fbpx

اليمنيون العاملون في السعودية: بين مشقّتي الغربة والحجر

يؤكد كثر من اليمنيين العاملين في السعودية أن سلطات الرياض تمارس عليهم تمييزاً، ويتعرضون لإهانات من قبل المجتمع وأرباب العمل، ما يفرض عليهم معاناة مستمرة.

بعد الحرب التي عصفت بالبلاد لخمسة أعوام متتالية، بات اليمن محاطاً بالموت وأصبح العيش فيه مصحوباً بالخوف والجوع والفاقة، ولم يكن أمام اليمنيين إلا تحمّل العيش مع وقف التنفيذ أو اللجوء إلى دول الجوار، مخيرين بين أمرين أحلاهما مُرّ!

توجه كثيرون إلى السعودية وهي قائدة دول التحالف التي تشن حرباً ضد جماعة الحوثي. وتشهد السعودية انتشاراً كبيراً لجائحة “كورونا” العالمية ولهذا اتخذت إجراءات صارمة لتحقيق التباعد الجسماني وحظر الحركة وقدمت في سبيل ذلك مساعدات لمواطنيها تقتضي بتوفير المواد الغذائية وكذلك العلاج مجاناً. هذا الدعم لم يشمل جميع المقيمين والوافدين الذين يشكلون حوالي 31 في المئة من السكان.

“ثلاثة أشهر مرت علينا كأنها ثلاث سنوات ذقناً فيها المر من كل أنواعه، اكتفينا خلالها بوجبة واحدة طوال اليوم و90 في المئة من اليمنيين كانت وجبتهم الوحيدة هذه البسكويت!”.

يروي الشاب يونس لـ”درج” عن الويلات التي تحاصر يمنيين داخل السعودية والذين تقدر إحصاءات -غير رسمية-عددهم بنحو 3 ملايين شخص، “نظامي، وغير نظامي”، إلا أن الرقم تراجع كثيراً بعد مغادرة قرابة مليون شخص، خلال الثلاثة الأعوام الماضية، بسبب الإجراءات التي قامت بها السلطات المتمثلة في فرض رسوم مالية على المقيمين وعائلاتهم.

“كنت أظن أن المغترب مرتاح حتى اختبرت ذلك بنفسي وليتني لم أفعل… الوطن عز على رغم الجراح التي فيه”.

يونس شاب عشريني قدم إلى السعودية عام 2019  بعدما فقد الأمل في إيجاد وظيفة له في بلده، فقرر ككثر من الشباب السفر إلى السعودية لإعالة أسرته… هو مياوم وعمله شاق جداً بحسب توصيفه وزادت من هذه المشقة القوانين الجديدة التي أطلقتها المملكة أخيراً، “السعودة” وكذلك رسوم الكفيل التي تقصم ظهور اليمنيين وتبدد أحلامهم في الاستقرار المادي والنفسي.

عنصرية ضد اليمنيين

“في زمن “كورونا” مرت أيامنا في تفكير يضيق به الصدر ولو لم يكن الانتحار حراماً لانتحرت بسبب الظروف الصعبة التي عشناها فمعظمنا يعمل بالأجر اليومي وقمنا بإرسال جميع مدخراتنا لأهالينا، قبيل رمضان كالعادة، إذ كنا نمضي إجازة العيد معهم. فُرض الحظر بشكل مفاجئ ولم نكن قادرين على الخروج للحصول على قوت يومنا ومساعدات الحكومة السعودية كانت تشمل السعوديين فقط… أما نحن فلا قيمة لنا!”، يقول أحد العاملين في السعودية.

يؤكد كثر من اليمنيين العاملين في السعودية أن سلطات الرياض تمارس عليهم تمييزاً، ويتعرضون لإهانات من قبل المجتمع وأرباب العمل، ما يفرض عليهم معاناة مستمرة، علماً أن لليمنيين مجتمعاً خاصاً بهم في السعودية. 

“ثلاثة أشهر مرت علينا كأنها ثلاث سنوات ذقناً فيها المر من كل أنواعه، اكتفينا خلالها بوجبة واحدة طوال اليوم و90 في المئة من اليمنيين كانت وجبتهم الوحيدة هذه البسكويت!”.

في السعودية، اعتاد اليمنيون العيش مجموعات في سكن موحد يسمونه “العزبة”، تختلف مساحته وعدد الأفراد الذي يتقاسمونه بحسب قدرة كل منهم. يصل العدد أحياناً إلى 15 فرداً في عزبة واحدة، تتكون من غرفتين ومطبخ وحمام. وعلى رغم أن عدداً من اليمنيين يعملون في شركات بحسب تخصصاتهم وأوضاعهم شبه مستقرة، إلا أن معظمهم يعملون في الخدمات العامة بأجر يومي.

 يقول أبو رامي أحد اليمنيين العاملين في السعودية، والذي يعيل بشكل غير منتظم حوالي 60 فرداً في قريته اليمنية: “العلاج هنا مكفول للجميع مجاناً، لكننا وجدنا صعوبة في المعيشة اليومية لأننا اضطررنا إلى تحويل المبالغ المالية التي بحوزتنا لأهالينا قبل كورونا ما صعب علينا الوضع بعد الحظر المفاجئ. بعض منا كان لا يزال يحتفظ بمبلغ يسير لشراء المواد الأساسية لنطبخ في المنزل وتداركنا الوضع… نحن قلقون على أهالينا في اليمن من هذا المرض”.

اقتصاد مهدد

ليس اليمنيون العاملون في السعودية وحدهم من يتأثر مادياً بسبب هذه الظروف الخانقة، مع إغلاق الحدود وتراجع الأعمال والحظر، فالاقتصاد اليمني كلّه تأثر بذلك. 

يقول خبراء لجنة العقوبات في مجلس الأمن إن “تدفقات التحويلات من العمالة المهاجرة أكبر من تدفقات المعونة الإنسانية”. وتقدر وزارة المغتربين اليمنيين، أن التحويلات المالية التي تصل إلى اليمن من العمالة المهاجرة، تزيد عن 8 مليارات دولار، إذ يعيل المغتربون أكثر من نصف سكان اليمن.

يرى الصحافي محمد الجماعي-المتخصص في الشأن الاقتصادي اليمني-أن “انعكاس الحظر الكوروني كان واضحاً وجلياً على أسر المغتربين وذويهم، لا سيما على الحركة الشرائية”.

يضيف الجماعي: “في اعتقادي أن التقرير الحكومي المشار اليه قد افترض أن أهم موسم للتحويلات هو رمضان وفترة العيدين، لكن هذه الفترات لا تمثل 70 في المئة من التحويلات بالنسبة للعام كاملاً، الا إذا استمر الحظر الذي بدأت السعودية فعلياً بإلغائه تدريجاً”.

 قدّر تقرير رسمي، تحويلات المغتربين اليمنيين في الخارج، بمتوسط شهري بلغ 431 مليون دولار، من كانون الثاني/ يناير إلى تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وبحسب التقرير الصادر حديثاً عن قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية اليمني (قطاع حكومي)، فإن تحويلات المغتربين من الخارج كان لها دور كبير في الحد من تقلّبات سعر الصرف، وفي السيطرة على انهيار القيمة الشرائية للريال اليمني. 

استغلال الحكومة

لم تستجب الحكومة الشرعية لمطالب اليمنيين العالقين في السعودية بسبب “كورونا”، ولم تعر معاناتهم أي اهتمام، بحسب عدد من المغتربين الذين قابلناهم. يقول يونس (يمني يعمل في السعودية): “ليس لدينا أي حكومة تمثلنا. لو كانت لدينا حكومة تهتم بقضايا المغتربين، لما عانينا كل هذه المعاناة”. وأضاف: لا تعويل على حكومة فنادق!

وبعد تكرار المطالبات لنقلهم إلى بلدانهم بدلاً من تكبد الديون التي في بلاد الغربة بسبب الظروف الصحية والاقتصادية، تم اتخاذ قرار فتح منفذ شرورة بعد الخضوع للفحوص الطبية (PCR) اللازمة والمجانية.

وهذا الحل الاستثنائي يشمل العالقين فقط، وعددهم 950 شخصاً تقريباً وليس كل المغتربين الراغبين في العودة.

إلا أن هنالك حملة تم إطلاقها على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل ناشطين وصحافيين، تشي بأن هذه الفحوص وهمية وتكلف الفرد الواحد بين 700 و850 ريالاً سعودياً، وكُشف لاحقاً أن مندوب القنصلية خالد حزام ضالع في الأمر!

في السعودية، اعتاد اليمنيون العيش مجموعات في سكن موحد يسمونه “العزبة”.

يقول الصحافي غمدان اليوسفي، أحد المساهمين في الحملة، “قررت الحكومة عدم دخول مواطنيها اليمن إلا بفحص كورونا وحصلت سمسرة في الأمر حتى وصلت التكاليف إلى 1300 ريال من دون احتساب تكاليف الفنادق والإقامة من المنافذ”.

هناك دخل مهول من المنافذ والقنصليات، سواء الجمارك والتأمين وحتى ختم الخروج بـ10 ريالات، من دون أي قانون يسمح بذلك.

هناك لوبي مرتبط بكل هذه الإيرادات بدءاً من مكتب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية والقنصل ونائبه، وهذه الأموال يتم التصرف بها عبر عصابة ولا تستفيد منها أي جهة حكومية.

اليوم يُنظر إلى العامل الأجنبي في القنصلية السعودية، على أنه خزنة أموال، يجب تفريغها، ما يزيد النكبات نكبةً إضافية على ظهور اليمنيين في ظل “كورونا” وما فرضته من إجراءات.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني