fbpx

أعمال الرعاية المنزلية في الأزمات: هل حُسِم الأمر ضدّ المرأة؟

نظراً لعمليّات الاستغلال المنتشرة في قطاع الاقتصاد غير الرسميّ وقطاع الخدمات، فإنّ النساء اللواتي يحصلْن بالفعل على أجور ضئيلة مقابل عملهنّ، أصبحن أكثر عرضة لأنْ يُحرمْن أجورَهنّ ويتوقّع منهنّ أنْ يعملْن مجاناً، إنْ لم يتمّ تسريحهنّ على الفور.

أطلق البنك الدولي وصف “مفارقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، أو عدم القدرة على تفسير الأسباب التي جعلت النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عاجزات عن المشاركة في السياسة والاقتصاد، على رغم التقدم الكبير الذي تحقّق في إمكان حصولهنّ على التعليم والتحصيل الدراسيّ، إضافةً إلى الوصول إلى الخدمات الصحّيّة. كان التذرّع بالحجج المُعتادة، وهي على وجه التحديد “التقاليد” و”الثقافة” و”الدين”؛ وبدا أنّها كافية لتبرير “مفارقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” التي لا يُمكن تفسيرها. تجلّت مظاهر هذه المفارقة واضحةً في “معدَّل مشاركة المرأة في القوى العاملة” (FLFP)، الذي يضع المنطقة عند أدنى مستوى في التصنيفات العالميّة. والواقع أنّ هذا المعدل لا يتجاوز 24 في المئة في المنطقة، أي بالكاد قرابة نصف المتوسط العالميّ.

وجَّهت نسويات في مختلف أنحاء العالم انتقاداتٍ إلى “معدَّل مشاركة المرأة في القوى العاملة”، لأنّه ببساطة لم يأخذ في الاعتبار حجمَ عمل المرأة وتنوّعَه وأهمّيّتَه وقيمتَه.

الأدهى من ذلك أنّ بعض الخبراء الرجال المرموقين صرّحوا في مؤتمرات وندوات بأنّ “النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يعملْن”، وأنّ هذه “ليست قضيّة سياسيّة”، وأنّ “لا شيء يسمَّى أعمال الرعاية” وأنّ “التكاثُر الاجتماعيّ مجرَّد قضيّة غيرِ ذاتِ شأن، وليست أكثر من مجرَّد فقّاعة ابتدعتها النسويات”.

نظراً لأنّ النساء – بفضل أنظمة المناعة الأقوى لديهنّ – يُوصَفن بأنّهن يتمتّعن بمقاومة أفضل من كبار السنّ والأشخاص الذين يُعانون من تثبيط المناعة، والذين هم أكثر عرضة للإصابة بفايروس “كورونا”، تصبح العناية بهؤلاء مسؤوليتهنّ. وعلى ذلك تجد هؤلاء النساء أنفسَهنّ مضطرات إلى قبول القيام بأنشطة خطيرة جدّاً على الفئات الضعيفة، كالحصول على البقالة والأدوية.

بيد أنّ النسويات على مدى العقد الماضي استطعن إحداثَ تحوّلات كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على الأقل على مستوى الوعي بأعمال الرعاية والتقسيم الجنسانيّ للعمل وتأثيره على فرص حياة المرأة وسُبُل عيشها. فكثيراً ما أعربت ربيعة الناصري، الباحثة النسويّة والناشطة المغربيّة، في كتابتها عن أدوار الجنسين داخل الأسَر التقليديّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكيف تُشكِّل قوانينُ الأسرة الذكوريّة وغيرها من المؤسسات الاجتماعيّة هذه الأدوارَ وتُحدِّدها، الأمر الذي يحدّ من خيارات المرأة وقدرتها على المشاركة في وظائف مستقلّة مدفوعة الأجر. وصاغت ربيعة الدورَ الذي تؤدِّيه أعمال الرعاية والتكاثُر الاجتماعيّ في الحدّ من خيارات المرأة وفرصها، ما جعلها عُرضةً – بشكلٍ خطير – لكلِّ أنواع الصدمات وغيرَ قادرة على التعافي بشكل كامل.

إلّا أنّ الدخول في حوار سياسيّ حول عمل المرأة في مجال الرعاية وأعباء التكاثُر الاجتماعيّ كان مهمّة شاقّة ومرهقة للغاية. في الواقع كثيراً ما تُناقش الرعاية تحت أسماء مختلفة في الدراسات والمؤلّفات العلميّة؛ ففي بعض الأوساط الأكاديميّة يُشار إليها بوصفها “العمل العاطفيّ” أو تُوصف بأنّها “عمل الأهل”. ومع أنّ هذه المصطلحات تُشير أحياناً إلى نهج أيديولوجيّ أو تأديبيّ أو مفاهيميّ بعينه، فثمَّة قدر كبير من التداخُل بين المواضيع التي تتطرَّق إليها. إذ تتألّف “أعمال الرعاية” عموماً من طيف واسع من الأنشطة التي تنطوي على تقديم الرعاية والعناية لكلّ من الأشخاص والأشياء معاً، وغالباً ما تكون في “محيط الأسرة”. وقد يتّسع التعريف ليشمل أشكالَ العمل التي تحدث في أماكن أخرى، مثل رعاية المسنّين أو حضانة الأطفال، والأعمال المنزليّة مدفوعة الأجر أيضاً.

خلال عملنا في مناصرة الحركة النسويّة، سعَينا جاهدين إلى إظهار حقيقة أنّ أعمال الرعاية هي قضيّة ذات طابع جنسانيّ؛ لأنّها تُعتَبر في كثير من الأحيان عملاً مُقتصراً على المرأة، وفقاً للتقسيمات التقليديّة والذكوريّة للعمل، وهي التقسيمات التي تقصُر عملَ المرأة على المحيط المنزليّ الخاصّ، بينما عمل الرجل في الميدان العامّ. ترى هذه الآراء أنّ المرأة يجب أنْ تهتمّ بالشؤون المنزليّة الداخليّة بلا أجر، والتي تنطوي على تنشئة الأطفال، ورعاية المسنّين، والاعتناء بالأسرة والمنزل والطهي وإعداد الطعام. أمّا الرجال فيعملون خارج المنزل مقابل أجر، ويوفّرون المال اللازم لإعانة الأسرة. لا تزال بعض هذه التصورات قائمة، حتى عندما يُنظَر إلى هذه المهَن باعتبارها خدمة تُقدَّم بمقابل مادّيّ، مثل العمل المنزليّ المدفوع الأجر ورعاية الأطفال، وهي مهَن تُعتبر– على نطاق واسع – مُقتصرةً على المرأة. 

وقد عكست السياسات العامّة في لبنان هذه الافتراضات في ظلّ غياب القوانين واللوائح التي من شأنها أنْ تُخفّف عبء الرعاية الذي يقع على كاهل المرأة، وذلك مثلاً من خلال توفير وسائل مُيسَّرة وبتكاليف معقولة ومدعومة لرعاية الأطفال، أو من خلال التدخّل “الجذريّ” الذي يهدف إلى تغيير العقليّات بشأن ضرورة إعادة توزيع أعمال الرعاية.

في لبنان، حيث لا تتوفّر سوى قلّة قليلة من الخدمات الاجتماعيّة التي يُمكن الاعتماد عليها وتحمُّل تكاليفها، وحيث تسود المعايير الجنسانيّة الذكوريّة، بات عبءُ أعمال الرعاية – الذي يقع على عاتق المرأة – أكثرَ أهمّيّة من أيّ وقتٍ مضى بالنسبة إلى الأداء الاقتصاديّ. وفي ظلّ غياب المساعدة في رعاية الأطفال وخطط التقاعد المناسبة، فإنّ هذه المهمات – على الأرجح – ستقع على كاهل النساء، حتى عندما تدفعهنّ الضغوط الماليّة إلى القيام بعمل مدفوع الأجر في الوقت نفسه. وبَينما يُشير التقليل من قدر هذا العمل إلى أنّه لا يُنظَر إليه باعتباره عملاً من الأساس، ومن ثمّ لا تتلقّى النساء تعويضاتٍ مقابلَ هذا العمل، ولا يُعترف به بوصفه جهداً مبذولاً يستهلك الوقت ويُسبّب الإرهاق، فإنّه لا يزال يُعتبر أولويّة لا غِنَى عنها. وهكذا، يُنظَر إلى “عمل المرأة” باعتباره نشاطاً أقلَّ أهمّيّة، لا يَرقى إلى أشكال العمل الأخرى مدفوعة الأجر، ويُبرَّر باعتباره نزعة فطريّة أو بيولوجيّة للمرأة. وكثيراً ما تؤدِّي مثل هذه المناقشات إلى تصريحات تزعم أنّ هذا النوع من العمل لا يجب أنْ يتعرَّض للإفساد أو التشويش بسبب السعي إلى التقدير والتعويض.

تكمُن الفرصة السانحة التي أتاحتها الأزمة الماليّة المصاحبة لجائحة “كوفيد-19″، في أنّها تسلّط الضوء على أعمال الرعاية والتكاثُر الاجتماعيّ بصفتهما قضايا سياسيّة تتطلّب اهتماماً سياسيّاً، وفي أنّها نقلة يتمّ خلالها وضع تصوّر للسياسات العامّة وإعادة بنائها.

تعمل معظم قوى العمل اللبنانيّة في الاقتصاد غير الرسميّ، وتشكّل النساء جزءاً كبيراً من هؤلاء العاملين. وتعني هذه الصفة غير الرسميّة مزيداً من الاستغلال والعنف، وشفافيّة ومساءلة أقلّ؛ الأمر الذي يعني إمكان إجبار النساء على العمل مجّاناً، وإلّا فمن الراجح أنْ يفقِدْن مصدر دخلهنّ نتيجة الأزمة التي تأثّر بها الاقتصاد غير الرسميّ وقطاع الأعمال منخفضة المهارات والقطاع الخدميّ خصوصاً، وجميع هذه القطاعات تشغل فيها المرأة مكانةً بارزة. 

لا بدَّ أنّ عواقب الأزمة الاقتصاديّة الحاليّة الحادّة للغاية ذات طابع جنسانيّ، نظراً للأنواع المتعدّدة من الضغوط والخسائر التي قد تواجهها النساء تحديداً نتيجةَ ذلك. ونظراً لعمليّات الاستغلال المنتشرة في قطاع الاقتصاد غير الرسميّ وقطاع الخدمات، فإنّ النساء اللواتي يحصلْن بالفعل على أجور ضئيلة مقابل عملهنّ، أصبحن أكثر عرضة لأنْ يُحرمْن أجورَهنّ ويتوقّع منهنّ أنْ يعملْن مجاناً، إنْ لم يتمّ تسريحهنّ على الفور. 

إضافةً إلى الانعدام المنهجيّ للأمان الوظيفيّ والأجور المتدنّية التي ترسخت عبر إطارٍ قانونيّ استغلاليّ وجائر، فإنّ المعايير الاجتماعيّة المتعلّقة بالنساء والعمل والاحترام، تجعلَ من تجربة العمل في إطار الاقتصاد اللبنانيّ تجربةً مزعِجة ومربِكة. وينطبق هذا خصوصاً على النساء الفقيرات اللواتي هنّ أكثر عرضة لسرقة أجورهنّ واستغلالهنّ جنسيّاً، مع افتقارهنّ إلى الوسائل الضروريّة لمكافحة هذا الوضع ومساءلة أصحاب العمل، أو ترك العمل والبحث عن خيارات أفضل بدلاً من ذلك. وبالنظر إلى أنّ أشكال الاستغلال عادةً ما تصحبها أحكام مخجِلة على الضحايا لا على الجُناة، فإنّ ذلك يمكن أنْ تترتّب عليه عواقب وخيمة على النساء اللواتي يتمّ استغلالهنّ في أماكن العمل، ويفقدْن الروابط الأسريّة وغيرها من الروابط الاجتماعيّة، وبالتالي يفقدْن مصدراً آخر للدعم والمساعدة في أنشطة الرعاية.

ثمة أدلة متزايدة على أنّ جائحة كوفيد-19 فاقَمت من وتيرة تلك التحدّيات. ففيما تناشد إجراءات الصحّة العامّة بتطبيق الحجْر الصحّيّ والعزلة الذاتيّة، ما زال يُتوقّع من النساء اللواتي لديهنّ فرصة العمل من المنزل القيامُ بأعمال الرعاية، إضافةً إلى التعليم المنزليّ لأطفالهنّ أو العناية بالمنزل وإعداد الطعام لمَن صاروا الآن يشغلونه بشكل دائم. ونظراً لأنّ النساء – بفضل أنظمة المناعة الأقوى لديهنّ – يُوصَفن بأنّهن يتمتّعن بمقاومة أفضل من كبار السنّ والأشخاص الذين يُعانون من تثبيط المناعة، والذين هم أكثر عرضة للإصابة بفايروس “كورونا”، تصبح العناية بهؤلاء مسؤوليتهنّ. وعلى ذلك تجد هؤلاء النساء أنفسَهنّ مضطرات إلى قبول القيام بأنشطة خطيرة جدّاً على الفئات الضعيفة، كالحصول على البقالة والأدوية. 

يزداد الأمر تعقيداً برغبة أصحاب العمل في ألّا يقع سوى الحدّ الأدنى من التعطيل لعمليّاتهم، وذلك باعتبارِهم أنّ الحجْر الصحيّ وأزمة الصحّة العامّة “فرصة”، من دون مراعاة أنّ أماكن العمل ومرافقه ضروريّة للكثيرين من أجل القيام بأعمالهم بفعاليّة، ومن دون مراعاة أنّ أوقات الأزمات تمثّل عائقاً أمام تدفّق الحياة اليوميّة. الآن على العاملات في المنازل أيضاً – اللواتي وُثّقَت جيّداً محنتهنّ ووقوعهنّ تحت رحمة نظام الكفالة الاستغلاليّ وأصحاب العمل المسيئين – أنْ يتعامَلنْ مع مشكلة إضافيّة تتمثّل في الوجود الدائم لأصحاب العمل. ويرجّح أنْ يُفاقِم الحجر الصحّيّ المأساة بالنسبة إلى اللواتي يواجهن الاستغلال وإساءة المعاملة في المنازل. ففي حالات الأوبئة السابقة، كان من المتوقّع أنْ تكون الممرِّضات هنّ الأكثر تضحيةً، من أجل التعامل مع انتشار المرض، مع استمرار وصمْهنّ بأنّهنّ ناقلاتٍ للمرض.

غير أنّه في مواجهة تلك التحدّيات تتضاعَف أفعال المقاومة وحركاتها، من أجل النضال ضدّ الاستهانة المتواصلة بأعمال الرعاية. فقد شهدت الظروف العصيبة، كأوقات الأزمات الاقتصاديّة، ظهور أشكالٍ من التضامن المجتمعيّ من قَبيل إنشاء تعاونيّات نسائيّة غير رسميّة، ومجموعات تضامُنيّة بين الجيران، وشبكات غير رسميّة للدعم في مسألة الرعاية بالأطفال، ومطابخَ جماعيّة، وغيرها من أشكال الدعم المتبادَل الذي تواصل النساء وضعه والعناية به، وذلك مع استمرارهنّ في التعويض عن فشل الدولة في الاعتراف بدور أعمال الرعاية التي تقوم بها النساء وبالأهمّيّة الحيويّة للتكاثُر الاجتماعيّ في الحفاظ على استمراريّة المجتمعات والاقتصادات. 

الآن باتت واضحة أكثر من أي وقت مضى الحاجة إلى شبكات الأمان الاجتماعيّ التي تدعم أنشطةً تقع في إطار أعمال الرعاية، لتخفيف الضغوط الماليّة والعاطفيّة والمادّيّة التي تنشأ مع الاضطرار إلى تحمّل كلّ تلك المسؤوليّات. تكمُن الفرصة السانحة التي أتاحتها الأزمة الماليّة المصاحبة لجائحة “كوفيد-19″، في أنّها تسلّط الضوء على أعمال الرعاية والتكاثُر الاجتماعيّ بصفتهما قضايا سياسيّة تتطلّب اهتماماً سياسيّاً، وفي أنّها نقلة يتمّ خلالها وضع تصوّر للسياسات العامّة وإعادة بنائها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
خطابه اليوم كان حلقة في مسلسل الخطب التي بدأها في 17 تشرين، لكنه جاء هذه المرة مخضباً بانفجارٍ بحجم قنبلة نووية. الانفجار أكبر بكثير من أن يُصد بخطاب من هذا النوع.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني