fbpx

لبنان: الرئيس يريد تأديب الشعب

اللبنانيّون الذين يعانون، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أموالهم المحتجزة في المصارف ومستقبلهم المظلم جراء عقوبات دولية ضد "حزب الله"، لا يحتاجون إلى "ثقالة" أخرى اسمها "مقام الرئاسة" التي تفترض في هذا الوقت بالذات قدسية وكمالاً غير موجودين...

“لماذا يستهدفني شبّان وشابات بالشتائم وأنا لم أكن رئيساً للبلد أو من المسؤولين عن الاغتيالات أو الحروب الصغيرة أو من واضعي سياساته الاقتصاديّة والأمنية في السنوات الثلاثين الماضية؟”.

يفترض مستخدمو هذه الحجة المبتذلة أن جواباً كهذا يمكن أن يقنع شاباً أو شابةً يطمحان إلى العيش في بلد ديموقراطي حديث، علماني وغير عنصري، بالامتناع عن استخدام الانتقادات اللاذعة والشتائم عبر السوشيال ميديا ضد رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه.

وكأن الملوحين بالسجون ضد الشاتمين والناقدين يحاولون التعمية على  المخاوف المتصاعدة في البلد من كل حدب وصوب، آخرها مقولات “الأمن الذاتي” التي أعلن عنها صراحة “حزب الله” في الأيام الماضية وما يعنيه من تقوقع كل طائفة على منطقتها لتحميها. يحصل هذا في عهد قيل لنا تكراراً إنه عهد “قوي” فإذ بنا نعيش حقيقة أن على كل منطقة ان تنكفئ وتحمي نفسها أمنياً واقتصادياً. 

كلما ارتقت شخصية سلم المسؤولية أو الحياة العامة تراجعت حصانتها حيال النقد والتناول بل وحتى الشتم، في المقابل تزداد حصانة الأفراد والمجموعات المهمشة لأنها ببساطة الأحق في الحماية من التناول والتعرض. ما يحصل في لبنان أن المعادلة معكوسة إذ يُحَصَّن القوي ويُستَهدَف الأضعف.حيال هذه الحقيقة لا حول لنا سوى ابتداع المزيد من الشتائم…

يُلاحق شبان وشابات في وقت يتردد كلام كثير عن سلاح يقال إنه يتم توزيعه وتنظيمات يتردد أنها تنشأ ودراجات نارية تتنقل مطلقة هتافات وملوحة بتوتير طائفي. الأرجح أن الإجراءات الجديدة هي محاولة استباقية لضبط نتائج الانهيار في حدود الجوع، ولحماية وجوه المتسببين به، والفاشلين بدرئه. “علينا أن نؤدب الناس حتى يكفوا عن الصراخ”. هذا دأب أنظمة الفساد والفشل والاستبداد.

نعيش في لبنان في ظل هيكل سلطة فقدت مبررات وجودها، بلد يسابق نفسه نحو الانهيار الكامل، وبلد تزداد فيه أرقام من سقطوا في فخ العوز والجوع. وعلى رغم ذلك ثمة من قرر كمّ أفواهنا. 

وسط هذا المشهد أطل على اللبنانيين من يريد أن يهذّبهم ويؤدبهم ويطلب منهم الموت والفناء بصمت خصوصاً حيال مقام الرئيس. فمن وسط الانهيار وهذه الفضائح ظهر مدعي عام التمييز ليشهر أذوناً قضائية بملاحقة كل من يتعرض لرئيس الجمهورية ميشال عون عبر السوشيال ميديا. وفعلاً بدأنا نتابع كيف اقتيد ميشال شمعون وكندة الخطيب وقبلهما وبعدهما كثيرون، وكيف تحول البلد خلال ساعات إلى ساحة لصيد ساحرات، لحماية الرئيس من الشتيمة. علماً أن هذا الشخص لم يقدم على خطوة واحدة حيال السرقة المعلنة التي نفذتها السلطة ومصارفها. الفضيحة أكبر من أن تدارى، لكن السلطة فقدت ماء وجهها ولم تعد معنية بمخاطبة العقول وباحترام ذكاء حتى مناصريها. 

فجأة تحولت منصات السوشيال ميديا إلى مساحات تخوين ودعوات للاعتقال والملاحقة بحق أفراد نشطاء لم يفعلوا سوى أن انتقدوا أو شتموا، وبدأ ينتشر أمر سبق أن اختبرناه وهو توزيع لوائح بأسماء نشطاء وناشطات بتهم “العمالة”. وكأن المطلوب شيطنة كل ما له علاقة بالانتفاضة خصوصاً فكرة التجمع والاحتجاج والشتم، الظاهرة التي ولدت من رحم المأساة.

أيَفترض فريق رئيس الجمهورية أن على من يتابع الصعود السياسي القسري لصهره جبران باسيل ومن لا يسمع من باسيل ودائرته السياسية إلا التهويل بالطائفيّة وبـ«حقوق المسيحيين» و«استعادتها»، وبأحجام الطوائف وحصصها، والدفاع عن ممارسات مرذولة كعدم تأجير مسلمين في مناطق مسيحيّة، أو النفخ في نار العنصريّة والتحريض اليومي على اللاجئين والأجانب والحديث عن أنّنا “عنصريّون في وطنيّتنا”، أن يبقى صامتاً!…

تحولت منصات السوشيال ميديا إلى مساحات تخوين ودعوات للاعتقال والملاحقة بحق أفراد نشطاء لم يفعلوا سوى أن انتقدوا أو شتموا، وبدأ ينتشر أمر سبق أن اختبرناه وهو توزيع لوائح بأسماء نشطاء وناشطات بتهم “العمالة”. وكأن المطلوب شيطنة كل ما له علاقة بالانتفاضة خصوصاً فكرة التجمع والاحتجاج والشتم، الظاهرة التي ولدت من رحم المأساة.

اللبنانيّون الذين يعانون، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أموالهم المحتجزة في المصارف ومستقبلهم المظلم جراء عقوبات دولية ضد “حزب الله”، لا يحتاجون إلى  “ثقالة” أخرى اسمها “مقام الرئاسة” التي تفترض في هذا الوقت بالذات قدسية وكمالاً غير موجودين، لا بل أن الموجود عكسهما تماماً.

يتم تجاوز هذا كله لملاحقة من شتم وانتقد. هذه مزحة ومزحة سمجة خصوصاً حين يتم تذييلها بالتذرع بقوانين القدح والذم وإشهار عبارة “مقام الرئاسة” في وجه الغاضبين. فالتذرع بقانون غامض أصلاً من قبل سلطة لا يعرف عنها تمسكاً حاداً بالقانون وبالدستور سواء لجهة ملفات الفساد أو التعيينات أو حتى ملاحقة المعتدين والعملاء، يبدو أمراً مبتذلاً ومسرفاً في الابتذال. 

هل شاهدت يا فخامة الرئيس طوابير الناس أمام الصرافين؟ أي “قدح وذم” أكثر إذلالاً لمواطنيك من هذا المشهد؟ 

قرار  المدعي العام التمييزي القاضي غسّان عويدات بتنفيذ ملاحقة “جنائيّة” بحقّ أي فردٍ متورّط في نشر تعليقات “عدائيّة” على وسائل التواصل الاجتماعي بحق رئاسة الجمهوريّة، يأتي فيما تُطوَّق المساحات العامة بالترهيب والاعتقال، خصوصاً بحق صحافيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان.

يتواصل في لبنان عمل حثيث لاستخدام التشهير ذريعة لتطويق النقد بحيث يصبح التجرؤ على الشخصيات العامة والرسمية، جريمة.  فاستخدام قوانين القدح والذم يفترض أن يكون التعرض للمسؤولين أو الشخصيات العامة قد بلغ من الخطورة حداً يمكن أن يلحق ضرراً فعلياً، لكن هذا ليس ما يشهده لبنان.

في العالم الحر الذي نطمح أن نكون جزءاً منه وليس جزءاً من منظومات دول المنطقة، تعترف الأنظمة بأن الأشخاص الذي يُشاركون طوعاً في الحياة العامة يتنازلون عن حقوقهم الشخصيّة، وكلما ارتقت شخصية سلم المسؤولية أو الحياة العامة تراجعت حصانتها حيال النقد والتناول بل وحتى الشتم، في المقابل تزداد حصانة الأفراد والمجموعات المهمشة لأنها ببساطة الأحق في الحماية من التناول والتعرض. ما يحصل في لبنان أن المعادلة معكوسة إذ يُحَصَّن القوي ويُستَهدَف الأضعف.

حيال هذه الحقيقة لا حول لنا سوى ابتداع المزيد من الشتائم…

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني