fbpx

قانون “قيصر” والسوريين في الداخل.. رحلة الحبو خلف لقمة العيش

تبدو الأسواق في سوريا وكأنّها تموت على البطيء، كحال غالبية السوريين في بلدهم، فالأخبار عن قانون قيصر وتبعاته أنهكتهم نفسيًا قبل تأخذ مفعولها اقتصاديًا.

خلف الأبواب المغلقة، وداخل حلقات النقاش الصغيرة، تغيّرت ملامح حوارات وأحاديث السوريين في داخل بلدهم، على وقع تغيّر الأحداث، فبينما كانت الحوارات قبل سنوات تدور حول القصف والمعارك وأخبارهما اليومية، أصبح الحديث اليوم مختلفاً جدًّا كما اختلاف وجوه العابرين في الأسواق.

كذلك الحال في حركة الشراء الضعيفة، والتي أدّت إلى تراجع التجارة وكساد في المنتجات الكمالية، مقابل زيادة التكدّس على طوابير مؤسّسة “السورية للتجارة” طمعًا بشراء عبوة زيت أو كيلو سكّر بسعر أقل.

غالبية الأسر شطبت الكماليات من قاموسها نهائيًا، منذ سنواتٍ عدّة، لكن الجديد أنّها بدأت تشطب بعض الأشياء الأساسية التي يمكن العيش بدونها، أو تبحث عن طريقة للحصول على هذه الأشياء بتكلفة أقل كحال هالة، وهي ربّة أسرة سورية تعيش في حي الزاهرة في العاصمة دمشق.

تقول: “كل الوجبات التي نتناولها نطبخها بدون لحوم، بعد أن ارتفع سعر كيلو اللحم من 4 إلى 16 ألف ليرة سورية خلال الشهرين الفائتين”.

تمضي هالة جزءًا كبيرًا من وقتها، أمام دفتر صغير، تحاول فيه باستمرار إيجاد حلول للتوفيق بين راتبها وراتب زوجها الذين يبلغان 160 آلف ليرة (نحو 50 دولار)، وبين نفقات المنزل التي تحتاج بالحد الأدنى 500 ألف ليرة (150 دولار)، ولكن من دون جدوى.

كان شقيق زوج هالة اللاجئ في المانيا، يُرسل للأسرة 100 يورو شهريًا تساعدهم على سد الهوّة بين الدخل والإنفاق، ولكن “مصرف سوريا المركزي” أصدر قرارًا قبل أسابيع حصر بموجبه التحويلات الأجنبية عن طريقه، وبما أنّ المصرف يحدد سعر اليورو بـ 1400 ليرة، في حين أن سعره الحقيقي أكثر من ثلاثة آلاف، فهذا يعني أن المركزي بات يستولي على نصف قيمة الحوالة الواردة إلى أسرة هالة.

وتضيف السيدة الأربعينية: “العديد من الأسر لم تعد ميسورة اليوم، لأن غالبيتهم أصبحوا في حربٍ مع تأمين احتياجاتهم اليومية”.

تروي قصّة قريبتها التي باتت مؤخّرًا غير قادرة على شراء حليب وفوط صحّية لطفلها، فلجأت إلى إطعامه النشاء المطبوخ، واستخدام بعض الأقمشة بدلًا من الفوط، وتضيف: “لا نعلم حتّى الآن مدى تأثير قانون قيصر علينا كمدنيين، ولكن ما أراه الآن أن تأمين لقمة المعيشة يزداد صعوبةً يومًا بعد يوم.”

خلال سنوات الثورة، انخفضت الليرة من 47 ليرة مقابل كل 1 دولار الى 2500 ليرة مقابل كل دولار وتضاعف سعر الذهب 33 مرة، وكان متوسط راتب المواطن السوري يعادل 3.5 غرام من الذهب، واليوم يعادل هذا الراتب نحو نصف غرام، حيث هبط الراتب من 300 دولار شهريًا بشكلٍ متوسّط إلى نحو 30 دولارًا، وبات هذا الراتب يعادل أقل من 1 كيلو غرام من الذهب

وفقًا لدراسة أعدّها مركز “مداد” للأبحاث، فإن متوسّط دخل المواطن السوري شهريًا أصبح 37.69 دولار أمريكي، أي أن متوسط الدخل اليوم نحو 1 دولار فقط.

الخبز، الدواء، أسعار الأطعمة اليومية وكلفة الطبابة طغت على هموم الناس وباتت حلقات حوارات العائلات أشبه بندوات توعية يتنافس فيها المتحدثون باقتراح نصائح التقشّف.

على الضفاف الأخرى، هناك من يناقش أخبار التحديث (اللحظي) لسعر صرف الليرة السورية، والتي تتهاوى باستمرار، وتقفز معها أسعار السلع من جديد.

“قيصر”.. سيف على الأسد أم المدنيين؟

بالتزامن مع دخول قانون “قيصر” لحماية المدنيين في سوريا، والذي أقرّته الولايات المتّحدة الأمريكية، يجد المدنيون السوريون أنفسهم الحلقة الأضعف، هؤلاء ليس لديهم استراتيجيات لكسر العقوبات، ولا يعرفون الالتفاف عليها، وتضاعفت مخاوفهم من أن يؤدّي هذا القانون إلى ضعف قدرتهم على تأمين احتياجاتهم اليومية.

يأتي ذلك في ظل الجدل المحتدم منذ عدّة أسابيع، بين السوريين أنفسهم، فمنهم من يرى أن تطبيق القانون ضرورة لردع النظام السوري، وإجباره على إيقاف الآلة العسكرية لمنع قتل المزيد من المدنيين، وإضعاف قدرته على إحكام القبضة الأمنية، أملًا في أن يؤدّي هذا القانون إلى الكشف عن مصير ما يزيد عن 100 ألف معتقل مغيّب في سجون النظام السوري، ولا يعرف ذويهم عنهم أية معلومة. يرى هؤلاء أن الضغط على النظام قد يضعف قدرته في اعتقال المزيد، وفي أحسن الأحوال إجباره على الخوض في مفاوضات من شأنها إخراج المعتقلين.

أصحاب هذا الاتجاه يرون أن النظام السوري مارس سياسة التجويع ضد السوريين في المناطق المحاصرة طيلة السنوات الماضية، كما عمل على إفقار السكّان وجعلهم يبتعدون عن التفكير في السياسة وممارسة الحبو أو الزحف يوميًا خلف لقمة العيش. يستغل النظام هذه الجزئية تحديداً في قانون قيصر  وأنّه سوف يجوّع المدنيين علمًا أنّ الأسد ذاته اعتمد أسلوب التجويع كمنهجية لوأد الاحتجاجات.

الرأي الثاني في هذا الجدل يعتقد بأن النظام السوري أصبح “متعايشًا” مع العقوبات، وأنّه قادر على تأمين خطط بديلة وموارد تساعده على الاستمرار بعمليات القمع، وأن تبعات هذا القانون لن تكون إلّا على المدنيين، الذين سيصلون إلى مرحلة تجعلهم غير قادرين على تحصيل حاجياتهم الأساسية من الأطعمة والأدوية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تؤكّد أن القانون يستثني الأغذية والأدوية، ويركّز على منع وصول الوقود والدعم اللوجيستي إلى النظام السوري، لكن هؤلاء يجدون أن تحطيم الليرة السورية أكثر يعني تحطيم قدرتهم على العيش، وهذان الرأيان يلخّصان الجدل السوري حول تبعات القانون.

أرقام عن الألم

عاش الاقتصاد السوري خلال سنوات الثورة حالةً من الانهيار التدريجي، حتّى وصل إلى الانهيار الكامل في قدراته الصناعية والتجارية، فمدينة الشيخ نجار الصناعية، كان عدد مصانعها 1600 واليوم العدد 400 فقط، ولا تعمل بكامل طاقتها بسبب عدم توفّر كميات كافية من المحروقات، والقطاع الصناعي يختنق لدرجة مميتة.

يقول المستشار الاقتصادي الدكتور أسامة القاضي: “إن الاقتصاد السوري يعاني من نقص مناعة بدأت قبل عام 2011”.

ويقدّم القاضي، عرضًا لمجموعة أرقام تعكس حالة التدهور في البلاد، يأتي على رأسها أن 90% من السوريين اليوم تحت خط الفقر، بعد أن كانت نسبة من هم تحت خط الفقر في سوريا 50% قبل اندلاع الثورة.

في عام 2005 كان عدد السوريين العاطلين عن العمل مليون مواطن، واليوم أصبحوا أكثر من 80% من مجمل عدد السوريين.

قبل عام 2011 صُنفت سوريا في المرتبة 49 كأفشل دولة في العالم على مؤشر “يلد ستيت إندكس” وهو مؤشر الدول الفاشلة، كما كانت البلاد في عام 2011 في المرتبة 129 من الدول الأكثر فسادًا.

خلال السنوات التسع الأخيرة، انخفضت الليرة من 47 ليرة مقابل كل 1 دولار الى 2500 ليرة مقابل كل دولار وتضاعف سعر الذهب 33 مرة، وكان متوسط راتب المواطن السوري يعادل 3.5 غرام من الذهب، واليوم يعادل هذا الراتب نحو نصف غرام، حيث هبط الراتب من 300 دولار شهريًا بشكلٍ متوسّط إلى نحو 30 دولارًا، وبات هذا الراتب يعادل أقل من غرام من الذهب، بحسب القاضي، الذي اعتبر أن كل هذه المؤشّرات تنذر بمجاعة اقتصادية لا تبقي ولا تذر.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
انفجار بيروت الذي انقض على أفراحها الصغيرة وتلك الكبيرة أيضاً، لم يسلم منه أحد، لم يسلم منه شيء، حتى اللوحات الهانئة والتحف الفنية… فيما الدولة غائبة، تتصرّف وكأنّ لا شيء حدث، تشتري المزيد من الوقت على حساب خسائرنا، وحسب.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني