fbpx

“نقطة أفاضت الكَأس”:الحجر الصحيّ وتزايد حالات الانتحار في المغرب

"عوامل الانتحار تتداخل وتتكدس وتتراكم، وتتعقد إلى أن تجعل ذاك الانسان المنتحر لم يعد يدرك تماماً تلك المشكلات التي كان يشكو منها سواء كانت الفقر، أو الضائقة الاجتماعية، أو المرض، أو الإفلاس، أو أي سبب من الأسباب".
رسالة الانتحار التي تركها مواطن في مدينة فاس

“أنا كنموت بالجوع، مَكَايْنْش (لا يوجد) الدعم، والسلطات كذابين ومنافقين”. 

بخطٍ معوج ومُلتوٍ، وبلغة دارجة مغربية تشوبها أخطاء لغوية، عَبر رجل خمسيني عن استيائه من وضعه المعيشي، تاركاً وراءه هذه الرسالة، قبل انتحاره في مدينة فاس، مكتوبة على ورق مقوى مهترئ، ومرشوشة بقليل من الدم. بجانبها أشياؤه البسيطة: دفتر، علبة حديدية عتيقة، وعلم المغرب يعتلي الرسالة. 

ظروف المنتحر لم تكن هينة، إذ كان يعيش على الكفاف، من خلال عمله مياوماً في الزليج. بدخل مادي لا يتجاوز الـ100 درهم (نحو 10 دولارات) في اليوم الواحد، تكفيه بالكاد لتأمين أساسيات المعيشة. لكن وضعه الاقتصادي ازداد سوءاً بعد تعليق نشاطات أعمال البناء منذ إقرار الحجر الصحي في البلد. 

“انتحر حفاظاً على كرامته وعزة نفسه التي عاش من أجلها طول حياته”، يقول ابن اخت المنتحر. 

وسائل إعلام محلية ذكرت أن المنتحر طلب الدعم الحكومي نظراً إلى صعوبة وضعه المعيشي والاقتصادي، لكن طلبه رُفض في المرة الأولى، ولم تشفع محاولاته المتكررة، وهو ما جعله يحس باليأس والإحباط. 

بيد أن الصورة المتداولة على السوشال ميديا للرجل الخمسيني تثير شكوكاً لدى البعض. إذ تبدو وكأنها معدة سلفاً من شخص ما، لتكسب القضية اهتمام المغاربة وتضامنهم، فكيف للمنتحر أن يخط رسالته وهو أمّيّ، كما تؤكد مصادر صحافية محلية؟

السلطات نفت جملة وتفصيلاً ما راج في رواية العائلة، وأكدت أن المنتحر لم يترك وراءه أي رسالة، ولم يتقدم بأي طلب للاستفادة من الدعم المخصص للأسر المتضررة من فايروس “كورونا”. وشددت على أن المعطيات “غير صحيحة”، إذ تم ترويجها بشكل “تضليلي”، ودليلها على ذلك، هو معاينتها عين المكان الذي لم تجد فيه أي رسالة كتلك التي انتشرت على السوشال ميديا. 

 لا ينكر الشعباني دور الحجر الصحي كـ”نقطة أفاضت كأس” الانتحار باعتباره عاملاً مساعداً، ومثيراً ومؤثراً للحالات المنتحرة مؤخراً. 

وبغض النظر عن تفاصيل قصة هذا الرجل الخمسيني، وما يكتنفها من غموض. إلا أنه من المرجح أن يكون العامل المعيشي والاقتصادي سبباً في انتحاره، على رغم أنه ليس دافعاً محورياً، وإنما جزء من عوامل متشعبة ومركبة ومعقدة. 

قصة المنتحر صاحب رسالة “كنموت بالجوع”، ليست وحدها المسجلة في المغرب خلال جائحة “كوفيد 19″، بل شهد البلد سلسلة حالات انتحار خلال هذه الفترة. إذ ضجت المواقع الإخبارية والصحف المغربية بأخبار شبه يومية عمن قرروا انهاء مأساتهم بالموت. وهو أمر يطرح مسألة ارتباط هذه الحالات بقرارات فرض الحجر الصحي والإغلاق شبه التام للانشطة الاقتصادية والمهنية لأزيد من شهرين متتابعين. خطوة على رغم أهميتها في درء انتشار فايروس كوفيد 19 وتقليله، إلا أنها حملت آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية قاسية على فئات واسعة من محدودي ومتوسطي الدخل، وصلت إلى حد الانتحار. 

“مول السودور” الأول، وليس الأخير… 

كان”مول السودور” (اللَّحَام) أول المنتحرين خلال شهر آذار/ مارس بسبب تداعيات كورونا المستجد. قصة ابن مدينة الجديدة (غرب المغرب) لا تخلو من أزمات. فالرجل لم يكن في منأى عن مشكلات نفسية وعائلية تخصه، لكن الدافع المحرك لانتحاره بحسب ما يرويه أقرباؤه يكمن في تأزم وضعه المعيشي والاقتصادي، بعدما أغلقت السلطات المحلية محله التجاري البسيط، تنفيذا لمقتضيات الطوارئ الصحية التي تمنع التجمعات والتقليل من الأنشطة التجارية درءاً لانتشار فايروس “كوفيد 19”. 

ووفق المصادر الصحفية المحلية، فالمنتحر برر خطوته تلك، بسبب تزايد الضائقة المالية وعجزه عن توفير أدنى الحاجيات الضرورية للأسرة، لذلك “فضل الموت بكرامته على أن يجد نفسه متسولاً”، كما أنه رأى أن الموت قائم أصلاً ويحاصره، ما دام الفايروس يفتك آنذاك بمغاربة كثيرين. 

حالة أخرى مشابهة نسبياً للقصتين السابقتين (الرجل الخمسيني ومول السودور)، إذ أنهى رجل شريط حياته شنقاً بالحبل في أحد المقاهي التي كان يعمل فيها نادلاً في مدينة طنجة، وترجح مصادر صحافية أن دافع انتحاره هو تأزم أوضاعه المالية. 

ظاهرة الانتحار شملت أيضاً منطقة اشتوكة ايت باها (جنوب غربي المغرب)، التي يطغى عليها الطابع القروي والمديني الهجين. إذ شنق رجل خمسيني نفسه بواسطة حبل علقه على جذع شجرة. بيد أن أسباب انتحاره ظلت غامضة، في حين يؤكد مقرّبون منه أن الدافع الأساسي يكمن في ضيق حاله المادي والمعيشي. 

بدوره قام فلاح أربعيني، في أحد قرى منطقة سيدي بنور (غرب المغرب) بإنهاء حياته في مكان غير بعيد عن بيته داخل إسطبل للمواشي، ويعزى سبب انتحاره وفق مصادر صحافية إلى ضيق حاله المالي واشتداده. 

شفشاون… الأولى في المغرب

مدينة شفشاون المعروفة بهدوئها وطبيعتها الهانئة، وجدرانها الزرق التي توحي بالسكينة، لم تسلم من تنامي ظاهرة الانتحار، لا قبل تداعيات “كورونا” ولا بعدها. وعلى رغم أنها لم تسجل أي إصابة منذ بداية الجائحة. إلا أنها امتثلت لقرارات الحكومة بفرض الحجر والطوارئ الصحيين لأكثر من شهرين متتاليين. 

القصص كثيرة، والدوافع متعددة ومركبة، باختلاف خلفياتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية. لعل أبرز هذه الحالات، انتحار سيدة خلال هذا الشهر، إذ وُجِدَت مشنوقة بحبل على جذع شجرة قرب بيتها، وتعود دوافع انتحارها إلى مشكلات عائلية أثرت في حالتها النفسية. 

أما الشباب المعروف بحبه الحياة وشغفه بها، فلم يسلم -هو الآخر- من تسلل الأفكار الانتحارية إلى كيانه. والمثال هنا من المنطقة ذاتها. شابان عشرينيان يعيشان في مناطق قروية، يقدمان على شنق نفسيهما في عز فرحة عيد الفطر. لا تفاصيل كثيرة عن دوافع انتحارهما، فقط ما يتم تداوله إعلامياً أن الأول ينتمي إلى أسرة محافظة، وحالته غامضة بحكم أنه “لم تظهر عليه أية أعراض لمرض نفسي”. أما الثاني، فاشتدت به الاضطرابات النفسية ليستسلم لها في نهاية المطاف. 

وتصنف شفشاون في المرتبة الأولى مغربياً من حيث حالات الانتحار، برقم يصل إلى 50 حالة انتحار سنوياً، وفق ما أكّده محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان لـ”درج”. في حين سجلت المنطقة منذ إقرار الحجر الصحي خلال منتصف آذار/ مارس إلى حدود 13 حزيران/ يونيو، 10 وفيات نتيجة الانتحار. 90 في المئة من الحالات حصلت في المناطق القروية الجبلية، معظمها بواسطة الشنق بحبل على جذوع الأشجار. 

“ظاهرة الانتحار في إقليم شفشاون تؤرق منذ مدة الرأي العام في المنطقة من دون أن تلقى اهتماماً من المؤسسات الرسمية” يقول بن عيسى. 

ويضيف: “نستغرب صمت الفاعلين المتعددين، وعلى رأسهم وزارة الصحة، ما دام الأمر يتعلق بصحة الإنسان النفسية”.

يربط بن عيسى تنامي الانتحار في منطقة شفشاون بتأثير الجانب الاقتصادي والمعيشي في أحوال السكّان، الذين كانوا يعتمدون على تجارة القنب الهندي منذ أكثر من ثلاثة عقود، لكن أوضاعهم الاقتصادية تأزمت على نحو غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، بعدما تراجعت عائدات هذه المادة المحظورة. 

يكمل بن عيسى: “هذا كله حصل من دون أن تعمل الدولة على البحث عن فرص حقيقية لتنمية المنطقة، بعدما استعملت ورقة القنب الهندي لسنوات كورقة لضبط المنطقة”. 

 22 منتحراً خلال شهرٍ واحدٍ

عدد المنتحرين الذكور تجاوز العدد عند الإناث خلال شهر واحد من إقرار الحجر الصحي. هذا ما أكدته دراسة أعدها الباحث في علم الاجتماع، يونس الجزولي، بتعداد يصل إلى 18 منتحراً من الذكور (81.81 في المئة) مقابل 4 منتحرات (18.18 في المئة). وسجل عدد المنتحرات تزايداً قياساً مقارنة بالذكور عام 2016، وبلغ عدد الإناث 613 حالة مقابل 400 حالة من الذكور، بإجمالي وصل إلى 1013 حالة انتحار. (إحصاءات منظمة الصحة العالمية). 

الدراسة التي أشرف عليها المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية، أحصت تعداد المنتحرين بـ22 حالة خلال شهر واحد، بدءاً من 20 آذار إلى 20 نيسان/ أبريل. وأكدت أن تعداد المنتحرين سجل ارتفاعاً منذ أواخر آذار الماضي ليصل إلى ذروته في شهر نيسان، وذهب معد الدراسة (الجزولي) إلى استنتاج مفاده أنه “كلما تقدمنا في أيام الحجر الصحي ازداد عدد المنتحرين”.

ولاحظ “درج” أن السواد الأعظم من المنتحرين يمتهنون أعمالاً بسيطة، كما أن إقرار الحجر الصحي تسبب في بطالتهم، وتأزم أوضاعهم المعيشية والاقتصادية، ما زاد من ضغوطاتهم وسوء حالاتهم النفسية التي عززت فرص انتحارهم. 

وبيّن مصدر بحثي لـ”درج” أن حالات الانتحار كانت على نحو متقارب بين الوسطين المديني والقروي، كما أن الوسيلة الأكثر استعمالاً سواء في الوسط القروي أو المديني هي الشنق بـ19 حالة، أي بمعدل 86. 36 في المئة، مقابل 3 حالات فضلت الارتماء من طابق المنازل، أي بنسبة 13. 63 في المئة. 

وتم تفسير استعمال الشنق أكثر من غيره في الانتحار بـ”سهولة هذه الأداة ونجاعتها”، وسجل غياب أدوات أخرى كانت تستخدم قبل الحجر مثل سم الفئران والمبيدات الحشرية. ورجح سبب ذلك إلى “الحصار المضروب على حركة الناس، وإغلاق جل المحلات التجارية التي تبيع هذه المنتوجات”. 

“نقطة أفاضت الكأس” 

يرى باحثون أن الانتحار كحالة فردية أو حتى كظاهرة يسجلها مجتمع ما، تبقى معقدة ولا يمكن حصرها في عامل أو سبب واحد. 

يتفق علي الشعباني، أستاذ علم الاجتماع، مع هذا الطرح، ويرى أن عوامل الانتحار متشعبة. 

يقول لـ”درج”: “عوامل الانتحار تتداخل وتتكدس وتتراكم، وتكبر تلك المشاكل وتتعقد إلى أن تجعل ذاك الانسان المنتحر لم يعد يدرك تماماً تلك المشكلات التي كان يشكو منها سواء كانت الفقر، أو الضائقة الاجتماعية، أو المرض، أو الإفلاس، أو أي سبب من الأسباب”.

في المقابل، لا ينكر الشعباني دور الحجر الصحي كـ”نقطة أفاضت كأس” الانتحار باعتباره عاملاً مساعداً، ومثيراً ومؤثراً للحالات المنتحرة مؤخراً. 

في هذه النقطة، يوضح الشعباني لـ”درج”: “الحجر الصحي عامل مساعد، يضاف إلى هشاشة شخصية المنتحر، وانعدام الحصانات الاجتماعية وغيرها. أو يقدم شخص على الانتحار بسبب الظروف الاقتصادية وغيرها من العوامل، وتجعل ذلك الانسان ينظر بعين سوداء إلى آفاقه”.

ويرفض الشعباني إسقاط حالة المنتحر في مدينة فاس، حامل رسالة “كنموت بالجوع” على كل الحالات المنتحرة في المغرب مهما كان التشابه قائماً. 

“لا يمكن أن نأخذ حالة هذا الشخص نموذجاً لنعممه على المنتحرين المغاربة. لأن هذا الشخص لم يسبق أن درسناه، حتى نعرف العوامل الأخرى التي تضافرت، ليقدم على قتل نفسه”، يختم الشعباني. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
لماذا لم يتمّ العثور على حلٍّ للصراع بعد مضيّ ثلاثة عقود من اندلاعه؟ لماذا فشلت الدولتان الجارتان في إيجاد حلّ من خلال الحوار؟

3:05

3:05

2:57

2:57
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني