد تضاعفت من 12 إلى 23 في المئة بين عامي 1991-1996، بينما كانت 70 في المئة من النساء العراقيات (أمهاتنا) يعانين من الأنيميا.

1991-2020: خرائط النجوم

أكره العتمة، كنتُ في المطبخ عندما انقطعت الكهرباء ولم يكن هناك ضوء، تلمستُ الحائط بيدي، كان خشناً، مشيتُ على مهل وبدأت العتمة تمتصّ قلبي، شعرتُ أنّي قد أنفجر لشدة العتمة، وصلت في النهاية إلى هاتفي، أضأت الفلاش بسرعة وتنفست، شعرت كما لو أن أحداً غمس رأسي في الماء، أكره تلك الساعات الطويلة التي رافقها ضوء “الليد” الخافت. كان الليد (الدايود باعث الضوء) عبارة عن ضوء موصول ببطارية، تستخدمها كلّ العائلات تقريباً في سوريا، نشحنها عند قدوم الكهرباء، وكلما نقص شحن البطارية خفُتَ ضوء الليد، لم يكن يتلاشى تماماً لكن المنزل يبدو أشبه بقبرٍ مضاء، وهكذا لم تكن تتحمل البطارية دوماً الساعات الطويلة لغياب الكهرباء أو تتعطل وينتهي عمرها فنؤجل شراء واحدة جديدة بسبب الوضع المادي. أنزلت أمي فوانيس الكاز القديمة عن الرفوف، كانت تعرضها كتحف انتيكا، ملأتها كازاً وأشعلتها، أكره ذلك اللون الأصفر ورائحة الكاز المحترق في المنزل. حين تنقطع الكهرباء نتوقف عن الضحك، نهمد ونخاف، لا تتحمل كذلك بطارية الحاسوب المحمول ساعات القطع الطويلة، ينطفئ كلّ شيء رويداً رويداً، ويصبح الخارج مظلماً أكثر ومخيفاً، ينتشر اللصوص في القرى النائية ويعلو نباح الكلاب على أشياء تخاف منها كذلك.

وهكذا صارت لنا حكايا مع العتمة، أذكر يومها كان كوب القهوة عن يميني والشمعة عن يساري، الكهرباء مقطوعة، وأنا أكتب على الحاسوب المحمول في الوسط، مددت يدي اليسرى لأشرب القهوة، أمسكت بدل ذلك بالشمعة، قرّبتها لأشرب منها، ليس مهماً ما حدث بعد ذلك، كدتُ أشرب ضوء الشمعة.

اليوم ونحن ندخلُ بقدمنا اليمنى باب المجاعة الواسع، ونحن نلمح التعب والجوع على الوجوه، ندرك أن السوريين باتوا أكثر هشاشة، يفكرون بكلّ لقمة قبل تناولها، هل سيعيشون ما يعيشه اليمن والصومال اليوم؟ كلّ احتياج يجب أن يُسأل عن سعره قبل شرائه وغالباً يُسأل من دون أن تحصل عملية البيع.

وكلما رغب أحدهم بإجراء صفقةٍ لاستيراد البطاريات والليدات، احترقت محولة كهرباء هنا وهجم مسلحون على واحدة هناك، وكنّا نغرق أكثر في العتمة لكنني اعتدتها كما اعتدت أشياء كثيرة خلال هذه السنوات، كما اعتدنا الموت والخسارة والبرد. وفي يوم خرجت لأتنفس، كانت العتمة توشك أن تقتلني، لم أعلم أن القرى النائية وحين انقطاع الكهرباء صيفاً تبدو سماؤها ساحرة، ظهرت كلّ النجوم حتى أصغرها وأبعدها وبدا درب التبانة واضحاً كحلمٍ قريب، بعدها اعتدت أن أخرج في بعض الأمسيات وأراقب السماء، كانت العتمة حينها لا تعني شيئاً لأن السماء كانت قريبة وآمنة.

كنتُ صغيراً حينها، عندما كان أبي يقصُّ علينا حكايا النجوم، كانت كثيرة تلك الحكايا وجميلة، غير أنَّ أكثرها عُلوقاً بذاكرتي حكاية بنات نَعْش، كان يقصّها علينا كثيراً؛ لأننا ننامُ على سطح بيتنا الصغير كثيراً، ولأنَّنا فقراء ومحاصرون، كانت الزوايا -زوايا بيتنا- شديدة الحرارة ومظلمة، ونحن الفقراء، نخاف من الزوايا والظلام، فنصعد إلى السطح محمَّلين بالنعاسِ وبالتعب. كان أبي يقول لي: انظر إلى السماء يا ولدي، إنَّها تشبهنا كثيراً، بعيدة ووحيدة. كنتُ أرى النجومَ وخرائطَها وأشكالَها، منها ما كانَ على صورة عقرب، وبعضها على هيئة أفعى، وبعضها يشبه طائراً، أعطيته اسماً ثمَّ نسيته في ما بعد، وبينما كانَ أبي يواصل سردَ الحكاية، كنتُ أهوّم برأسي من شدّةِ النعاس، فيقول لي: نم يا ولدي، غداً عندما نصعدُ إلى السطح ثانيةً سأقصها عليك كاملةً وأُريكَ “مِسْحالَ الجَدْي”، ويقصد بذلك حزمة النجوم الكثيفة حين تحتشد في ليلة صيفية، وصافية كروح أُمّي التي تظلُّ واقفةً فوق أجسادنا المتثائبة، تهبنا الهواء برفَّةِ شالِها الأسود، حتّى تتلاشى الأشياء عن أنظارنا، سوى طيفِها المضيءِ الذي يشبهُ سديماً انبعاثياً، فنغرق في نومنا المشتهى، ويا لنوم الفقراء! كان أبي صادقاً بسرد الحكايا، حكايا النجوم، كان يؤمن بأنها تَقتلُ، ويؤمنُ أنها تَغدر، وتُحب، وتُهزم. كان يؤمن بأنَّها مثلنا تماماً، لكنَّه لم يكن يعلم أنَّها ماتتْ منذ زمن سحيق، لم يكن يعلم أنَّ بنات نَعْشٍ اللائي خطفنَ طفلَ سُهيلٍ متنَ كما مات الأبُ المغدور منذ أمدٍ بعيدٍ بعيد، لم يكن يعلم أنَّ سُهيلاً الذي يطلع كلَّ مساءٍ من أسفلِ السماء ليطمئنَّ إلى طفلِه مات، وأنَّ طفلَه مات أيضاً، لم يكن يعلم أنَّ الجَدْيَ الذي قَتَلَ نَعْشاً واتَّهمَ سُهيلاً بدمِهِ انفجر وآلَ إلى غبارٍ كوني. لكنَّ أبي كانَ صادقاً، وحزيناً، لأنَّ النجوم تشبهنا.

هكذا أتذكر تلك الأيام، الأيام التي تمرّ ساعاتها الطويلة بلا كهرباء، أشعر بها وأتذكر رائحة الوقت وأتحسس الأمكنة من خلال الحكايا، والأحاديث التي نعبر بها إلى نهار آخر طويل ورديء. أتذكر أيضاً أننا في تلك الليالي وعندما نكون على السطح ويحدث الخسوف، نخاف فكرة الظلام. ففي ثقافتنا الشعبية نحن أهل العراق، أن الحوت يأتي كل سنة لابتلاع القمر، وحتى لا نعيش في ظلام أبدي، علينا أن ندافع عن القمر، قمرنا الوحيد الذي يهبنا الضوء والأمل. ومن أجل ذلك نصعد بالقدور والملاعق وأدوات المطبخ إلى السطح، نضرب الحديد على الحديد ونهتف نحو السماء: “حوتة يا منحوتة، هدّي قمرنا العالي”، وهكذا يرتفع الصوت من السطوح إلى القمر، حتى يتراجع الحوت الأسود السماوي، ويترك القمر، وننتصر نحن، نحن الذين كسرتنا الهزائم الكثيرة، وأخرجنا الظلام من بيوتنا إلى السطوح.

2020: باب المجاعة الواسع

قبل سنتين أو أقل قليلاً، راسلني صديق قديم، درسنا المرحلة الابتدائية معاً، ثم عام 2000 انتقل كلٌ منا إلى مدرسة متوسطة مختلفة، قال لي إنه لا يزال يحتفظ بصورتنا الجماعية التي التقطناها في حديقة مدرسة الأبرار، فطلبت منه على الفور إرسالها لي فلم يتأخر بذلك. تطلبت بعض الوقت لأعرفني، لقد تغيرت كثيراً، وكبرتُ جداً، واشتقت لذلك الطفل الشقي.

حينها لم يكن باستطاعتي دفع ثمن الصورة، كان ثمنها 500 دينار عراقي (25 سنتاً) وهذ المبلغ يساوي 10 في المئة من راتب الموظف العادي، وهو رقم كبير بالنسبة إلى العائلات العراقية التي سقطت في هوة الفقر عندما انهار العراق، وفُرض عليه الحصار، لذا كنت أكتفي بالوقوف مع التلاميذ لألتقط الصورة، ثم لا أضع اسمي في قائمة الذين يريدون نسخة منها، وهكذا غابت ملامحي ونسيتها طيلة تلك السنين.

الفقر كان سمة جماعية، الأغنياء نادرون جداً في الحيّ الواحد، ما زلت أتذكر الشارع الذي كنا نسكن فيه أيام الحصار، كنا نسميه شارع الأرامل، حيث في كلَّ بيت من البيوت السبعة المتجاورة أرملة، فقدت زوجها في الحرب العراقية- الإيرانية، كنَّ يصنعن الخبز للآخرين، أو يعملن في شؤون منزلية كالخياطة، مقابل بعض المال القليل.

بينما كان الموت وحده ينمو ويزدهر؛ كان كل شيء يتداعى في العراق، والإنسان كان يُسحق بمجنزرة الحصار ببطء طيلة 13 سنة. لقد مات أكثر من مليون ونصف المليون إنسان بسبب الجوع وسوء التغذية وتفشي الأمراض المعدية وانهيار النظام الصحي، بينهم 500 ألف طفل، والبُنى التحتية أصابها الشلل والإهمال، واختفت الطبقة المتوسطة من النسيج المجتمعي العراقي، وكان أصحاب الشهادات العليا والموظفون في الدولة يزاحمون العمالة في الشوارع، فلا غرابة حين تمشي في شوارع العراق وترى معلماً أو مهندساً يجلس على الرصيف لبيع السجائر أو الأحذية أو الملابس المستعلمة، أو أيَّ شيء آخر يوفر له بعض المال.

تحوّل العراق إلى مقبرة جماعية كبيرة خلال الحصار، وشهد في تلك الفترة أكبر هجرة جماعية للعقول، 23 ألف باحث وعالم وصاحب شهادة عليا غادروا العراق إلى المنفى، لينضموا إلى 2.5 مليون عراقي آخرين فروا من جحيم الفقر وديكتاتورية نظام صدام حسين، ومثلما قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، فقد عاد العراق إلى حقبة ما قبل الصناعة.

اليوم ونحن ندخلُ بقدمنا اليمنى باب المجاعة الواسع، ونحن نلمح التعب والجوع على الوجوه، ندرك أن السوريين باتوا أكثر هشاشة، يفكرون بكلّ لقمة قبل تناولها، هل سيعيشون ما يعيشه اليمن والصومال اليوم؟ كلّ احتياج يجب أن يُسأل عن سعره قبل شرائه وغالباً يُسأل من دون أن تحصل عملية البيع. يدخل رجلٌ رث الهيئة إلى الصيدلية، يسأل عن أرخص حفاضات للأطفال، فيقول له البائع كلّها تقريباً بالسعر ذاته، لكن الحجم يختلف، لا يسأل حتى عن السعر، يدير ظهره ويرحل، كان يريد الأرخص وحسب، فكرتُ إن لم يملك الحفاضات، ماذا سيفعل، هل ستصنع الأم حفاضات من القماش؟ في المدينة ذاتها في الجنوب السوري، يمشي رجل عجوز حافي القدمين بهيئة مكسورة تمرّ مسرعة بجانبه سيارة رانج روفر، سيارة أخشى حتى تخيل أن أمتلكها يوماً، يدير العجوز رأسه مراقباً السيارة المبتعدة ويمضي مجدداً.

لا يخدعك إن قالوا لك بالتدبير تستطيع عيش حياة كريمة، في سوريا التدبير يعني الجوع حتماً، الأم الوحيدة تصنع “كوسا محشي” لكن عدد أفراد العائلة كبير، لذلك وقبل أن تضع الطبق تُخرِج المرقة وتفتت الخبز فيها، يأكل الجميع من الصينية وحين يوشكون على الشبع، تجلب الأمّ حبات الكوسا المحشية بالأرز، هكذا يشبع الأطفال من “الكوسا المحشي”، من دون أن يلتهمونها دفعة واحدة. الخوف يدفع العائلات إلى زيادة التقشف؛ فهناك شائعات عن نيّة الحكومة رفع الدعم الحكومي عن المواد الأساسية، سيجرون إحصاء، بحسب ما تملكه من سيارة وبحسب فواتير الهواتف الثابتة والمحمولة، ويقولون بحسب نوع هاتفك المحمول، كلّ هذا سيحدد مستواك الاقتصادي، هكذا ستصل المواد المدعومة إلى المستحقين مع العلم أن 82 في المئة من الشعب السوري تحت خط الفقر! تردد جارتي مازحة، لنخفي “الكبّة” التي صنعناها اليوم، قد يرفعون الدعم عنا إن علموا أننا قادرون على تناول الكبة! 

بمرتبها الذي يبلغ 45 ألف ليرة سورية أي أقل من 20 دولاراً تذهب إلى المتجر، تنظر بحيرة، تشتري من كلّ صنف تحتاجه بقوة القليل، القليل من الجبن، القليل من الزعتر، علبة فول واحدة، أصغر علبة سائل جلي، ثم تحتار، قالت لي كدت أقول للبائع، ألا يوجد قليلٌ من الزيت يعني ملعقتين أو ثلاث؟ عبوة الليتر غالية جداً وأنا أريد القليل فقط. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
لماذا لم يتمّ العثور على حلٍّ للصراع بعد مضيّ ثلاثة عقود من اندلاعه؟ لماذا فشلت الدولتان الجارتان في إيجاد حلّ من خلال الحوار؟

3:05

3:05

2:57

2:57
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني