fbpx

“لَنْ أبِيعَ إكرام” : لماذا يتنازل مَغَاربة عن حق بناتهم المغتصبات؟

"في المغرب "إكرامات" كثيرات. فقط تم التسليط الضوء على هذه القضية، والبقية تحت الظل. الانتهاكات تزداد، والشاهد على ذلك،أننا كجمعية تلقينا 15 تبليغاً عن حالات اغتصاب بما في ذلك طفلين شقيقين، مباشرة بعد حادثة إكرام".

“ما عمرني نبيع بنتي إكرام” (أبداً لن أبيِع ابنتي إكرام).

بملامح تشي بالأسى والحزن، رَدَّ والد الطفلة إكرام التي تعرضت للاعتداء والاغتصاب على الاتهامات التي طاولته عن تلقيه مقابلاً مادياً من المتهم مقابل تنازله عن القضية.

“في البداية قمت بالتنازل تحت ظروف قاهرة تدخلت فيها العائلات. أنا أعيش في مدينة صغيرة والتقاليد والأعراف لها نصيب في ما حدث، لكن الآن تراجعت عن هذه الخطوة، وندمت عليها كثيراً”، يستطرد أب إكرام في حديث صحفي مع وسيلة إعلام محلية.

فجرت قضية الطفلة إكرام (6 سنوات) التي اغتصبها رجل أربعيني جدلاً وغضباً واسعين بين المغاربة، بعد قرار المحكمة إطلاق سراح المتهم ومتابعته في حالة سراح مؤقت، بعدما ترددت أنباء عن دفعه كفالة مالية وتنازل أسرة الطفلة الضحية عن حقها.

هذه الخطوة أثارت رفضاً حقوقياً ووصفت بالفعل “الشنيع” وبأنها تكرس “للتطبيع مع جرائم البيدوفيليين” (المتحرشين بالأطفال)، و”ترسّخ مبدأ الإفلات من العقاب”.

“كثيراً ما أصادف بيدوفيليين في حالة سراح ينتشون بحريتهم الموقتة. هذا أمر يستفزنا جميعاً، أنا وأهالي الضحايا”، تقول نجية أديب، رئيسة جمعية “ما تقيش ولادي” الحقوقية، سائلة على أي أساس أو حجج قضائية يتم إقرار مثل الأحكام التي تراها “غير مستساغة” أخلاقياً وحقوقياً.  

المتهم في حالة اعتقال

بدأت  القصة في 4 حزيران/يونيو الماضي ، عندما كشف الفحص الطبي أن الطفلة إكرام تعرضت لاعتداء جنسي، إذ أفصحت لِأمها بأن رجلاً أربعينياً أقدم على هذا الفعل.

اعتقلت الرجل الأربعيني السلطات الأمنية ووضعته تحت الحراسة النظرية. وزادت الشبهات على هذا المتهم، بعدما صرّح أب الضحية للسلطات الأمنية بأنه “وقع تنازلاً كتابياً لمصلحة المتهم تحت الضغط والإكراه”.

لكن بعد يومين فقط، تمت متابعة الرجل الأربعيني في حالة سراح موقت، وفقاً لقرار محكمة الاستئناف في أغادير (جنوب غربي المغرب) بعدما دفع كفالة مالية لأسرة الضحية.

بيد أن الضغط المجتمعي والحقوقي تصاعد سريعاً فتمّ إلغاء السراح الموقت للمتهم بعدما أصدر قاضي التحقيق في محكمة الاستئناف قراراً بمتابعته في حالة اعتقال.

يرى محامون وحقوقيون أن مسألة منح بعض قضاة التحقيق البيدوفيليين السراح الموقت، غالباً ما تطبعها “المزاجية”، فالأمر يختلف من قاضي تحقيق إلى آخر.

وتناشد هذه الأصوات أن يؤخذ تنازل أولياء أمور ضحايا الاغتصاب بصرامة، فمثل هذه الخطوة ستدفع الجاني إلى تكرار الاعتداء من دون الشعور بالذنب ما دامت أسرة الضحية تسامحت.

التنازل خوفاً من “العار”

طرحت قضية الطفلة إكرام التي تعيش في أقسى مناطق البلد (دوار “ايمي اوكادير” بمدينة الحصن التابعة لإقليم طاطا/ جنوب شرقي المغرب) مسألة تنازل الوالدين المتكررة عن متابعة المتهمين المعتدين قضائياً، وهو أمر تحكمه في الغالب الأعراف القبلية والعائلية بخاصة في المناطق القروية التي تغلب عليها ثقافة الخوف من “الفضيحة” والتستر ما أمكن عن “العار”.

وكثيراً ما تلجأ مثل هذه الأسر إلى التعامل مع قضية حساسة كهذه، ودياً وحلها في إطار عائلي وعرفي، من دون وصولها إلى ردهات المحاكم، خصوصاً عندما يكون المتهم منتمياً إلى عائلة الضحية وقبيلتها.

“الآباء والأمهات لا يعرفون خطورة هذا التنازل على مسار القضية” تقول أديب.

وتوضح لـ”درج”: “الشخص المتنازل لا يعني أنه تنازل عن الدعوى، بل تنازل عن الحق المدني فقط، والدعوى تظل قائمة. أي يتم التنازل عن الحق في التعويض وحسب”.

ما يفاقم تأزم مثل هذه القضايا هو عدم دراية أولياء أمور الضحايا القصر بالقدر الكافي للبنود القانونية والحقوق المكفولة لأبنائهم. نقطة يتم استغلالها من قبل محامي المعتدين لإخراجهم من ورطتهم كالشعرة في العجين.

حصل هذا مع القاصر جوهرة في مدينة مراكش، التي ضجّت قصتها خلال شهر شباط/ فبراير الماضي، إذ تنازلت أمها كتابياً عن قضية الاعتداء على ابنتها لمصلحة المتهم وهو شخص كويتي هرب من المغرب فور حصوله على السراح الموقت، بعدما لاحقته المحكمة بتهمة “هتك عرض فتاة وافتضاض بكارتها مع تصويرها”.

وبررت الأم تنازلها بعدما أقنعها محامي المتهم بأن المعتدي سيتزوج ابنتها، وبالتالي “ستربح شرفها”. في هذه الحالة، يبدو أن المحامي استغل رغبة الأم في إنقاذ مصير ابنتها بأي ثمن، وأيضاً جهلها بتعديلات القانون الجنائي الذي يمنع تزويج الضحية من مغتصبها بعد إلغاء الفصل 475 في السنوات القليلة الماضية.

الأمر نفسه حصل مع قضية اعتداء جنسي استهدفت قاصرتين من المنطقة التي تسكن فيها إكرام (إقليم طاطا). إحداهن تبلغ 9 سنوات، تعرضت للاستغلال الجنسي والاغتصاب طيلة سنة كاملة من رجل أربعيني.

وبحسب ما أورده منتدى “أفوس للديموقراطية وحقوق الإنسان” فإن “أخ الضحية المفترضة، قدم تنازلاً للمتهم المفترض، وتم الإفراج عنه ومتابعته في حالة سراح”.

ووفقاً لشهادة شقيق الضحية، فإن التنازل عن متابعة المتهم كان بسبب جهل أمه بالنصوص القانونية، وهو أمر -يؤكد الشقيق- أنه لن يحصل، إذ قرر أن يعيد مقاضاة المتهم حتى تتم متابعته في حالة اعتقال.

الكثير من المُغْتَصَبِين تحت الظل

إكرام ليست لوحدها. بل يشاركها معاناتها أطفال وقصر تنتهك أجسادهم. ولعل قصة خديجة (17 سنة) من أسوأ الحالات التي عرفها المغرب خلال عام 2018. إذ تعرضت خديجة للاختطاف والاحتجاز والتعذيب والاغتصاب على يد 15 شخصاً. وعلقت منظمة اليونيسف على قصتها آنذاك بأنها “تنبيه حقيقي لجميع المتدخلين لتفعيل الاستراتيجيات، خصوصاً أن المحاكم المغربية عالجت 5980 حالة تعنيف لقاصرين سنة 2017”.

الأرقام إذاً مقلقة، وتعبر فقط عما هو مصرح به من أسر الضحايا، أما ما خفي فهو أعظم. ومثال على ذلك، ما ذكره تقرير “أنجزه” الائتلاف ضد الاعتداءات الجنسية على الأطفال”، خلال عام 2015، إذ أفاد بأن إجمالي الاعتداءات الجنسية على الأطفال تقدر بـ935 حالة، منها 635 من الذكور و300 من الإناث، مقابل 850 اعتداء سنة 2014.

لكن الكثير من هذه الحالات تظل تحت الظل، وقابعة خلف جدار الصمت، بخلاف قصة إكرام التي لقيت اهتماماً واسعاً، وحظيت بتضامن مجتمعي وحقوقي، ونالت انتشاراً منقطع النظير في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

عن هذا الواقع، تتحدث أديب بنبرة احتجاجية: “في المغرب “إكرامات” كثيرات. فقط تم التسليط الضوء على هذه القضية، والبقية تحت الظل. الانتهاكات تزداد، والشاهد على ذلك،أننا كجمعية تلقينا 15 تبليغاً عن حالات اغتصاب بما في ذلك طفلين شقيقين، مباشرة بعد حادثة إكرام”.

وتكمل: “المشكلة أننا نحن المغاربة نخرج لندافع عن مثل هذه القضايا بشكل مناسباتي… ثم يتم تجاهل هذه القصة إعلامياً وعلى مواقع التواصل لننتظر قضية أخرى… هذه القضايا تحتاج لتجنيد مجتمعي بشكل يومي، وليس بشكل ظرفي”.

ما الحل؟

فيما تزداد حالات الانتهاكات الجسدية والجنسية التي تمس الأطفال والقصر، تتعالى أصوات حقوقية وسياسية مطالبة تعديل بنود القانون الجنائي وإقرار أشد العقوبات بحق المعتدين.

سياسياً، طالبت أحزاب في البرلمان المغربي، بتشديد العقوبات إلى المؤبد في الحالات التي تمس أجساد الأطفال والقصر العاجزين و”المعاقين” و”المعروفين بضعف قواهم العقلية”، وتعديل بنود في القانون الجنائي يمكن أن تمنح تساهلاً مع مرتكبي تلك الجرائم.

“الأهم هو الضغط للإفراج عن مشروع القانون الجنائي وإقراره لأنه يتضمن عقوبات مشددة في جرائم البيدوفيليا، والأكثر أهمية هو عدم السكوت على مثل هذه الجرائم”، تقول الناشطة النسوية لطيفة المخلوفي، لـ”درج” إن المسألة تحتاج لتكاتف مجتمعي ومدني يشمل توعية الآباء والأمهات بقوانين حماية الطفولة وحقوقهم المكفولة تشريعياً في مراكز الاستماع ودعم الضحايا نفسياً ومواكبتهم اجتماعياً.

بالنسبة إلى أديب، الحل الناجع يكمن في إقرار “الإخصاء الكيميائي” للجناة. تقول:”نطالب بسن قانون الاخصاء في حالة اغتصاب الأطفال، وهو معمول به في دول ديمقراطية معروفة بتبنيها لحقوق الانسان… ما المانع من تنفيذ هذه العقوبة على هؤلاء الوحوش؟ لقد دمروا أطفالنا.. لذا آن الآوان لتنفيذها ولا مجال للانتظار”.

والإخصاء الكيميائي هو استخدام أدوية لخفض الرغبة الجنسية، ويمتد على فترة من ثلاث سنوات على الأقل إلى خمس، ويقول مؤيدوه إنه وسيلة لمنع مجرمي الاعتداء الجنسي على الأطفال، وهو إجراء مختَلف عليه، إلا أن دولاً اعتمدته ضد مرتكبي جرائم جنسية.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
رامي الأمين – صحافي لبناني
كيرا غورني – مركز المحققين الصحافيين الاستقصائيين ICIJ
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني