fbpx

هل أصبح البرلمان يشكل خطراً على علاقات تونس الدولية؟

مع "الحصار" البرلماني الذي تشهده "حركة النهضة" من "حركة الشعب" و"كتلة الدستوري الحر"، يتزايد الخناق الحكومي عليها وهو ما بدا جلياً بإعلان راشد الغنوشي رغبة حزبه في توسيع الائتلاف الحاكم.

لم يمض أسبوع على إسقاط نواب البرلمان التونسي لائحة كان تقدم بها “الحزب الدستوري الحر”، لـ”رفض التدخل الخارجي في ليبيا، ومناهضة تشكيل قاعدة لوجستية داخل التراب التونسي”، حتى ناقش النواب لائحة جديدة تقدمت بها “كتلة ائتلاف الكرامة”، المعروفة بقربها من “حركة النهضة” أو الاخوان المسلمين، تطالب الدولة الفرنسيّة بالاعتذار من الشعب التونسي عن جرائمها في فترة الاحتلال.

وعلى رغم أن العلاقات الخارجية وتحديد الخطوط الكبرى للديبلوماسية، مهمتان دستوريتان من صميم صلاحيات رئيس الجمهورية قيس سعيد، إلا أن “ائتلاف الكرامة” أراد المضي في خوض معركة بالنيابة عن “حركة النهضة”،مصمماً على الظهور في الواجهة بدلاً من رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، ضد عبير موسي، رئيسة “الحزب الدستوري”.

ساعات من المشاحنات والعراك، رفعت فيها الجلسة العامة مرات عدة، لم تفض إلى المصادقة على لائحة “الاعتذار الفرنسي العلني والرسمي على كل ما اقترفته في الدولة التونسية”. والتي طالب فيها رئيس كتلة ائتلاف الكرامة سيف المخلوف الدولة الفرنسية بتعويض الدولة التونسية وكل المتضررين من الجرائم والانتهاكات في حقبة الاستعمار “تعويضاً عادلاً مجزياً طبق ما تقتضيه القوانين والأعراف الدولية”. 

77 نائباً فقط صوتوا لمصلحة اللائحة مقابل 46 متحفظاً و50 رافضاً، من أصل 217 نائباً. نتيجة بدت مفاجئة للبعض لا سيما أن “حركة النهضة” من مصلحتها هي وحليفها فايز السراج في ليبيا الضغط على فرنسا حليفة خليفة حفتر والمحور الذي يدعمه.

المحلل السياسي خليفة شوشان يرى أن “المشاريع المتتالية للوائح البرلمانية، على رغم مشروعية بعض مضامينها، إن كان من كتلة الدستوري الحر أو ائتلاف الكرامة، إلا أنها لا تصبّ في خانة المصلحة الوطنية بقدر ما هي أوراق ضغط يمارسها النواب في إطار المزايدات وتسجيل النقاط السياسية لمصلحتهم ومصلحة حلفائهم في الخارج”.

الغنوشي

ويعتبر شوشان أن “ائتلاف الكرامة قد تعجل في تقديم هذه اللائحة، اندفاعاً منه في معركة ضد عبير موسي لمصلحة رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، إذ بات جلياً عدم توفر قدر كاف من الصياغة الجيدة لهذه اللائحة، فظهرت متهافتة من حيث الشكل والأصل وهو ما أكدته مداخلات نواب.”

شكلاً، كان يفترض التوجه بالطلب إلى رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد، فهو المكلف بالعلاقات الخارجية والمخول وحده مخاطبة نظيره الرئيس الفرنسي وطلب الاعتذار باسم الدولة والشعب التونسيين لا التوجه بالمطالبة مباشرة من البرلمان إلى الرئاسة الفرنسية.

ويشير شوشان إلى أنّ “اللائحة صيغت بعبارات وبلغة أقرب إلى السجال السياسي وأبعد ما يكون من تقليد التراسل الديبلوماسي بين الدول، أما من حيث الأصل فقد عكست اللائحة قراءة قاصرة ومسيسة للتاريخ التونسي والحركة الوطنية التونسية، أقلها أنها لا تعترف بالاستقلال الوطني”.

اللائحة تعمدت أيضاً عدم التنصيص على تاريخ 20 آذار/ مارس 1956 وهو تاريخ استقلال تونس، في حين أنه من المفترض أن يحوز مطلب الاعتذار من دولة استعمارية، وهو طلب مبدئي ومشروع على أوسع إجماع وطني أو على الأقل بين الكتل والنواب الممثلين للشعب. لكن على رغم ذلك، لم تحصل اللائحة على عدد الأصوات المطلوب حتى تتم المصادقة عليها.

هل سيحتمي الغنوشي بالقروي الذي لا تزال تحوم حوله شبهات فساد ويفتت كيانه السياسي كما فعل في السابق مع الباجي قائد السبسي وحركته “نداء تونس”؟

بعد إسقاط لائحة رفض التدخل في ليبيا، بات من الواضح أن تونس قد ألقى بها نوابها في قلب صراع المحاور الإقليمية المتصارعة في ليبيا. وبدأت تتأكد الاتهامات المتبادلة بين النواب حول ولاء بعضهم للمحاور التركية القطرية، والإماراتية الروسية.

وعلى رغم أن البلاد تجابه أزمة اقتصادية خانقة إبَّان انتشار جائحة “كورونا”، إلا أن السلطة التشريعية ارتأت تغليب مصالحها السياسية 

وهو ما ينذر بتأثيرات سلبية على الداخل التونسي.

يرى الباحث توفيق يعقوب في هذا السياق أن البرلمان التونسي أصبح وكأنه يشتغل بالوكالة، إذ إن سقوط لائحة رفض البرلمان التونسي التدخل الخارجي في ليبيا على رغم أهميتها وبصرف النظر عن الجهة التي تقدمت بها، إنما “نتيجة نابعة من السياسات الخاصة بالاصطفافات والمصالح الحزبية الضيقة، وليس دعماً لمصلحة ليبيا كجار استراتيجي وجب رفض كل أشكال التدخلات الأجنبية على أراضيه. ومن شأن ذلك الإضرار تضر حتى بالمصالح التونسية في حال تم تجاهلها وسنجد أنفسنا رويداً رويداً نحتضن قاعدة لوجيستية على الأراضي التونسية لتسهيل تنفيذ العمليات العسكرية”.

ويشير يعقوب إلى أن “حزب التيار الديموقراطي” مثلاً عندما لم يصوت لمصلحة اللائحة، لم ينظر إلى كل المصالح التونسية الليبية التي ذكرت سلفاً، بل امتنع نوابه عن التصويت على اللائحة حتى لا يحسب عليه أنه كان اصطف في مسار عبير موسي، الرافضة للثورة وغير المعترفة بشهدائها، و”القيادية” السابقة في نظام بن علي.

أما “حركة النهضة” فدعمها اللامشروط لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، نابع عن خشية شديدة على مصالحها، لا سيما عندما كان حفتر قريباً من الحدود التونسية في القاعدة العسكرية الليبية “الوطيّة”. إذ تبدو حركة النهضة وفق يعقوب خائفة من تكرار السيناريو الذي حصل مع حركة الاخوان المسلمين في مصر، وتجد نفسها معزولة عما يحدث في المنطقة.

هذا التقدم الذي أحرزته حكومة فايز السراج تعتبره النهضة “انتصاراً جيوستراتيجياً” لها بصرف النظر عن مصلحة تونس كدولة، بل تحدد رؤيتها من منظروها كفرع من تنظيم عالمي يسعى إلى استعادة قواه، بعدما تهاوت في مصر.

ومع “الحصار” البرلماني الذي تشهده “حركة النهضة” من “حركة الشعب” و”كتلة الدستوري الحر”، يتزايد الخناق الحكومي عليها وهو ما بدا جلياً بإعلان راشد الغنوشي رغبة حزبه في توسيع الائتلاف الحاكم. وبدأ الضغط منذ مدة على رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ لضم وزراء من “حزب قلب تونس” الذي يرأسه رئيسه نبيل القروي.

فهل سيحتمي الغنوشي بالقروي الذي لا تزال تحوم حوله شبهات فساد ويفتت كيانه السياسي كما فعل في السابق مع الباجي قائد السبسي وحركته “نداء تونس”؟

.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني