fbpx

اسرائيل للمقدسيين : “اهدموا منازلكم أو نهدمها لكم!”

"البلدية تجعل أمر الترخيص بالنسبة إلى المقدسيين مستحيلاً، وعندما نبني ونعمر تضع أمامنا خيارين إما أن يكون الهدم بواسطة آلياتهم، ويكلفنا ذلك نحو نصف مليون شيكل، أو نهدمه بأنفسنا، وهذا يكلفنا الدموع، والحسرة التي لن تفارقنا ما دام الاحتلال يستوطن أرضنا، ويسلب حقنا".

بيدين مثقلتين بالقهر والألم انهال المواطن المقدسي صالح الشوبكي على جدران منزله ضرباً بواسطة أدوات يدوية، ليهدمه تنفيذاً لقرار بلدية الاحتلال الإسرائيلي، ويجنب نفسه تكاليف الهدم في حال نفذته الجرافات الإسرائيلية، بذريعة عدم حيازته التراخيص التي تُمنح للمقدسيين بصعوبة بالغة، ما يهدد الوجود الفلسطيني في مدينة القدس.

الشوبكي وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مُر، إما أن تهدم الآليات الإسرائيلية منزله في حي سلوان جنوب المسجد الأقصى، ويدفع غرامة مالية تقدر بـ90 ألف شيكل أي ما يعادل 25 ألف دولار، أو يهدم منزله بيده لينجو من دفع المبلغ الذي لا يمتلك حتى جزءاً منه، فاختار أخف الضررين، وهدم منزله بنفسه.

وعلى رغم أنه هدم مأواه الوحيد المكون من طبقتين، بيده بسبب عدم حصوله على ترخيص للبناء من البلدية الإسرائيلية، إلا أنه يصر على البقاء في مدينته الأصلية “القدس”، فأقام خيمة من القماش على أنقاض منزله، للعيش بداخلها مع أسرته المكونة من 8 أفراد، بعدما أصبحوا في مهب التشريد.

مقدسي على انقاض بيته

شعور صعب

يقول الشوبكي لـ”درج” بعدما حبس أنفاسه وعيناه تذرف دمعاً،” لا شعور أصعب من أن يهدم الإنسان ما بناه على مدار سنوات طويلة بشق الأنفس، بيده وبدقائق معدودة، ولكن ليس باليد حيلة، فإن لم أهدمه بنفسي، ستهدمه الآليات الإسرائيلية، ويفرض الاحتلال علينا الحبس، ودفع تكاليف الهدم المرتفعة جداً”.

ويضيف” الاحتلال أجبرني على هدم بيتي، ولكنه لن يستطيع هدم عزيمتي، وقتل عشقي وتعلقي بمدينة القدس، فلن نرحل من مدينتنا، وسنكمل الحياة داخل خيمة وعلى أنقاض شقاء العمر”.

 وفي لحظات أصبح المنزل الذي احتضن العائلة أكواماً من الحجارة متناثرة.

 هدمته 3 مرات…

سناء فراح على أنقاض منزلها

ما تعيشه عائلة الشوبكي تتجرع مرارته آلاف العائلات المقدسية، التي تخشى هدم المنازل التي تأوي أفرادها ومنشآتها التجارية، في أي لحظة. كشفت منظمة (عير عميم) الإسرائيلية، والتي تنشط في مراقبة انتهاكات إسرائيل في الضفة الغربية والقدس، النقاب عن أن بلدية القدس أجبرت 35 فلسطينياً على هدم منازلهم ذاتياً في مدينة القدس خلال النصف الأول من عام 2020.

للمرة الثالثة على التوالي تضطر المواطنة المقدسية سناء فراح (أم ثائر) لهدم منزلها في بلدة بيت حنينا شمال مدينة القدس، بمساعدة أبنائها وأهل البلدة، لعدم قدرتها على دفع المبالغ الطائلة مقابل هدمه بواسطة الجرافات الإسرائيلية.

تقف أم ثائر (62 سنة)، على أنقاض منزلها ودموع القهر والأسى تعتلي محياها، إذ تواجه التشرد والتهجير، برفقة زوجها المريض، وأبنائها الخمسة، لا سيما أن العائلة أنفقت  مدخراتها في بناء المنزل المهدوم، ولم تعد قادرة على بناء آخر. 

ووفقًا لمنظمة “بتسيلم” الحقوقية الاسرائيلية، فقد هدمت إسرائيل خلال عام 2019 في شرقيّ القدس 169 منزلًا وهو عدد يفوق مجمل ما هدمته إسرائيل كل عام منذ 2004.وقد شرّد الهدم 328 فلسطينيًّا وبضمنهم 182 قاصرًا. 42 من هذه المنازل هدمها أصحابها بأيديهم لكي يتجنّبوا دفع تكاليف الهدم التي تبلغ عشرات آلاف الشواكل في حال إرسال البلديّة آليّاتها لتنفيذ الهدم. 

والبناء غير المرخّص في شرقيّ المدينة ما هو إلّا نتيجة مباشرة للسّياسة الإسرائيليّة التي تكاد تمنع عن الفلسطينيّين أيّة إمكانيّة للبناء بموجب القانون فلا تُبقي أمامهم خيارًا آخر. هذا التضييق هو إحدى وسائل إسرائيل لتحقيق التفوّق الديمغرافيّ اليهوديّ في المدينة عبر تنغيص عيش سكّانها الفلسطينيّين ودفعهم إلى الرّحيل عن منازلهم وكأنّما بمحض إرادتهم.

منذ بداية عام 2004 وحتى نهاية عام 2019 هدمت بلديّة القدس 978 منزلًا في شرقيّ المدينة وشرّدت بذلك 3,177 شخصًا ويضمنهم 1,704 قاصرين. 

سياسة قذرة

وتقول أم ثائر لـ”درج” وملامح الحزن تخط وجهها، “منذ بناء المنزل عام 2005، والاحتلال يتبع سياسة قذرة، فعندما تقدمنا بطلب الحصول على تصريح للبناء طلبوا نصف مليون شيكل، وهذا مبلغ كبير ليس باستطاعتنا توفيره، فلم يكن أمامنا سوى بناء المنزل، وبعدما أفنينا سنوات عمرنا بالعمل لتجميد الأموال، وبناء المنزل تصدر بلدية الاحتلال قرار هدمه بذريعة عدم الحصول على ترخيص!”.

وتمضي أم ثائر بالقول،” لا يوجد أقذر من تلك الممارسات، فالبلدية تجعل أمر الترخيص بالنسبة إلى المقدسيين مستحيلاً، وعندما نبني ونعمر تضع أمامنا خيارين إما أن يكون الهدم بواسطة آلياتهم، ويكلفنا ذلك نحو نصف مليون شيكل، أو نهدمه بأنفسنا، وهذا يكلفنا الدموع، والحسرة التي لن تفارقنا ما دام الاحتلال يستوطن أرضنا، ويسلب حقنا”. 

وتتابع،” اضطررنا إلى هدم المنزل 3 مرات بأنفسنا، فالمرة الأولى عام 2011، وأمضينا ما يزيد عن عامين بالإيجار، وعام 2018 تم اخطارنا لهدمه مرة أخرى بعد إعادة بنائه من جديد، وكانت المرة الثالثة الآن، إذ منحنا يومين لإفراغ المنزل وهدمه ذاتياً بحجة عدم حصولنا على ترخيص للبناء، وإلا سوف ندفع غرامة مالية كبيرة”.

تبين المواطنة فراح أنها عندما هدمت منزلها بيدها، شعرت وكأنها تفقد أعضاء من جسدها، لأنها واجهت صعوبات كثيرة مع أبنائها لإعادة بناء منزلهم.

 وعلى رغم هدم المنزل إلا أنها أصرت على عدم مغادرته، وأقامت على ركامه لإيصال رسالة الإسرائيليين بأنها لن تركع لجبروتهم، ولا يستطيعون تنفيذ مخططاتهم الواهية في القدس.

يقول الباحث في شؤون مدينة القدس فخري أبو دياب لـ”درج”: “يواصل الاحتلال الإسرائيلي ممارسة أشكال العنصرية ضد المقدسيين، فالحصول على ترخيص بناء منزل في مدينة القدس ليس بالأمر السهل، ولا يتم منحه إلا بشكل محدود، إذ تفرض مبالغ خيالية كي لا يتمكن المقدسيون من الحصول عليه، وذلك لإذلالهم، وإجبارهم على ترك مدينتهم.”

ويضيف: “الهدم الذاتي معاناة مضاعفة، خسارة المنزل، وألم الهدم، بخاصة أن الانسان يستثمر في أغلب الأحيان مدخراته ليبني منزلاً له ولأفراد عائلته ليعيشوا فيه، فعندما يبدأ الهدم أمام أعين زوجته وأطفاله، تصبح الدنيا ضبابية سوداوية”.

كسر المعنويات وابعاد العرب

يؤكد أبو دياب أن اسرائيل تسعى من خلال الهدم الذاتي إلى كسر معنويات المقدسيين، ويعلل سبب اشتداد وتيرة هدم منازل الفلسطينيين في مدينة القدس بتنفيذ مخطط يقضي بتفريغ المدينة من سكانها العرب، وتوفير مساحات جغرافية فارغة لتوسيع الوجود الاستيطاني في مدينة القدس ومحيطها.

ومن أكثر المناطق التي تتعرض لهجمة شرسة في مدينة القدس، بحسب أبو دياب، هي سلوان بهدف تفريغها وطرد سكانها لإقامة مشاريع تهويدية، وإحلال مستوطنين بدلاً منهم، كونها الأقرب، والملاصقة للمسجد الأقصى من الناحية الجنوبية. وهذه السياسة تصاعدت مع وصول دونالد ترامب الى الرئاسة الأميركية.

يصف أستاذ القانون الدولي في جامعة القدس منير نسيبة، الهدم الذاتي بالعقوبة الجماعية لسكان مدينة القدس، ومحاسبتهم لأنهم يحملون الهوية المقدسية، ومحاولة للتغيير الديموغرافي في المدينة.

ويشير إلى أن “إسرائيل” لم تلتزم باتفاقية جنيف الرابعة، التي أكد الموقعون عليها والجهات الحقوقية والإنسانية أنها نافذة على الأراضي الفلسطينية.

 يقول لـ”درج”: “إن الأطراف الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة، تحظر هدم البيوت في بلادها، وتعتبرها جريمة بحق الإنسانية، عدا إسرائيل، فهي تتجاوز القوانين الدولية، وتصدر أوامر هدم لمئات المنازل والمنشآت بذريعة الحصول على تراخيص”. 

ويضيف:” يعاني سكان مدينة القدس من غلاء أسعار المنازل، فمنزل لا تتجاوز مساحته 100 متر مربع، تبلغ تكلفته ما يقارب نصف مليون دولار، وذلك نظراً لارتفاع ثمن الأرض، وتكاليف البناء، والضرائب المختلفة، ورسوم الترخيص التي تفرضها بلدية الاحتلال”. 

ويشير إلى أن إسرائيل تتعامل بعنصرية مع الفلسطينيين، أي أنه في حال اعتداء فلسطيني على مستوطن إسرائيلي يعاقب عقوبة قاسية، فيما لا يعاقب المستوطنون الذين يعتدون على الفلسطينيين يومياً، ويُعتَبر ذلك دفاعاً عن النفس.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني