fbpx

ملحم خلف يختار استبدال “محامي الثوار” بـ”محامي الشيطان”؟!

كان المقهورون المذلولون يتوقعون من ملحم خلف أن يتجرّأ على السلطة التي تقهرهم وتذلهم ويواجهها بجرائمها وشتائمها وإهاناتها المتواصلة بحق الشعب اللبناني بأسره.

يحصل المحامي حسن سبانخ على براءة موكله المتهم بالمتاجرة بالعملة الصعبة بعد أن يخرج القضاة على قوس المحكمة ويسألهم: “هل من العدالة أن نعاقب متهماً على جريمة نحن نرتكبها جميعاً؟ هل يوجد أحد في هذه القاعة لا يتعامل بالدولار؟” ثم يتوجه إلى رئيس المحكمة ويسأله: “سيادتك عندك ثلاجة 16 قدم؟ جبت الدولارات بتاعتها منين؟”. ثم يختم مرافعته: “اذا كان رب الدار بالدف ضارب، فلماذا لا يرقص أهل البيت؟ موكلي كان يرقص، وليس هناك قانون يمنع الرقص. هل هناك قانون يا حضرات المستشارين يمنع الرقص؟”. هنا يستدعيه القاضي، ويهمس له: “انت قليل الأدب. أنا بهرب من الضرايب؟ انت عاوز تودّيني بداهية؟”. ثم يتلو الحكم على الملأ: “حكمت المحكمة ببراءة المتهم وحبس المحامي لمدة شهر”!

هذا المشهد من فيلم “الأفوكاتو” بطولة عادل إمام يلعب فيه دور المحامي حسن سبانخ، الذي يستطيع بذكائه وقربه إلى الطبقات الشعبية أن يتلاعب بالنظام القائم من داخل سجنه، حيث يبني علاقة مع تاجر مخدرات ومع أحد الرموز الأمنية للنظام في الستينات، ويسلك طرقاً ملتوية لتطويع المحاكم الظالمة والغارقة في الفساد. يصور الفيلم المحامي في دور أقرب إلى الناس منهم إلى النظام، يحكي لغتهم، ويفهم عليهم، كما يفهم تركيبة النظام الفاسد جيداً ويعرف كيفية النفاذ منه لنيل البراءة لمن تحاسبهم الأنظمة على مخالفات تعادل نقطة في بحر جرائمها. 

نقيب المحامين ملحم خلف

عندما نجح ملحم خلف في انتخابات نقابة المحامين، تأمّل كثيرون به خيراً، نصيراً للناس ومدافعاً عن حقوق الثوار، لا على طريقة حسن سبانخ، لكن على الأقل ان يكون أقرب إلى الناس ولغتهم، منه إلى السلطة ولغتها. وفي بداية ولايته، أظهر خلف شيئاً من هذا القرب، كان على الأرض إلى جانب الثوار، وصرّح بأن النقابة “حصن الحريات العامة وحقوق الإنسان” وهي “المؤتمنة على تطبيق القانون”، وقال في غير تصريح إنه ينشد “سلطة قضائية مستقلة فاعلة وعادلة”. وبغياب هذا السلطة، والنقيب عالم بغيابها ولهذا يكرر المطالبة بها، تصير قضية كشتم السلطة السياسية الفاسدة بحاجة إلى “ضمير أكثر من حاجتها إلى قانون، تحتاج إلى روح العدالة أكثر من حاجتها إلى تفسيرات المحكمة” على ما يقول حسن سبانخ في “الأفوكاتو”. هي “فلسفة” القانون التي يجب أن يتحلى بها المحامي الذي ينشد العدالة، لا تطبيق القوانين بحذافيرها، والمحامي الشاطر هو المحامي الذي يعرف كيف يطوّع القانون ليصل إلى العدالة. 

نصّب خلف نفسه وصياً على “أخلاق” اللبنانيين واللبنانيات، في بيانه الأخير.

الذين تحمسوا للنقيب خلف كانوا يطمحون إلى هذا النوع من المحامين. ليس حسن سبانخ بالضرورة، ولا فتحي نوفل المحامي الذي يلعب دوره عادل إمام في فيلم آخر هو “طيور الظلام” يتسلق فيه بذكائه سلم السلطة على ظهر المسؤولين الفاسدين وقضاياهم الفاسدة. ربما كان الجميع يتأمل أن يكون ملحم خلف أقرب إلى ميكي هالر (يلعب دوره ماثيو ماكونهي) في فيلم “محامي لينكولن”، الذي ما ان يكتشف أنه يدافع عن مجرم يكذب عليه ويحاول بالمال والسلطة ان يتظاهر بالبراءة، حتى ينتفض على نفسه أولاً ويسعى لإحقاق العدالة ويتصدى بذكاء لمحاولات استغلاله لتضليل العدالة، ولا يتوانى هالر في نهاية الفيلم عن استقدام مجموعة من راكبي الدراجات الذين سبق له أن أخرجهم من قضايا مخدرات، ليضربوا موكله السابق الذي حاول خداعه وتوريطه في الدفاع عن جريمة اغتصاب ارتكبها بلا أدنى ندم. بهذا المعنى لا مشكلة لدى هالر أن يدافع عن الفئات الضعيفة حتى ولو كانت مذنبة، وتعترف بذنبها، لكنه في المقابل لا يقبل للفئات التي تستغل النفوذ أن تستغله لمآربها. وهو ما كان يؤمل أن يقوم به خلف، لا أن يقف في صف النافذين. 

بدلاً من ذلك، نصّب خلف نفسه وصياً على “أخلاق” اللبنانيين واللبنانيات، في بيانه الأخير، مؤكداً رفضه الكلي “لاستخدام الشتائم والكلمات النابية”، وبأن “هذا الأمر مخالف لأخلاق مجتمعنا، مخالف للأدبيات العامة”، وبأن “الشتيمة لا تبني الأوطان بل تهدمها”، وإلى آخر البيان الذي يحمّل الشتائم مسؤولية تدهور الأحوال وانهيار البلاد التي أمعنت السلطة برموزها المختلفة على سرقتها وتدميرها والإفساد فيها. هذا البيان الغريب والمفاجئ، لا يوحي إلا بتدجين خلف من قبل السلطة، وسيره في ركبها وتحميل الناس مسؤولية صراخهم من الوجع، وكمّ أفواههم وتجريم شتمهم لمن جوّعهم وسرق أرزاقهم وأعمارهم وهجّر أبناءهم ودمّر بلادهم. 

كان المقهورون من الناس ينتظرون من النقيب أن يفهم ويتفهّم الوظيفة السياسية- الإجتماعية للشتم في بلادنا كما عبّر عنها خير تعبير المحامي نزار صاغية حينما كتب على تويتر: “نحن لسنا في ديمقراطية. نحن في دولة زعماء لا يقبلون المحاسبة ولا المساءلة. وهذا أمر لا جدل فيه. العبور من دولة الزعماء إلى الدولة الديمقراطية لا يتم إلا من خلال تكسير أصنام هؤلاء أي قدسيتهم. هذه هي الوظيفة الإجتماعية السامية للشتم: فلنحافظ عليها”. كان المقهورون ينتظرون من خلف أن يكون على دراية وفهم بفلسفة الشتم في ظل أوضاع سياسية كالتي نعيشها. فليس هذا شتماً للشتم. هذا شتم لتحطيم الأصنام. شتم لكسر قدسية الفساد والفاسدين، وشتم لكسر الصمت الموغل في الذل والقهر. كان على النقيب، كمثل حسن سبانخ مثلاً، أن يلتفت إلى السلطة ويقول لها: “اذا كان رب الدار بالدف ضارب فلماذا لا يرقص أهل البيت؟”. إذا كان رئيس الجمهورية والنواب على أنواعهم يقعون في الشتم والتعابير النابية، وإذا كانت القاضية غادة عون التي سجلت اعتراضها على تغريدة صاغية، تستخدم الشتائم في “أدبياتها”، وتتحدث بلغة سوقية وعنصرية حينما تغضب وتشعر بالإهانة كما حدث عندما اقتحم مكتبها النائب “المهذب” هادي حبيش، فلماذا لا يشتم أهل البيت؟ لماذا لا يكفرون بالبلاد كما كفرت بها غادة عون في مواجهتها لحبيش فقالت له بغضب: “شو هالبلد!”. 

كان المقهورون المذلولون يتوقعون من ملحم خلف أن يتجرّأ على السلطة التي تقهرهم وتذلهم ويواجهها بجرائمها وشتائمها وإهاناتها المتواصلة بحق الشعب اللبناني بأسره. أن يصرخ بالسلطة والقضاء كما صرخ المحامي الغاضب آرثر كيركلاند(أل باتشينو) في فيلم “والعدالة للجميع” بموكله الفاسد والمحكمة والقضاة: “انت تخالف النظام، وأنتم تخالفون النظام! وهم يخالفون النظام، والمحكمة برمّتها تخالف النظام!”، أن ينتفض على كل المخالفين للنظام في السياسة والقضاء أولاً، بدل أن يستخدم خطاب السلطة ويعظ الناس ويؤدبهم من موقع المهذب صاحب الأخلاق الرفيعة، في وقت تهان الكرامات على أبواب المصارف والصرافين، وتنتشر يوماً بعد يوم طوابير الذل في طول البلاد وعرضها. في بيانه سيء الذكر، يبدو أن خلف فضّل أن “يحكم في الجحيم على أن يخدم في الجنة”، والعبارة يقولها كيفن لوماكس (يلعب دوره كيانو ريفز) لجون ميلتون(يلعب دوره أل باتشينو) في فيلم “محامي الشيطان”. يبدو ان ملحم خلف في بيانه الأخير قد اختار، للأسف، أن يستبدل لقب “محامي الثوار”، بـ”محامي الشيطان”!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ترجمات – Süddeutsche Zeitung
حتى القبطان بروكوشيف يرى أن مسؤولية الكارثة تقع على عاتق السلطات اللبنانية. إذْ قال، “هم مذنبون أيضًا. فلم يكن هناك داعٍ لحجز السفينة. كان بإمكانهم أن يتخلصوا منها بنحو أسرع من هذا”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني