fbpx

“لم يقتلني منصوري لكنه تسبب بمقتل المئات” : عن القاضي الايراني الذي اغتيل في رومانيا

أنا وابنتي نعيش على بعد آلاف الأميال من إيران، نعيش معاً بفرح وحرية، أما منصوري فعلى بعد آلاف الأميال من إيران، يموت وحده بكثير من البؤس والذل، هذا لا يعني أنني راضية بنهايته بهذه الطريقة، كنت أود لو أنه خضع لمحاكمة عادلة، وكنت أنا أحد الشهود فيها.

يوم الجمعة في 19 حزيران/يونيو الحالي، عثرت الشرطة الرومانية على القاضي الإيراني غلام رضا منصوري، جثة هامدة على رصيف الفندق الذي يقطنه في العاصمة بوخارست، وبوشرت التحقيقات بشأن مقتله، لتبيان ما إذا كان  قد أقدم على الانتحار بإلقاء نفسه من نافذة غرفته، أم أن “مجهولا” أجبره على فعل ذلك.

الشبهات تدور حول تورط جهاز أمن إيراني بتصفيته، استباقياً، بعدما أثار سفره إلى ألمانيا بداية، ثم انتقاله إلى رومانيا مؤخراً، عاصفة من الشكاوى والدعاوى الرسمية، من قبل منظمة “مراسلون بلا حدود”، معهد الصحافة الدولية في فيينا، إضافة إلى معارضين منفيين وسجناء سابقين إيرانيين – أدت إلى استجوابه في محكمة رومانية – وفتحت الباب على مساءلته ومحاكمته كأحد رموز النظام الإسلامي، بارتكاب جرائم تعذيب وانتهاك حقوق الإنسان وقمع حريات بحق صحافيين وناشطين سياسيين ومدنيين في إيران.

غلام رضا منصوري

منصوري المعروف بالقاضي “الفاسد”، حصل على ما قيمته 500 ألف يورو، من الرشاوى فقط، رغم نفيه هذه التهمة مراراً، وهو معروف أيضا بالقاضي الظالم، فقد استغل منصبه، للتشفي من كل صحافي ينتقد النظام، ففي العام 2013، أصدر أمر “الاعتقال الجماعي” بحق صحافيين معارضين وزجهم في السجون، إضافة إلى اعتداءاته المتكررة على حرية الصحافة، كحظر صحيفة “شرق” المعارضة في العام 2012 وسجن مدير تحريرها، ولم ينفِ هذه التهم أبداً.

انتهى منصوري في بوخارست، كما ينتهي ظالمون عادة، ونهايته كانت بداية حياة جديدة لإحدى ضحاياه، الناشطة النسوية اللاجئة في تركيا أعظم جنكروي، التي كانت واحدة من “فتيات شارع الثورة”، اللواتي تحدين النظام الإسلامي، بخلع حجابهن في الأماكن العامة، وقد رميت في سجن “إوين” بظروف غير إنسانية، ثم تمكنت بعد انقضاء محكوميتها، من الهرب عبر الحدود نحو تركيا.

موقع “راديو فردا” أجرى مقابلة مع أعظم، بعد انتشار خبر تصفية منصوري، فروت بعض تفاصيل محنتها الإنسانية في الاعتقال والمحاكمة والسجن ثم الفرار، فقالت: 

“أول مرة رأيت فيها القاضي منصوري كان يوم الأحد في 18 شباط/فبراير من العام 2017، كان حينها يشغل منصب معاون محكمة طهران، وكان رئيس محكمة الإرشاد ويملك نفوذاً واسعا في القضاء، كان قد مضى على اعتقالي أربعة أيام، وكان جرمي الظهور سافرة على أحد الأرصفة في طهران، يومها اقتفيت أثر ويدا موحد ونرجس حسيني، وقررت الاعتراض على الحجاب الإلزامي، على طريقتهما. 

 لم يفرحني خبر موته، لم يشفني، تحقيق العدالة هو الخبر المفرح، هو الشفاء، وهو قريب بلا ريب

ألقوني بعد الاعتقال في زنزانة انفرادية، كان من المفروض أن أبقى فيها يومين فقط، لكنهم تعمدوا إبقائي أربعة أيام، وقبل أن يأخذوني إلى محكمة الإرشاد لمقابلة منصوري، طلب مني المحقق أن أوقع على استجواب خطي، يتضمن اعترافي بأني جاسوسة وعملية لإسرائيل والولايات المتحدة، وأني نادمة على هذا الفعل، لكني رفضت، قيدوني مجددا ونصحوني في الأثناء، ألا أتحدى منصوري بأجوبتي، لأنه إذا غضب يرسلني فورا إلى سجن “قرجك” السيئ الصيت.

تركوني وحدي في مكتبه، وجدت كرسياً فجلست عليه، بعد بضع دقائق، دخل حضرته مستعجلاً، مكشرا وصرخ غاضباً من جلوسي على الكرسي وأمرني بالوقوف، اقترب مني ونظر إلى عيني مباشرة وتفوه بكلام بذيء، وبطريقة مقززة، واتهمني بالفساد والانحلال الأخلاقي وبالمرض النفسي، وتوعدني بإنه سوف يسلبني حياتي ويأخذ مني كل شيء، وفعلا، بعد خروجي من السجن، وجدت أن رخصة القيادة خاصتي قد ألغيت بأمر منه، كما طردت من عملي ومنعت من إكمال صفوفي الجامعية أيضاً، تنفيذا لأوامره.

أعظم جنكروي وابنتها

أما المحنة الكبرى التي تسبب لي بها، فهي إسقاطه حقي بحضانة ابنتي، بادعاء أني مريضة نفسياً، مما يؤثر على تربيتها وصحتها النفسية. كنت قد حصلت على طلاق غيابي قبل دخولي السجن، ومعه حكم شرعي يسمح لي بإبقاء ابنتي في حضانتي، لكن منصوري أسقط كل هذه الأحكام بجرة قلم، وطلب عقد محاكمتين لي، الأولى أمر فيها بسجني لمدة عام واحد، بتهمة اعتراضي على الحجاب الإسلامي، وظهوري سافرة في مكان عام، والثانية لإثبات عدم أهليتي لحضانة ابنتي، إضافة إلى أنه اعتبر طلاقي غير قانوني، فأبطله أولا، ثم أعاد ابنتي إلى حضانة والدها. 

بعد خروجي من السجن، أمضيت وأهلي شهراً بأكمله نبحث عن أوراق طلاقي في محكمة طهران، كان الجواب أن كل المستندات قد ضاعت ولا أحد يعرف كيف، وأن طلاقي غير منفذ، وبالتالي لا أعتبر مطلقة، وعلي العودة إلى طاعة زوجي، كل هذا الضغط كان اقتصاصاً مني من جهة، ومن جهة أخرى جعلي عبرة للأمهات الإيرانيات، بأن يحسبن ألف حساب قبل الإقدام على تحدي النظام، تحت أي عنوان. 

لمس منصوري شدة تعلقي بابنتي، وتمسكي بحضانتها، شأني شأن كل أم في هذا العالم، لذلك قرر تأديبي بها، ففي أحد الأيام، تفاجأت بمنفذ المحكمة يطرق بابي ويطلب مني تسليم ابنتي، تنفيذاً للحكم الشرعي الصادر عن القاضي منصوري، كان علي إرسال ابنتي إلى والدها، الذي لم يرها منذ خمس سنوات، والذي لم يكلف نفسه عناء مرافقة المنفذ حرصاً على سلامتها النفسية.

كانت أياما صعبة جداً، سواء في السجن أم في المحكمة أم في البيت، وابنتي بعيدة، مخطوفة، لا أراها إلا مرة واحدة في الأسبوع، لذلك قررت الهرب من هذه البلاد الظالمة، وفعلا تمكنت من التسلل من بلدي عبر الحدود بمساعدة مهربين، ودخلت الأراضي التركية بشكل غير قانوني، تحملت مشقة فوق طاقتي الجسدية، وعشت رعباً لا يمكن نسيانه، لكني في الوقت نفسه انتصرت على منصوري وظلمه، وظفرت بابنتي وبحياة جديدة معاً، ليس فيها محاكم ولا رجال دين ولا ملاحقات ولا سجون.

خلال وجودي في تركيا، لم أتوقف عن التفكير في الأمهات اللواتي يعترضن في الشوارع والساحات على الحجاب الإجباري، أفكر في أطفالهن وذويهن، وأدعو لهن في سري أن يتلطف بهن القدر، ولا يرميهن بمواجهة شخص مثل منصوري.

أنا وابنتي نعيش على بعد آلاف الأميال من إيران، نعيش معاً بفرح وحرية، أما منصوري فعلى بعد آلاف الأميال من إيران، يموت وحده بكثير من البؤس والذل، هذا لا يعني أنني راضية بنهايته بهذه الطريقة، كنت أود لو أنه خضع لمحاكمة عادلة، وكنت أنا أحد الشهود فيها.

 لم يقتلني منصوري، لكنه تسبب بمقتل المئات، عدا أنه تسبب بظلم وتعذيب عدد لا يحصى من المساجين، الذين يعيشون في إيران، وينتظرون يوما تحل فيه العدالة ويحاسب فيه من أذلهم وظلمهم، لم يفرحني خبر موته، لم يشفني، تحقيق العدالة هو الخبر المفرح، هو الشفاء، وهو قريب بلا ريب.”

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني