fbpx

“مش حزب الله”!

ما يحصل الآن هو احتلال السلطة ساحة التظاهر. الأحزاب تدفع مناصريها إلى هناك فيما يجلس قادتها في غرف السلطة المظلمة. الحكومة مشكلة من أطراف محددة الهوية السياسية، وهذه الأطراف هي نفسها جزء من "الثورة الجديدة"! أي متاهة هذه؟

ثمة شيء في تظاهرات اليوم في بيروت لا يشبه تظاهرات انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019. عدم التشابه لا يقتصر على التباس هوية الداعين إلى تظاهرات اليوم، ولا على وجوه المشاركين، ولا على مسرح التظاهرة ومتونها وهوامشها. الدافع إلى التظاهر اليوم والمحرض عليه، أي قوة الدفع التي تلقيك بالتظاهرة وتدفع بك للاندماج فيها، ربما هو بعض من هذا الفارق، أما بعضه الآخر فيتمثل في غياب الأبطال السلبيين الذين وجدنا أنفسنا نهتف ضدهم ونشتم أمهاتهم ونتجرأ على زعرانهم، هؤلاء غائبون عن تظاهرة اليوم، وحلت محلهم “كلن يعني كلن” غامضة وبلا وجوه وأسماء. “كلن يعني كلن” للهرب من “حزب الله” ومن نبيه بري، ولإخفاء وجه سعد الحريري خلف وجه شقيقه بهاء. و”كلن يعني كلن” لتوظيفها في اللقاء بين “سيدتنا عايشة” و”شيعة شيعة شيعة”. وفي أحسن الأحوال اختفت الوجوه وحل محلها وجه شربل نحاس، غير مبتسمٍ، وعارضاً نفسه قائداً للثورة الجديدة.

في تظاهرات تشرين كنا نتظاهر شاهرين وجوه خصومنا. “كلن يعني كلن” شطبت وجه سعد الحريري أولاً وأكملت طريقها إلى عين التينة مروراً بجبران باسيل والسيد الرئيس، ولم يدارَ وجه حسن نصرالله على رغم الخطر المحدق بالمجاهرين به. اليوم ضد من نتظاهر؟ في الليلة الأولى قدموا لنا قرباناً اسمه رياض سلامة، ثم عاد قائد “الثورة الجديدة” دولة الرئيس نبيه بري وسحبه من التداول الثوري! متظاهرو اليوم لا يريدون التعرض لـ”حزب الله”، وبما أن التعايش حل على الساحة بصيغة لقاء بين “شيعة شيعة شيعة” و”سيدتنا عايشة”، فإن هذا التعايش يُملي عدم الاقتراب من الحريري والحريرية. الحكومة أيضاً يجب ألا تسقط، فهي حكومة الحزب وحكومة الممانعة. رئيس الجمهورية خط أحمر، وصهره ما عاد نجم السلطة على رغم نفوذه الواسع فيها. إذاً ضد من نتظاهر؟ ما يحصل اليوم هو رقصة يأس مضبوطة الوجهة. أقصى ما يمكننا فعله هو رفع صورة شربل نحاس والهتاف ضد سلطة فاسدة لا وجوه لممثليها ولا أسماء ولا عناوين.

“الناس جائعون”، لكن من جوعهم؟ المصارف؟ إذاً فلنحطمها! إنها الشريك الأصغر في واقعة الإفلاس والسطو، لكنها العدو الأسهل، وهي من نخفي خلفها خوفنا الكبير من السلطة الأصلية. ليست المصارف ضحايا من دون شك، وجشعها طاف على وجوهنا وابتلع مدخراتنا. ننزل كل مساء إلى ساحة التظاهر ونواصل ما بدأناه في الليلة التي سبقتها من تحطيم لزجاج الأبنية ومطاعم الأوليغارشية رافعين صوراً بائسة لقائد الثورة الجديد شربل نحاس. إنها النسخة المنقحة من السلطة لثورة تشرين.

ما تشهده ساحة التظاهر اليوم ليس ظاهرة احتجاج، ولا مشهد ثورة. هو مجرد إفساح السلطة مجالاً للصراخ، على أن يعود الفتية إلى منازلهم بعدها ويناموا بعد حفلة الغضب في الداون تاون. دورة هذيان يومية تُمرر من خلفها التعيينات المالية والإدارية وتوقع الصفقات ويُعطل “حزب الله” خلالها قدرتنا على مفاوضة صندوق النقد الدولي ويستجمع جبران باسيل في ظلها ما تبقى من ملفات لم يسبق أن شملها بنفوذه.

ما يحصل الآن هو احتلال السلطة ساحة التظاهر. الأحزاب تدفع مناصريها إلى هناك فيما يجلس قادتها في غرف السلطة المظلمة. الحكومة مشكلة من أطراف محددة الهوية السياسية، وهذه الأطراف هي نفسها جزء من “الثورة الجديدة”! أي متاهة هذه؟ من المسؤول عن الانهيار والإفلاس؟ الجواب الأول الذي يصدر عن “الثورة الجديدة” هو: “مش حزب الله”! علينا أن نشارك في تظاهرة شعارها الأول “مش حزب الله”! لا تصح المشاركة بغير هذا الشعار، وإلا كان صاحبه فتنوياً، وبما أننا قبلنا بتحييد الحزب، فعلينا أن نحيد الحريرية، وإلا اتهمنا بأننا أصحاب فتنة. لكن ماذا عن جبران وصحبه؟ فهم بدورهم يستحقون منا تجنيبهم بذاءة الثورة الأولى.

ما تشهده ساحة التظاهر اليوم ليس ظاهرة احتجاج، ولا مشهد ثورة. هو مجرد إفساح السلطة مجالاً للصراخ، على أن يعود الفتية إلى منازلهم بعدها ويناموا بعد حفلة الغضب في الداون تاون. دورة هذيان يومية تُمرر من خلفها التعيينات المالية والإدارية وتوقع الصفقات ويُعطل “حزب الله” خلالها قدرتنا على مفاوضة صندوق النقد الدولي ويستجمع جبران باسيل في ظلها ما تبقى من ملفات لم يسبق أن شملها بنفوذه.

ما يحصل اليوم ليس امتداداً لـ17 تشرين. ففي حينها كنا نعرف هوية السلطة ووجوه أصحابها، ولم نخف ولم ندارِ، وكانت التظاهرة تتوجه من أمام مصرف لبنان في الحمراء إلى الوسط التجاري رافعة صور الجميع ومتحدية فينا خوفنا من “حزب الله”، ومارة من أمام مدخل الخندق الغميق حيث كنا نهتف هناك مع شعور بأن أهل الخندق على وشك الانضمام إلينا، نحن الذين أطحنا بسعد الحريري، ولنا الحق في أن نطيح بنظرائه في السلطة.

اليوم انكفأ الجميع وصار شعار التظاهرة: “ليس حزب الله”. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يمنى القاضي – صحافية مصرية
أسباب انطلاق تلك الاحتجاجات، تعود إلى حملات الإزالة التي قامت بها السلطة التنفيذية، استناداً إلى قانون التصالح الجديد في مخالفات البناء، واستفاد محمد علي وجماعة الإخوان المسلمين من هذه الاحتجاجات وروّجوا فكرة أنها أتت استجابة لدعوات أطلقوها.

2:57

2:57

2:09

2:09
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني