fbpx

خطة التعافي المالي اللبنانية: تكسر يد الطبقتين الفقيرة والوسطى… “وبتشحذ عليها”!

خطّة التعافي الماليّة يشوبها القصور، بسبب تجاهلها كيفيّة تطوير القطاعات الاستراتيجيّة الجديدة في بلدٍ يكتظّ بمظاهر الفساد.

ينشر هذا التقرير بالتعاون مع مبادرة الإصلاح العربي.

قد تكون أوقات الأزمات هي أوقات الفرص أيضاً، ويُمكن القول إنه لم تكن هناك لحظة منذ الاستقلال لم يجب على اللبنانيين إعادة النظر في عقدهم الاجتماعي على هذا النحو الجذري مثل هذه اللحظة الراهنة. وهذا يعني، ولو لمرة واحدة، عدم الاكتفاء بوعود الإصلاح المخادعة المعتادة، ورفض التقشف والاعتماد على الديون التي فرضتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة على اللبنانيين، والتي ورد آخرها في خطة التعافي المالية. ولا يجب ان يقبل اللبنانيون بعد الآن بالنهج الذي ساد طيلة العقود الثلاثة الماضية، والذي بموجبه تستجدي الدولة المانحين وأصحاب المصالح الأجانب وتقترض منهم، بدلاً من أن تضع أعباء الأموال العامة تدريجياً على كاهل القادرين على تحمل تكاليفها، بل هناك ضرورة مُلحة لوضع عقد اجتماعي جديد وإجراء انتقال سياسي من أجل إخراج لبنان من المأزق الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

في أواخر نيسان/أبريل الماضي، أثنى الرئيس اللبناني ميشال عون على خطة التعافي المالي التي أقرتها حكومة الرئيس حسان دياب بوصفها أولى حزم الإصلاح الاقتصادي في البلاد منذ استقلالها عام 1943، واصفاً الحدث بـ”التاريخي”. يأتي هذا “الانتصار” الوهمي والمخيب للآمال نوعاً ما في وقتٍ غير مستغرب، فقد أصبح الوضع المالي اللبناني مزرياً بحق.

عند قراءة خطة التعافي المالي تلك بتمعنٍ، يشعر المرء بانهزامية عميقة وساحقة. إذ تعزز الخطة في جوهرها خلاصة “عدم وجود بديل” من اتخاذ تدابير تقشف قاسية تستمر عقوداً، وتؤدي بدورها إلى انكماش الاقتصاد اللبناني إلى النصف (عند تقييمه بالدولار)، وتَحُول دون العودة إلى مستويات نمو الناتج المحلي الإجمالي التي شهدها عام 2018 لمدة تصل إلى عشرين عاماً ونيف على الأقل. يعني هذا فعلياً أن الحكومة تنتظر من جميع اللبنانيين أن يخفضوا مستويات معيشتهم من دون توقع أيّ نمو قريب، تكفيراً عن سوء الإدارة المالية من جانب الطبقة الحاكمة وعن التملص من إجراء إصلاحات جدية. تطلب الحكومة هذه التضحيات من الشعب من دون بذل أي جهد حقيقي للمساءلة والتوزيع العادل للخسائر على المسؤولين عن الأزمة، خلافاً للخطب الرنانة حول استرداد الأموال التي هُرِّبت إلى خارج البلاد. وعليه فلا ينبغي للبنانيين تقبل هذا الإجحاف بخنوع.

وعلى الرغم من وعد الحكومة المعلن “بحماية أفقر الشرائح السكانية من العواقب الوخيمة المترتّبة على الأزمة”، فإن خطتها تتمحور في الأساس حول تقليص وخفض الخدمات الحكومية. ولا ريب أنّ ذلك سيُلحِق الضرر بطبقات المجتمع اللبناني الأكثر فقراً، ولا يوفر الطبقة الوسطى التي ستتأثر بشكل كبير بالأزمة الاقتصادية المستجدة. 

من الصعب انتقاد خطة التعافي المالي التي تشبه صرخة استغاثة. إذ تعرض الخطة في الأساس تقريباً جميع الإصلاحات التي طالبت مؤسسات التمويل الدولية (بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) لبنانَ بها منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل 30 عاماً وذلك لالتماس الحصول على المساعدة من أيّ ممولٍ على استعداد لضخّ العملة الأجنبية وإنقاذ لبنان من الانهيار الوشيك.

على الرغم من وعد الحكومة المعلن “بحماية أفقر الشرائح السكانية من العواقب الوخيمة المترتّبة على الأزمة”، فإن خطتها تتمحور في الأساس حول تقليص وخفض الخدمات الحكومية.

تعتمد الحكومات اللبنانية المتعاقبة هذا السرد المستجدي والمطيع والخنوع منذ التسعينيات، وقد تزايد إدمان البلاد المساعداتِ الخارجية منذ حرب تمّوز/يوليو 2006، وهو اتجاه ساهمت أزمة اللاجئين السوريين في ترسيخه. وتُعَد خطة التعافي المالي آخر فصول هذا التقليد المشين؛ لاشتمالها على لائحة طويلة من الإصلاحات التي لا يخفى على اي متابع أنها غير قابلة للتنفيذ في الإطار الزمني المقترح والمحدد بثلاث سنوات فقط.

ومن باب الإنصاف، تتمتع خطة التعافي المالي ببعض “المزايا” التي لا ينبغي التغافل عنها. فللمرّة الأولى تشخّص السلطات اللبنانية مكامن الخلل الاقتصادي في البلاد علناً، لا سيما الاعتراف أن ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي لم يعد قابلاً للاستمرار. إذ توافق الخطة على خفض السعر الرسمي الحالي لقيمة الليرة أمام الدولار (1507.5 ليرة لبنانية مقابل الدولار الأميركي الواحد) لسعر أكثر واقعية (يتراوح من 3500 إلى 4297 ليرة لبنانية) خلال السنوات الأربع المقبلة. لا شكَّ أن فكّ ارتباط الليرة بالدولار سيؤدي إلى تهاوي مدخرات كثير من اللبنانيين الذين حوّلوا ودائعهم لتكون بالليرة، بعد أن أغرتهم مستويات أسعار الفائدة العالية التي كانت تقترب من 15% و20% قبل أن تتداعى. أقل ما يمكن قوله هو إن هذا أمرٌ مؤسف، لكن ينبغي القول أيضاً إن هذه الأسعار كانت تنطوي على تزييف، والدولار وصل في السوق السوداء حتى نشر هذه الدراسة إلى ما يزيد على 6000 ليرة لبنانية!

تقرّ الخطّة أيضاً، ضمنياً، أنّ القطاعات غير الإنتاجيّة، مثل قطاع العقارات، لا يُمكنها إدارة محرّك الاقتصاد اللبنانيّ كما فعلَت منذ مطلع العقد الأوّل من الألفيّة. تتّضح هذه النقلة في التفكير من خلال تركيز الخطّة الجديد على المجالات الإنتاجيّة، مثل الزراعة والتصنيع والسياحة؛ وإنْ بدَت هذه القطاعات نسخةً كربونيّة من الوعود السابقة للمانحين. من المرجّح أيضاً أن يكون هذا الدعم الجديد للقطاعات الإنتاجيّة هو أقوى ميزة تقدِّمها الحكومة في خطّة التعافي الماليّة، لأنّه يتحتّم على لبنان اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، أن يعيد التفكير في نموذجه الاقتصاديّ، بدلاً من الاعتماد على القطاعات غير الإنتاجيّة التي حققت ذات مرّة ”مكاسب سهلة”، ومنها قطاع العقارات الذي يتداعى.

إلّا أنّ خطّة التعافي الماليّة يشوبها القصور، بسبب تجاهلها كيفيّة تطوير تلك القطاعات الاستراتيجيّة الجديدة في بلدٍ يكتظّ بمظاهر الفساد. يفتقر لبنان اليوم إلى أيّ تشريع لمكافحة الاحتكار، ناهيك عن وجود هيئة تنظيمية للمنافسة، لضمان قدرة الصناعات النامية على الإفلات من الاحتكار العابث. في العام 2003 كان ثلث الأسواق اللبنانيّة محتكَراً من قِبَل القلّة؛ أمّا اليوم فربّما صار الأمر أسوأ. وتشمل هذه المجالات المعرَّضة للخطر صناعات محلّيّة مربِحة، من قبيل الصناعات الدوائيّة والمنتجات البتروليّة والغاز والأسمنت. وبالنسبة إلى المنتجات الأجنبيّة المطلوبة لتحفيز تلك الصناعات، سيظلّ بإمكان وكالات الاستيراد تسجيل اتّفاقيّات التمثيل التجاريّ الحصريّة وأن تصبح المستورِد الحصريّ لسلع معيّنة. بالإضافة إلى ذلك فإنّ لدى الوزراء وأعضاء البرلمان من مختلف الأطياف السياسية حصص تجاريّة في كثير من تلك الصناعات المذكورة آنفاً. في هذا السياق، ليس من العجيب ألّا تظهر تشريعات بشأن تضارُب المصالح في القائمة الانتقائيّة للإصلاحات التي تضعها خطّة التعافي الماليّة. إلّا أنّه ومن دون تشريعٍ ملائم، فإنّ القطاعات الإنتاجية المستهدَفة ستصبح ضحيّة تركيز الأسواق وتضارُب المصالح والأسعار المضخَّمة بشكلٍ مصطنَع؛ وسيستمرّ نظام الحكم الفاسد.

على نفس المنوال، لا تبذل خطّة التعافي الماليّة أيّ جهود حقيقيّة لمحاسبة مَن تسبّبوا في الانهيار الاقتصاديّ اللبنانيّ على أفعالهم تلك. فالوثيقة تتظاهر بالحديث عن ”الهندسة الماليّة“ الخاطئة لمصرف لبنان والبنوك التجاريّة، ولكنّها لا تدينهم أو تحاسبهم. لمدّة سنوات قبل الانهيار، أدار مصرف لبنان خطط تحفيز (بالليرة اللبنانيّة بما يعادل مليار دولار أميركيّ)، كانت تساند وتدعم مَحافظ القروض لدى البنوك التجاريّة؛ و90٪ منها مخصصة للقطاع العقاريّ استخدم مصرف لبنان والبنوك التجاريّة عوائدَ هذا الحافز للتضحية بالنظام المصرفيّ اللبنانيّ لمَن قد يقومون بضخّ العملات الأجنبيّة في مخطّطات ”الهندسة الماليّة“ لمصرف لبنان، التي بموجبها حظي كبار المستثمرون بأسعار فائدة سخيفة بالدولار الأميركيّ. وبعد ذلك، اشترى مصرف لبنان تلك الدولارات بأكثر من قيمتها الحقيقيّة، قبل أن يقوم بإقراضها للدولة وإثقال الدين العامّ. انهارت هذه الخدعة بمجرّد توقّف المستثمرين عن ضخّ أموال جديدة.

لا تبذل خطّة التعافي الماليّة أيّ جهود حقيقيّة لمحاسبة مَن تسبّبوا في الانهيار الاقتصاديّ اللبنانيّ على أفعالهم تلك.

تتجاهل خطّة التعافي الماليّة تلك الأهداف الواضحة للتعويض. بل إنّها تؤكد على نحو صارخ على أنّ جميع الودائع تعتبر متساوية بهدف إعادة رسملة المصارف؛ إذ تنصّ على أنّه ”لا ينبغي أن يتأثّر المواطنون الملتزمون بالقانون، ما لم تُستنزَف جميع أشكال العلاج والإصلاح المحتمَلة“. الواقع أن مقاربة الخطّة تفتقر إلى العدالة الأخلاقيّة؛ لأنّها تحديداً لا تفرِّق بين المُودِعين العاديّين وأولئك الذين راكموا الأرباح من السياسات المالية المفصلة على قياسهم.

تصرف الخطّة الانتباه، ببراعة، عن هذا الواقع، بتركيزها على إشارة مضلّلة نسبيّاً؛ وهي هروب رأس المال. وتدعو الخطّة إلى استعادة ”المبالغ الماليّة التي غادرت البلاد بشكلٍ غير قانونيّ، وإلى [توظيف] تلك المبالغ في خسائر البنوك“. يتجاهل هذا المقترَح، بسهولة، حقيقةَ أنّه ليس هناك قاعدة قانونيّة لفرض قيود على رأس المال في لبنان. فقد كانت جمعيّة مصارف لبنان وهي جمعيّة خاصّة للكيانات التجاريّة، هي الوحيدة التي فرضت قيوداً اعتباطية على التعامل مع الودائع البنكيّة؛ ولكن ليست لديها اي سلطة تشريعيّة لتنفيذ هذه القيود. وعبر تركيزها على الخروج غير القانونيّ المزعوم لرأس المال، تحاول خطّة التعافي الماليّة اختلاق الذرائع لتبرئة مسؤولي الهندسة الماليّة اللبنانيّين (وهم غير موهوبين إطلاقاً) من مسؤوليّاتهم.

ولكن لا تقلقوا! فالخطّة تعِد بأنّ “مصادر التمويل والأصول التي تم الحصول عليها بشكلٍ غير شرعيّ، …، وتحديداً الأشخاص المكشوفين سياسيّاً، ستُستخدَم لتعويض الخسائر”؛ من دون أن تقدّم مزيداً من التفاصيل حول ذلك سوى أنّ ”السلطات تعتزم استرداد الأموال التي جرى تهريبها بصورة غير قانونيّة إلى خارج البلاد، وتوظيف تلك الأموال في خسائر البنوك“. ووَفقاً لمنطق الخطّة، فإنّ هذه الاستعادة ”للأصول المسروقة“ ستُعيد “10 مليارات دولار على الأقلّ على مدار السنوات الخمس القادمة”. قد يُغتفَر للبنانيّين رفضهم تصديق ذلك؛ فلم يواجِه مسؤول حكوميّ واحد أيّ ملاحقة قضائيّة بموجب قانون “الإثراء غير المشروع” منذ سنّه في عام 1999، وذلك لأسباب ليس أقلّها أنّ أيّ مدَّعٍ تُرفَض دعواه، ولا يمتلك أدلة دامغة على ادعاءاته، سيواجه غرامة (تُدفَع بالليرة اللبنانيّة) قيمتها تساوي 13 ألف دولار (بأسعار الصرف الرسميّة) مع احتماليّة السجن!

لا يجب أن ينخدع اللبنانيون بالذرائع التي تختلقها خطة التعافي المالية والوعود الخيالية التي لا يُمكن الإيفاء بها، وأن يروا الخطة على حقيقتها: فهي استسلام مطلق وصريح لصندوق النقد الدولي، ومن هذا المنطلق يُمكن الشروع في المفاوضات. وهو ما من شأنه أن يُمهد الطريق أمام البنك الدولي وغيره من الجهات الدولية المانحة لتمويل خطة الإصلاح التي تبلغ قيمتها 11 مليار دولار أميركي وفقاً للتعهدات المُعلنة في “مؤتمر سيدر” الدولي الذي انعقد في نيسان/ أبريل 2018. لا شك أن اتفاقيات التمويل الطارئة يصاحبها دوماً شروط ضمنية تحكمها، بما في ذلك فرض الضرائب التنازلية، وتقليص حجم القطاع العام، والخصخصة. وتقضي الخطة الحكومية باتخاذ تدابير تقشفية صارمة متوقعةً انخفاض الإنفاق على الخدمات العامة من 21% من الناتج المحلي الإجمالي الحالي إلى 17.1% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024. 

لا شك أن لبنان يحتاج إلى ضخ فوريّ للسيولة بالعملة الصعبة، والتي لابد وأن تأتي من الجهات المانِحة الدولية. ولكن خلافاً لهذه الدفعة الأولية، تستطيع الحكومة أن تجد قدراً كبيراً من التمويل من داخل البلاد. ولكي يستفيد لبنان من هذه الإمكانية، يتعين عليه أن يُقدم نهجاً تقدمياً أكثر إنصافاً في التعامل مع الأموال العامة وإعادة هيكلة الأعباء التي تسبب فيها القطاع المصرفي المُتهالك. وكخُطوة أولى، يتعين على الحكومة تطبيق خفض تدريجي للأرباح الناشئة عن “ملحمة” الهندسة الماليّة. من شأن هذا أن يجنبنا السيناريو الظالم الذي يتحمل بموجبه الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة في لبنان حصة ضخمة من أعباء سداد الديون المستحقة على النخبة الفاسدة.

وعلى الرغم من أن الخطة الحكومية تشتمل على تحسين عملية تحصيل الضرائب والإصلاحات الضريبية، لكن عملياً، لا يُمكن للحكومة أن تكون جادة بشأن “الإصلاح الضريبي الرامي إلى استهداف قطاعات السكان من أصحاب الدخل المرتفع للحد من عدم المساواة”. فعلى سبيل المثال، ثمّة مجموعة كبيرة من الضرائب التنازلية التي تُفرض على أشد شرائح السكان فقراً وتظهر بشكل بارز في الخطة. ويشمل ذلك تحديد الحد الأدنى لأسعار البنزين (المستخدم في وسائل النقل) والمازوت(المستخدم للمولدات) في بلد لا يوجد فيه وسائل نقل أو كهرباء يعول عليها، لا سيما للفقراء، ولم تقف الحكومة عند هذا الحد، بل تدرس اقتراحاً قدمه وزير الإقتصاد لرفع الدعم عن المحروقات والقمح. 

لكن لا تقلقوا! فالخطّة تعِد بأنّ “مصادر التمويل والأصول التي تم الحصول عليها بشكلٍ غير شرعيّ، …، وتحديداً الأشخاص المكشوفين سياسيّاً، ستُستخدَم لتعويض الخسائر”

لا تقترح خطة التعافي المالية زيادة شاملة طاحنة في ضريبة القيمة المضافة، وكذلك تقترح بعض التدابير الضريبية المُهمة، بما في ذلك “هيكل/إطار” الدخل الإجمالي، والذي من المفترض أن يفرض ضريبة على جميع مصادر الدخل أياً كانت طبيعتها. وعلى الرغم من أن الخطة تُركز بصفة خاصة على إخضاع إيرادات الفوائد والأرباح الرأسمالية للزيادات (والتي تُقر خطة التعافي المالية أنها ستتعثر بسبب الأزمة)، فإن عدم الإشارة إلى الكيفية التي ستتعامل بها مع مصادر الدخل الأجنبية أو الاختباء خلف قوانين السرية المصرفية اللبنانية القديمة التي تكاد تكون مقدسة، يعني أن الاقتراح لن يكون أكثر من مجرد كلام عديم الأثر.

في بلد يسيطر الاغنياء الذين يشكلون 10% من السكان على نحو 70% من الثروات، لا بد وأن تحظى عملية إعادة التوزيع بالأولوية. وقد استخدم مركز الأبحاث والسياسات والإعلام اللبناني “تراينغل” تقديرات متحفظة لحساب أن مجرد الوصول إلى متوسط الإمكانات الضريبية للدول المماثلة متوسطة الدخل يُمكن أن يُدر 3.5 مليار دولار أميركي إضافية سنوياً علاوةً على ذلك، بدلاً من زيادة الحد الأقصى لمعدل الضريبة الحديّة من 25% إلى 30% التي تقترحها خطة التعافي المالية، فإن زيادة المعدل على أصحاب الدخول العليا إلى معيار “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” الذي يقدر بنحو 40% من شأنه أن يُدر 6.82 مليار دولار أميركي إضافية سنوياً، وفقاً للدراسة نفسها.

وهذا يعني أن الإيرادات العامة، بالإضافة إلى تحصيل الضرائب القائمة، قد تتمكن من جمع 10.3 مليار دولار أميركي إضافية سنوياً. وإذا كانت هناك حاجة إلى مزيدٍ من الأموال، فإن فرض ضريبة ثروة بنسبة 1% على الأفراد ذوي الثروات الصافية الكبيرة (أكثر من 10 ملايين دولار أميركي) من شأنه أن يوفر ملياري دولار أميركي إضافية سنوياً. وللإيضاح، فإن هذه الأرقام تُعد تقديرات متحفظة تستند جزئياً إلى بيانات تعود إلى بضع سنوات مضت، ولا أحد يدري إلى أي مدى قد تؤدي الأزمة الحالية إلى تقليص المداخيل وخفض العائدات الضريبية. ولكن حتى لو أمكن الحصول على نصف العائدات الضريبية فقط، فإن هذه الإيرادات الجديدة ستظل كل عام تُشكل أكثر من نصف القرض الذي يطلبه لبنان من صندوق النقد الدولي، أو نصف القيمة الإجمالية للبرنامج الذي تعهد به “مؤتمر سيدر” للاستثمار بالبنية التحتية وكلاهما من المفترض أن يمتد على مدى سنوات. 

إذا كان المجتمع الدولي جاداً بالفعل بشأن تمويل خطة نزيهة للتعافي الاقتصادي، فسوف يضع شروط إقراض صارمة مرتبطة باتخاذ إجراءات نزيهة وحقيقة لمكافحة الفساد والقيام بإصلاحات قضائية، وليس النقاط الرئيسية غير القابلة للتطبيق التي اقترحتها الحكومة باعتبارها ركيزة ثانوية لتمويل القطاعات والبنية التحتية. ومن أهم هذه الشروط هي سن القوانين ووضع آليات الإنفاذ، بما في ذلك مشروع قانون الاستقلال القضائي، والتعديلات على قانون الإثراء غير المشروع، فضلاً عن تشريعات مكافحة الاحتكار وتضارب المصالح، للسماح للسوق المتعافية بتقديم الخدمات لعامة الجمهور، وليس خدمة المصالح الخاصة المحدودة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني