fbpx

اجتثاث الغابات مصدر لتفشي الأوبئة

ليست إزالة الغابات وفقدان موائل الحيوانات والصيد الجائر للحياة البرية قضايا بيئية فقط، إنها أيضاً، من بين القوى الدافعة وراء ازدياد تفشي الأمراض المعدية في العالم، ويُحتمل أنها ساهمت أيضاً في تفشي وباء كوفيد-19 الحالي.

وذلك وفقاً لأبحاث ودراسات علمية تسبق انتشار وباء كورونا. وتدق الدراسات العلمية ناقوس الخطر الذي يشكله اجتثاث الغابات على الصحة العامة منذ عقود، محذرة من أن البشرية كلما تعدت على الحياة البرية من أجل تهيئة أراض زراعية جديدة، أو إخراج المعادن (التعدين) أو اتساع حركة التمدين والعمران، زاد احتمال اتصالنا بالحيوانات البرية التي تأوي مسببات الأمراض الوبائية والمميتة. وتشير في هذا السياق، دراسة علمية جديدة نشرتها مجلة The Royal Society إلى أن استغلال البشر الحياة البرية من خلال الصيد والتجارة وتدهور الموائل والامتداد العمراني وزيادة ما يسميه العلماء “التداعيات”، يسهل الاتصال الوثيق بين الحياة البرية والبشر، ما يزيد من خطر انتقال الفايروسات المنتشرة بين الحيوانات مثل الخفافيش والقرود والحيوانات الاخرى إلى البشر. كما وجدت الدراسة التي أُجريت قبل تفشي كوفيد- 19 ونشرت بتاريخ 08/04/2020، أن هذه الأنشطة تحط من جودة موائل الحياة البرّية، ما يؤدي إلى انخفاض أعداد الحيوانات البرية وخطر الانقراض.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الغرابة لا تكمن في تفشي وباء “كورونا” القاتل، بل تكمن في استغراب الدول والمجتمعات من ظهوره، ذاك أن الفايروس المستجد ليس سوى جزء من عائلة أكبر سبق أن ظهر منها فايروس سارس، عام 2002 في موطن كوفيد-19 نفسه، الصين. وفي سياق تحذيرات العلماء منذ نهاية القرن وبداية الألفية الثانية من خطر انتقال الفايروسات الوبائية الحيوانية المنشأ الى البشر، حذرت مجلة The Royal Society B عام 2001 من خطر انتقال الأمراض الناشئة إلى البشر. ويقول الباحثون المشاركون في تلك الورقة العلمية التي سبق اعدادها ونشرها أوبئة سارس ومُتلازمة الشرق الأوسط التنفسية وإيبولا وكوفيد- 19، إن مسببات الأمراض الحيوانية المنشأ من المحتمل أن ترتبط بالأمراض الناشئة أكثر من الأمراض غير الناشئة، و75 في المئة من بين مسببات الأمراض الناشئة هي أمراض حيوانية ناتجة عن الاتصال الوثيق بين الحيوانات والبشر. ومثلت تلك الدراسة بحسب كتابها، أول تحليل كمي يحدد عوامل الخطر لظهور المرض البشري. ووفق الفحوص التي أجراها العلماء، تستضيف الثدييات، على الأقل، 139 من أصل 142 فايروس من المنشأ الحيواني.

بحسب البروفيسورة جانيت آيكوفيج، في كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الوطنية في سنغافورة، هناك طرائق عدة للتأثير في تغير المناخ على الأمراض المعدية الناشئة والمميتة مثل “كورونا”. أولاً، انخفاض التنوع الأحيائي، إثر طريقة استخدامنا الأراضي مثل إزالة الغابات من أجل زيت النخيل أو التنمية الاقتصادية، فضلاً عن نتائج تغير المناخ نفسه، مثل حرائق الغابات والفيضانات التي لا يمكن السيطرة عليها، تقلص المسافة بين الناس والحيوانات التي تنشر المرض أيضاً. تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 75 في المئة من الفايروسات الجديدة، حيوانية المنشأ وتنتشر جراء قيامنا نحن البشر في كثير من الحالات بإزاحة الحيوانات من موائلها الطبيعية. 

إن الغرابة لا تكمن في تفشي وباء “كورونا” القاتل، بل تكمن في استغراب الدول والمجتمعات من ظهوره.

السبب الثاني بحسب آيكوفيج هو الطقس الساخن وزيادة هطول الأمطار نتيجة لتغير المناخ والذي يوسع المناطق الجغرافية المعرضة للأمراض، خاصة الملاريا وحمى الضنك وزيكا. ومع ارتفاع درجة حرارة المناخ، تنتقل الحشرات (مثل البعوض) إلى أماكن، لم يسبق لها وجود من قبل، ويجلب معه المرض. أما المثال الثالث فهو جودة الهواء، نتيجة التلوث الناجم عن حرق الوقود الأحفوري وحرائق الغابات، وهذا يؤدي إلى أمراض الجهاز التنفسي، ويمكن أن يؤدي إلى تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية.

وتشير دراسة جديدة نشرتها مجلة Science Magazine، إلى أن الغابات حول العالم تتغير مع احترار الأرض وموجات الجفاف القاسية والحرائق البرّية والأوبئة التي تقضي على الأشجار. ويشير الباحثون المشاركون في كتابة الدراسة إلى أن تغير المناخ يسرّع في موت الأشجار، ويوقف نموها ويجعل الغابات في جميع أنحاء العالم أصغر وأقصر. وبحسب مؤلف الدراسة الرئيس والعالم في مختبر باسيفيك نورثويست الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية نيت ماكدويل، من المرجح أن يستمر هذا الاتجاه مع ارتفاع درجة حرارة المناخ. ويشير في هذا السياق، إلى أن كوكب المستقبل الذي يحتوي على عدد أقل من الغابات القديمة الكبيرة سيكون مختلفاً تماماً عما اعتدنا عليه، ذاك أن الغابات القديمة تأوي تنوعاً بيولوجياً أعلى بكثير من الغابات الصغيرة كما أنها تخزن ثاني أوكسيد الكربون أكثر من الغابات الصغيرة. 

ببساطة شديدة، تنتج الأشجار هيدروكربون كوقود للنمو وتخزن كل شجرة في دورة حياتها ما يقارب 22 طناً من ثاني أكسيد الكاربون في جذوعها وأغصانها وأنظمة جذورها. وحين تنهي الفطريات والبكتيريا حياتها وتموت، تولّد الكمية ذاتها من ثاني أوكسيد الكاربون وتطلقه إلى الجو. تالياً، إن الغابات تعمل بطريقة عملاقة في تصفية وتخزين مكونات الهواء باستمرار. ويصح القول إن بعضاً من ثاني أوكسيد الكربون يُطلق الغلاف الجوي بعد موت الشجرة، لكن معظمه يبقى محصوراً في النظام البيئي إلى الأبد.

بناءً على ما ذكر، إن الغابات الجديدة التي تنبعث على أنقاض الغابات القديمة ليست قادرة على تخزين أقل لثاني أكسيد الكربون المنبعث من حرق الوقود الأحفوري فحسب، بل هي غير قادرة أيضاً على إيواء أنواع معينة من الأحياء تعيش عادة هناك، ما يضر بالدور الذي تلعبه في التخفيف من الاحترار العالمي، ذلك أن فاعلية الغابات مرتبطة بنظام بيئي خلاق متنوع وتتعطل حين يتم تجريدها من الحيوانات ونظام الأحياء الدقيقة (ميكرو-أورغانيزم)، أي أنها ليست قائمة بذاتها ولذاتها. وبحسب الصندوق العالمي للحياة البرية، 80 في المئة من الأنواع البرية في العالم تعيش في الغابات، ويسبب موت الأشجار وإزالة الغابات على نطاق واسع بالتالي إلى تعطيل هذا النظام الأيكولوجي وتعطيل حياة البشر ضمناً. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني