fbpx

لبنان: نصرالله ينهي خرافة “القبعة والطربوش”

السنة اللبنانيون هم اليوم أيتام في ظل النهاية التراجيدية لزعامتهم، فيما يعرض جبران باسيل على المسيحيين أن يستعيضوا عن الغرب بمحطة سلعاتا لتوليد الكهرباء. أما العمامة، فموقعها يبقى غامضاً في ظل الخيار الصيني، ذاك أنه لم يعرف عن الصينيين حبهم للعمامة.

قد يكون منعطف “التوجه شرقاً” خطوة الفراق الأخيرة بين الجمهوريتين الأولى والثانية في لبنان، وهي وإن لم تكن خطوة نحو الجمهورية الثالثة، لكنها خطوة افتراضية في المجهول، وربما نحو هذه الهاوية التي اسمها الشرق، إلا أنها تبقى الخطوة التي حددها مرشد الجمهورية وأمين عام حزبها حسن نصرالله، الذي يجب أن لا يُستهان بكلامه، فهو وإن حُمل بعداً غير واقعي، إلا أنه مؤشر جوهري على وجهة وعلى طموح.

لكن اللافت هو أن ما قاله نصرالله لم يستفز في المسيحيين اللبنانيين شعوراً بالإصابة! الافتراق عن الغرب مع ما يمثله هذا الافتراق من ديناميات مختلفة كل الاختلاف عن لبنان الذي أراده أجدادهم وآباءهم، لم يثر فيهم حفيظة سجال السيد الأمين العام، لا بل أن الأخير قاله مستعيناً بشعور يتمثل في أن غالبية مسيحية تقف وراءه. ثمة شيء مات إذاً. شيء انقضى، وانتقل المسيحيون في ظل هذا الموت من موقع حماية هوية الجمهورية إلى موقع البحث عن حصة في الوزارة وفي الإدارة، وعن معمل كهرباء في سلعاتا بدلاً من طرابلس أو بدلاً من الزهراني.

استعاض المسيحيون عن ميشال شيحا بجبران باسيل، وهذا ما مكن السيد من اقتراح الانعطافة نحو الشرق. وأي شرق يقترحه نصرالله؟ هو في أحسن الأحوال الصين صاحبة أكبر معتقل جماعي في العالم وفي التاريخ ربما، ذاك الذي يضم أكثر من مليون من مسلمي الإيغور. وهنا إذا انتفت حساسية

بشارة الخوري ورياض الصلح

صاحب حزب المقاومة الإسلامية حيال مسلمي الصين، فهي بطبيعة الحال لن تستيقظ حيال ما تبقى من قيم أرستها جمهورية لبنانية كان فيها غلبة للمسيحيين. هذه القيم، أو ما تبقى منها، لن تصمد بطبيعة الحال أمام ما تمليه حقيقة التوجه شرقاً. الجامعات والأسواق غير المقيدة وحرية الاعتقاد والصحافة، كلها ستكون عُرضة لـ”التوجه شرقاً”. وإذا كانت الشركات الصينية فرصة، على ما قال السيد، لكن ماذا عن الجامعات الصينية وماذا عن الصحافة الصينية وماذا عن قيم “الثورة الثقافية” التي قتل على ضفافها ملايين الصينيين؟ وهل تأتي الشركات لوحدها، إذا ما قررت أن تأتي أصلاً؟

قد يكون أهم ما في كلام نصرالله على رغم عدم واقعيته، هو توليه اختبار ما تبقى من حساسية مسيحية حيال هوية المكان الذي يعيشون فيه. والنتيجة جاءت “إيجابية”، إذا ما اعتمدنا على مؤشر “الإيجاب” الذي زودنا به “كورونا”. إيجابية لجهة تأكيدها موت مناعة مكتسبة حيال حسم هوية لبنان. فكل الصراعات وكل المنازعات وكل المشاهد والمحطات، منذ قيام الجمهورية وإلى يومنا هذا، لم تخلو من نكهة تجاذب بين الشرق والغرب في لبنان. ولم يتمكن أحد من حسم الوجهة لصالحه. ولطالما تعمد مؤسسا الجمهورية، بشارة الخوري ورياض الصلح، توزيع الأدوار حيال هذه المعادلة، فكان الأول يرتدي قبعة غربية في القمم العربية فيما يتعمد الثاني ارتداء الطربوش الشرقي وهو يقف إلى جانبه.

الجمهورية في طريقها إلى الهاوية، فيما قبعة بشارة الخوري تطير في الهواء، انتهى الأمر بطربوش رياض الصلح بين يدي سعد الحريري.

حسم السيد هذا الالتباس، ولم يجد من يقوى على الاختلاف معه، رمزياً على الأقل، فالهموم اليوم هي في مكان آخر تماماً، والجمهورية في طريقها إلى الهاوية، وفيما قبعة بشارة الخوري تطير في الهواء، انتهى الأمر بطربوش رياض الصلح بين يدي سعد الحريري.

لكن يسعنا أن نقول إن الالتباس، قبل أن يبدده أمين عام الحزب، كان أقصى عنه شريحة لبنانية بقيت تكابد استبعادها إلى أن انفجر في وجه الجمهورية، لكن أيضاً يسعنا أن نقول ان السيد استعاض عنه هذه المرة بصدع أكبر منه، وهذا فعلاً ما يجري اليوم. السنة اللبنانيون هم اليوم أيتام في ظل النهاية التراجيدية لزعامتهم، فيما يعرض جبران باسيل على المسيحيين أن يستعيضوا عن الغرب بمحطة سلعاتا لتوليد الكهرباء. أما العمامة، فموقعها يبقى غامضاً في ظل الخيار الصيني، ذاك أنه لم يعرف عن الصينيين حبهم للعمامة.     

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
خطابه اليوم كان حلقة في مسلسل الخطب التي بدأها في 17 تشرين، لكنه جاء هذه المرة مخضباً بانفجارٍ بحجم قنبلة نووية. الانفجار أكبر بكثير من أن يُصد بخطاب من هذا النوع.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني