fbpx

كيف تبيع الصين “الأعضاء الحلال” المنتزعة من سجنائها مسلمي الأويغور؟

يونيو 25, 2020
تتحدّث تقارير عن استخدام الأقليات الصينية المسلمة الموجودة في معسكرات الاعتقال كبنوك أعضاء، تؤخذ منهم الأعضاء، وتسمى "حلالاً"، ثم تُباع بأسعار مرتفعة في دول الخليج.

ليس سهلاً أن يكون المواطن الصيني من غير عرق الهان الذي يشكل الأغلبية في البلاد؛ إذ تتعرض الأقليات الدينية في الصين للاضطهاد منذ سنوات، ويُعتبَر المسلمون والكاثوليك والتبتيون وحتى الفالونغ غونغ أعداء للدولة، فقط بسبب معتقداتهم.

عام 2014، شُيِّدت معسكرات الاعتقال في مقاطعة شينجيانغ (تركستان الشرقية)، شمال غربي الصين، بهدف اعتقال مئات الآلاف من المسلمين الأويغور والهوي والقيرغيز والكازاخ. ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، يوجد حالياً حوالى مليون من الأويغور المحتجزين هناك، بلا محاكمة وبلا سبب محدد. وإضافة إلى العمل القسري المفروض عليهم في هذه المعسكرات، تُقتلَع من المحتجزين أعضاؤهم للإتجار فيها.

يرى غوتمان أن الأعضاء “الحلال” تباع للمسلمين، موضحاً أنّ “الأمر سهل وبسيط. فالمستشفيات الصينية تبيع الأعضاء، والمسلمون المحتاجون إلى عملية زرع يشترونها”.

بعد إنكار طويل، اعترفت الصين رسمياً في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 بوجود هذه المعسكرات، التي أطلقت عليها اسم “مراكز التعليم والتدريب المهني”، ولا ينجو منها إلا عدد قليل جداً. والسبب في اختفاء الكثير من المحتجزين في هذه المعسكرات بسيطٌ وفقَ الكثير من المحققين؛ فهم يختفون لأنهم يقتلون لانتزاع أعضائهم.

أطلقت الحكومة الصينية، منذ عام 2016، حملة فحص طبي واسعة النطاق في مقاطعة شينجيانغ، تشمل مجموعة من الاختبارات الطبية الإلزامية فقط لسكانها الأويغور الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و65 سنة. ولا تقتصر هذه الاختبارات على عينات من الدم للفحص، بل تشمل أيضاً إجراء فحوص بالموجات فوق الصوتية في بعض الأحيان، وتسمح هذه التحاليل بتصوير حجم العضو وشكله وهيكله الداخلي. وتحوم شكوك كبيرة وتساؤلات حول هذه الفحوص الطبية، بخاصة أن الصين لم تكلّف نفسها عناء تبريرها. ويعتبر كثيرون أن هذه التحاليل تسمح، من دون أي شك، بإنشاء قاعدة بيانات للأشخاص الذين تُنقَل منهم أعضاؤهم في المستقبل.

أجرى الصحافي الاستقصائي الأميركي إيثان غوتمان بحوثاً استغرقت سنوات حول عمليات نقل الأعضاء في الصين، ولا يساوره شكٌّ في أن الصين تحاول مراقبة الأقليات العرقية عن كثب من خلال هذه الفحوص الطبية. يقول إنّ “الناجين من المعسكرات الذين استطعتُ مقابلتهم، سواء من الأويغور أو الكازاخ أو القرغيز أو الهوي، أُخِذت منهم عينات دم كل شهر. قد يقول قائل إن الأمر طبيعي وإن هذه التحاليل تُجرَى لتجنب الأمراض المعدية، لكن هذا غير ممكن؛ لأن الصينيين الهان يمثّلون أكثر من نصف السكان في شينجيانغ، ومع ذلك لم تُجرَ عليهم مثل هذه التحاليل”. 

ويستنتج الصحافي أن هذه الفحوص الطبية تمكّن السلطات من مراقبتهم، واحتمال رصد تحركاتهم لأخذ أعضائهم. وبفضل هذه الاختبارات الطبية، تستطيع الحكومة معرفة فصيلة الدم من السكان الأويغور، ومعرفة مدى سلامة أعضائهم وتطابقها. 

يتوافد المشترون من جميع أنحاء العالم لإجراء عمليات زرع الأعضاء. تُستخدم هذه الأعضاء المقتلعة من أصحابها في المعسكرات لتلبية احتياجات الصين إلى جانب تزويد كل من يستطيع دفع الثمن في الخارج لاقتنائها. وبما أن أصحاب الأعضاء مسلمون، فإن الصين تستهدف بشكل أساسي سكانَ العالم الإسلامي الراغبين في شراء هذه الأعضاء التي لم يَسبِق لأصحابها أن تناولوا الكحول أو لحم الخنزير ومن ثم يتميزون بدماء خالية من هذه المواد.

يُعَدّ إركين صديق، مستشار المؤتمر العالمي للأويغور، من أوائل مَن دقّوا ناقوس الخطر بخصوص قضية عرض الأعضاء “الحلال” للبيع، وذلك من طريق جمعه بيانات من مصادر مختلفة. يقول: “علمتُ أخيراً أن الحزب الشيوعي الصيني شرع في الآونة الأخيرة في نقل كمية كبيرة من أعضاء الأويغور، بين شنغهاي والمملكة العربية السعودية. وتكثف الحكومة الصينية مساعيها للترويج لهذه الأعضاء “الحلال” في المملكة العربية السعودية لجذب اهتمام المسلمين”. ووفقاً لإركين صديق، فقد يشكِّل ذلك أحد الأسباب التي دفعت الكثير من دول الخليج (الكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات) إلى توقيع رسالة دعم للسياسة الصينية.

من السهل جداً على الأجانب العثور- من طريق الإنترنت- على عروض مغرية تقدمها العيادات الخاصة. تحاول الكثير من المستشفيات جذب المرضى من دول العالم من خلال نشر إعلانات باللغة الإنكليزية، مع استهداف خاص للمسلمين. ويعرض مستشفى تونغ شان تانغ Tongshantang -في بكين- عمليات زرع الكلى في الكثير من مواقعه على الإنترنت، ويفتخر على قناته على “يوتيوب” بوجود قاعة صلاة للمسلمين في المستشفى، إضافة إلى مقصف يقدم الأكل الحلال لمرضاه.

يرى غوتمان أن الأعضاء “الحلال” تباع للمسلمين، موضحاً أنّ “الأمر سهل وبسيط. فالمستشفيات الصينية تبيع الأعضاء، والمسلمون المحتاجون إلى عملية زرع يشترونها”. حتى وإن لم يظهر على المواقع أي سعر لتلك للأعضاء المعروضة، يعتقد كثيرون أنه يتعين دفع ثلاثة أضعاف سعر العضو “العادي” للحصول على عضو “حلال”. عام 2006، على سبيل المثال، عرض موقع مستشفى صيني، كبداً مقابل 100 ألف دولار. وتفيد مصادرنا بأنه يمكن جني نحو نصف مليون دولار من سجين واحد، في الثلاثينات من عمره، مقابل بيع أعضائه.

وكان مستشفى تيانجين المركزي، طيلة سنوات، محلَّ رقابة منظمات مكافحة الإتجار بالأعضاء. وكان موقع المستشفى على الإنترنت يقدم للأجانب عروضاً باللغة الإنكليزية والعربية. يقول غوتمان: “يعرض هذا المستشفى نحو 5000 عملية زرع أعضاء سنوياً؛ وقد جَمعتُ شهادات وأدلة حول العدد المتزايد من المرضى الوافدين من دول الخليج”. وترويجاً لعروضه قام هذا المستشفى أيضاً بترجمة اسمه إلى اللغة العربية للتكيف مع مرضاه الجدد.

في شينجيانغ، يسمح مطار كاشغر بنقل الأعضاء البشرية، ونجد علامات مرسومة على أرضية المطار، باللغتين الصينية والإنكليزية، تشير إلى الرواق المخصص لنقل الأعضاء. وفي مقابلة مع موقع VICE، قال أنور توهتي Enver Tohti، وهو طبيب صيني حضر وشارك في نقل أعضاء من السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، “يوجد هذا المطار في منطقة ذات كثافة سكانية منخفضة، هذا أمر غير منطقي، كان الأمر يبدو معقولاً لو وجد في مقاطعة هونان، في حين لا يتجاوز عدد سكان شينجيانغ 25 مليون نسمة، كيف يمكن الحصول على هذا العدد الضخم من الأعضاء؟”.

ليس ضرورياً أن يكون المسلمون فقط هم من يسعون للحصول على عضو بحالة جيدة، نظراً لعدم تناول المتبرعين الكحول مطلقاً. ففي الآونة الأخيرة، فرضت دول مثل المملكة المتحدة وبلجيكا والنرويج وإيطاليا وتايوان وإسبانيا وحتى إسرائيل ضريبة لثني كل من يرغب في السفر إلى أي بلد، ولا سيما الصين، لإجراء عملية زراعة الأعضاء، لا شك في أن مثل هذا القرار مرحبٌ به، لكن يكاد يستحل تنفيذه عملياً، إلا إذا أعدت هذه الدول جدولاً يشمل مواطنيها الذين ينتظرون عمليات زرع الأعضاء.

قلة الشفافية السائدة في الصين تجعل من الصعب معرفة أماكن توزيع الأموال المكتسبة من هذه التجارة. بالنسبة إلى الصحافي إيثان غوتمان، من المحتمل جداً أن توزع هذه الأموال على المستشفيات والمؤسسات المحلية التابعة للحزب الشيوعي الصيني وفي معسكرات الاعتقال أيضاً.

اهتم غوتمان أيضاً بحالات الاختفاء بين أقليات الأويغور والكازاخ في شينجيانغ، وتوصل إلى خلاصة مذهلة بهذا الشأن، تشير إلى أن 25 ألف شخص من الأويغور، تتراوح أعمارهم بين 25 و35 سنة، يقتلون كل عام، بهدف المتاجرة بأعضائهم. وفي حالة تأكد ذلك، فهذا يعني أن عدد الجثث قد يكون مروعاً. وأكدت مصادرنا أن الجثث تم حرقها لمحو أي أثر أو دليل على تلك الجرائم. 

زاد توجس الصين مع اهتمام المجتمع الدولي بمعسكرات الاعتقال في شينجيانغ، وأنشئت في منطقة الأويغور العديد من القاعات لحرق الجثث في غضون سنوات قليلة فقط، والملفت للانتباه، ما يحيط بهذه المحارق من حراسة مشددة، إذ يتناوب عليها حراس ليلاً ونهاراً. يقول إيثان: “بالنسبة إلى أول محرقة جثث تم إنشاؤها، وظفوا 50 حارساً براتب 1200 دولار” وهو مبلغ ضخم في الصين، يجلب المزيد من الانتباه إلى محارق الجثث التي لم يتمكن أي من محاورينا من الاقتراب منها.

وأبدى غوتمان دهشة كبيرة، لقلة اهتمام المجتمع الدولي إزاء ما يبدو أنه جريمة ضد الإنسانية، مصرحاً، “يبدو أن أنجيلا ميركل لا تفهم ما يعنيه هذا، ربما لأنها تضع الجانب الاقتصادي في صدارة أولوياتها. التاريخ يعيد نفسه، لكن أوروبا لا تفعل شيئاً، إنني أشعر بالغثيان”.

في حزيران/ يونيو 2019، أجرت محكمة مستقلة (محكمة الصين)، تحقيقاً بالتعاون مع مجموعة ETAC (وضع حد لانتهاك قواعد عمليات زرع الأعضاء) حول جميع عمليات نقل الأعضاء من السجناء في الصين. وفي حكمها النهائي، خلصت المحكمة إلى وجود سرقات كبيرة للأعضاء، على مدار سنوات. تفيد تقارير بأن هذا السوق القاتم، الذي يتاجر بنقل الأعضاء من السجناء في معسكرات الاعتقال، يدر على أصحابه مليارات الدولارات كل عام.

أطفال الإيغور

يثير هذا الأمر سؤالاً مهماً حول أطفال الأويغور والأقليات الأخرى من المحتجزين في المعسكرات. وهو: ماذا يحدث لهم عندما يتم القبض على والديهم؟ 

يُرسل الأطفال القصر إلى المعسكرات لتلقينهم “التعليم الوطني”، مع منعهم منعاً باتاً من التحدث باللغة الأويغورية. يوجد حالياً، وفق مصادرنا، أكثر من 500 ألف طفل في هذا النوع من المعسكرات، وهو ما يذكرنا بفترات قاتمة من تاريخنا.

 إن كان هناك نوع من الإتجار بأعضاء الأطفال في الصين، فلا دليل حتى الآن يشير إلى تنظيم عمليات نقل الأعضاء على نطاق واسع. “هناك شائعات كثيرة حول الأطفال في معسكرات التلقين، لكن لا يوجد دليل دامغ، لديّ فقط علم بوفاة طفلين بعدما تعرضا للضرب المبرح، بحيث أصبحت أعضاؤهم غير صالحة للنقل، ويمكن دائماً، وفقَ غوتمان، استخدام هؤلاء الأطفال لتزويد سوق آخر: سوق الرقيق والاستغلال الجنسي.

على رغم تراكم الأدلة التي تبرهن على هذا التطهير العرقي، لا يزال المجتمع الدولي متخوفاً من فكرة إدانة الصين على ارتكابها ممارسات تشبه إلى حد كبير ما كان يجري في معسكرات الاعتقال النازية. يقول إركين صديق، عضو المؤتمر الأويغوري العالمي الذي أرعبه ما يحدث في هذه المعسكرات، “يبدو أن الناس نسوا المحرقة. ألا يرون أن ما يحدث اليوم أمام أعيننا في القرن الحادي والعشرين هو محرقة بالفعل؟ يُحبَس الرجال في معسكرات الاعتقال، ويجبرون على أعمال السخرة، وتجرى لهم تحاليل مخبرية وتُنقَل أعضاؤهم، وتُجبر النساء على الزواج من رجال ينتمون لعرق الهان”.

في 12 حزيران، دعا أعضاء مجلس الشيوخ البلجيكيون الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق حول قضية الاتجار بالأعضاء وعمليات الزرع في الصين، علماً أن هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها. عام 2019، طلب حامد صابي، وهو محام عضو في محكمة الصين، من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان التحقيق في الموضوع. وفي السنة ذاتها في فرنسا، أمضى عضو البرلمان الأوروبي رافاييل غلوكسمان أشهراً، يبحث في ظروف احتجاز الأويغور في الصين، وسعى إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية وإلى فرض عقوبات ضد الحكومة الصينية.

يقول رافاييل غلوكسمان، الذي جعل مأساة الأويغور قضيته الرئيسية، “نحن أمام دولة كرست ممارسة الكذب كقاعدة لتسيير شؤونها، وقد استمرت في نفي وجود معسكرات الأويغور حتى السنة الماضية، وأخفت وباء كوفيد-19 عن أعين العالم، قبل أن تزوّر جميع الأرقام المتعلقة بالوباء، إننا أمام دولة، قامت منذ نشأتها، على كتم أنفاس جميع الأقليات واقتراف مجازر بحقها”.

أخيراً، أطلق عضو غلوكسمان بالتعاون مع معهد الأويغور في أوروبا حساباً على إنستغرام باسم “أخبار الأويغور” (Ouïghours News) لجمع المعلومات المتاحة باللغة الفرنسية حول هذا الموضوع، على أمل تحقيق تقدم في القضية، مصرحاً، “سأكافح بلا كلل إلى أن تُجري الأمم المتحدة تحقيقاً بشأن تجارة الأعضاء وزراعتها في الصين، وعندئذ سيدفع النظام الصيني ثمن جرائمه”.

هذا المقال مترجم عن vice.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
ماذا لو قلتُ لكم إن كثراً منكم أصيبوا بفايروس “كورونا” على الأقل مرة واحدة في فترة ما من حيواتهم؟
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني