fbpx

سوريا: المعارضة “اللاطائفية” بوصفها طائفية معاكسة…

بعض الإعلام المعارض وبعض الشخصيات، استثمروا بفقر المظلومية السنية، بالمعنى السياسي، وعمدوا إلى تفسير كل حادثة انطلاقاً منها. ما جعلها مادة لنشر الكراهية، بدل أن تكون مشكلة تستوجب وضع حلول في السياسة، وتستدعي النظر في شكل نظام الحكم في البلاد.

تستكمل قناة تلفزيونية سورية معارضة، في تقرير لها حول الأقليات في هياكل المعارضة، مساراً إعلامياً، من التركيز على الجانب الطائفي، لما يحدث في سوريا، وإهمال الجوانب الأخرى، وجعلها نتائج لقراءة أحادية لا تدرك الشرط التاريخي، وتحيله إلى مؤامرات متواصلة ضد الأكثرية. المعارضون العلويون والمسيحيون والأكراد، تبعاً للتقرير، هدفهم تخريب المعارضة، ولعب دور يشبه ذاك الذي لعبه الضباط من أبناء الأقليات خلال الستينات، وصولاً إلى السبعينات، حيث سيطر عسكر الأرياف على السلطة. 

والمقارنة هذه، تسقط عمداً، الظروف والسياقات، التي حكمت تجربة الطرفين (وهم أبناء الأقليات في المعارضة وأبناء الأقليات الانقلابيون) لتصبح قابلة بالمعنى الشعبوي والإجتزائي، للتحول إلى مادة تحريضية تعبوية، وطاردة لعدد من الجماعات، من أي مقترح لسوريا المستقبلية. والتقرير وسياسة القناة، هما جزء من مناخ أوسع، يتمثل في وعي “سنّي” معارض، ينطلق من مظلومية الأكثرية ويحيلها معياراً تفسيرياً لا يقبل التعدد. جذور هذا الوعي يمكن تلمسه في مجازر الثمانينات، وما سبقها من إضعاف للسنّة في السياسة، لكنه تبلور بشكل منتظم مع قمع الثورة من قبل النظام، وما شابه من تلابس مع تكوينات أهلية مرتابة ببعضها بعضاً. ما يعني أن مظلومية السنّة في سوريا لم تُصَغ، ضمن حلول سياسية تلحظ طبيعة العلاقة التاريخية السيئة مع الأقليات، ولجوء الأخيرة إلى العسكر توسلاً لسلطة انتهت عند عائلة تحظى بدعم جماعة وصمت وقبول شرائح في جماعات أخرى. 

بين أكثرية تنظر لنفسها كأمة بوعي متبدل وتعاني من مظلومية، وأقليات تنظر لنفسها من خلال أيديولوجيات أفلست تاريخياً وتعاني من مظلومية، بقيت المظلوميات من دون ترجمة سياسية.

عدم التفكير بالمظلومية كنتيجة لصراع الجماعات، جعلها نهباً للتحريض وحوّلها مسرحاً للتعبير عن الغرائز، من دون أن يعود ذلك بالنفع على السنّة أنفسهم. وبعض الإعلام المعارض وبعض الشخصيات، استثمروا بفقر المظلومية السنية، بالمعنى السياسي، وعمدوا إلى تفسير كل حادثة انطلاقاً منها. ما جعلها مادة لنشر الكراهية، بدل أن تكون مشكلة تستوجب وضع حلول في السياسة، وتستدعي النظر في شكل نظام الحكم في البلاد.

وتَحوُّل الوعي السنّي العام إلى مظلومية مفرّغة من السياسة، يصحبه غالباً تمسك بفكرة الأمة المتمظهر في حقبة الراديكالية العربية، وحدة وقومية وعروبة، أي أن السنّة مظلومون كأي أقلية، لكنهم بفعل وعيهم الأكثري لا يمدّون هذه المظلومية بأي جرعة سياسة. والمفارقة هنا، أن الأقليات اتبعت في مسار تغلبها على الأكثرية بعضاً من خطاب الأخيرة، بحيث باتت المظلومية مختلطة بوعي المظلوم، وهو، على الأرجح، ما يشكل العائق الأبرز، لتحولها من التحريض إلى السياسة، ومن الغرائر إلى البحث في صياغات الحكم.

والتمسك بالمظلومية بوصفها سرديات تاريخية معطوفة على ما يغذيها من حوادث ومجازر تجاورت مع الثورة وشكلت مساراً لصراع أهلي عنيف، ينسحب على بقية الجماعات وليس على الأكثرية السنية فقط. وإذا كانت الأخيرة حملت وما زالت، وعياً يحول دون تحوّل أوجاعها إلى سياسة، فإن أبناء الأقليات كانت لهم حصة في هذا الوعي. فالأيديولوجيات الشيوعية والقومية السورية والبعثية التي كانت البيئات الخصبة لصعود أبناء الأقليات وتبلور وعيهم السياسي، أسست بسبب فشلها، لعلاقة معطوبة بين الأقليات وإمكان التعبير عن نفسها في السياسة.

وبين أكثرية تنظر لنفسها كأمة بوعي متبدل وتعاني من مظلومية، وأقليات تنظر لنفسها من خلال أيديولوجيات أفلست تاريخياً وتعاني من مظلومية، بقيت المظلوميات من دون ترجمة سياسية. ما يكشف عن فقر في التفكير بالطائفية نفسها في سوريا عبر الهروب إلى ما يتعداها أو يسبقها من أفكار وعوالم ذهنية.

والفقر هذا، جعل الطائفية تمتزج مع بقية محركات الصراع السوري، من دون أن تكون محددة وواضحة التأثير. فبات القائلون بوجود الطائفية، والذين ينفون وجودها، كلاهما على صواب، انطلاقاً من الغموض والضبابية الناتجان عن إهمال هذه المسألة فكرياً وسياسياً، وهو ما مهّد لجعلها أداة تحريض وبث كراهية لدى بعض الإعلام وبعض الشخصيات المعارضة.

وبالتالي، التفكير بالطائفية، سينعكس إيجاباً من خلال أمرين، الأول: تحديد تأثيرها، وتحديد دورها في الصراع، بدل أن تظل مضخمة أو معياراً أحادياً مطلقاً، والثاني: أن الجماعات ستعبّر عن مظلوميتها عبر البحث في نظام حكم يكفل حقوقها، وليس عبر اللجوء إلى التحريض والتعبئة ضد بعضها بعضاً.

وعلى الأرجح، فإن من يرفض التفكير في الطائفية، انطلاقاً من أنها مسألة مصطنعة وخلقها النظام، هو وجه آخر للتحريض الطائفي، مع فارق أن خطابه المظلوماتي مغلّف بكلام عن الوطنية ووحدة البلاد وانسجام أهلها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
خطابه اليوم كان حلقة في مسلسل الخطب التي بدأها في 17 تشرين، لكنه جاء هذه المرة مخضباً بانفجارٍ بحجم قنبلة نووية. الانفجار أكبر بكثير من أن يُصد بخطاب من هذا النوع.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني