fbpx

هل المشكلة في عبارة All Lives Matter؟

الإشكالية لا تكمن في حوادث فردية ومتفرقة، بل هي عملية ممنهجة وعقلية سائدة لدى كثيرين في المجتمع الأميركي، ولكي تجابه وتُحل، يجب أن تكون علنية وواضحة.

مع تصاعد الاحتجاجات العالمية الداعمة للحراك الأميركي ضد الظلم والعنصرية الممنهجة، وخصوصاً تجاه مواطنين من أصل أفريقي، تكرس شعار “حياة السود مهمة”Black Lives Matter ليكون مجدداً عنوان المنتفضين في الشارع، كما بات وسماً شائعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.والتضامن مع السود يسلط الضوء على جذور مشكلة العنصرية التي ارتبطت بالتاريخ الأميركي.

“حياة السود مهمة” هي حركة نشأت في المجتمع الأميركي الأفريقي تهدف إلى التخلّص من العنف ضد الأشخاص السود. تنظّم الحركة تظاهراتٍ ضدّ مقتل أفراد من العرق الأسود من قبل ضباط الشرطة بشكل منتظم، إضافة إلى مشكلات أخرى حول التنميط العنصري وعنف الشرطة واللامساواة القائمة على العنصرية.

 النظام القضائي الأميركي 

انطلقت هذه الحملة عام 2013 عندما انتشر هاشتاغ Black Lives Matter، وكان ذلك رد فعل بعد محاكمة جورج زيمرمان في قضية قتله صبياً أميركياً من أصول أفريقية. ومنذ ذلك الوقت، تنظم هذه الحركة اللامركزية تحركات وحملات، تدعو إلى المساواة والتعامل مع السود بعدل ونبذ التنميط. 

لكن Black Lives Matter لم تنجُ من الانتقادات ونشوء حركات وشعارات أخرى كرد فعل عليها. من أبرز ردود الفعل هو شعار All lives Matter “جميع الحيوات مهمة”، والتي تعتقد أن شعار “حياة السود مهمة” يجب أن يكون أشمل، ومن البداهة أن تكون جميع الحيوات مهمة بالتساوي، ولربما كما يعتقد البعض أن حركة Black Lives Matter قد أخطأت عندما حصرت شعارها بالسود فقط.

استبدال الشعار بآخر أعمّ ونوعاً ما مبهم، والى حد كبير مثالي، يجرد الأمور من معانيها ويشتت الخطاب، ما يخلق نوعاً من التهرب من مجابهة الأمور كما هي

إنما هناك لغط في فهم الأمور من ناحية رمزية لغوية. فحركة Black Lives Matter خلقت من أجل هدف محدد وهو تسليط الضوء على العنصرية المستشرسة في الولايات المتحدة. أما All Lives Matter فتؤكد أن هذا الشعار غير سليم، ويحتاج ليشمل البشر أجمعين لكي يعبر عن المساواة التي يدّعيها، وإلاّ فهو عصري وإقصائي، كالمنظومة التي يسعى إلى تغييرها.

من المنطلق الرمزي، Black Lives Matter كعبارة هي مجموعة كلمات تؤدي وظيفة ورمزية (دال)، كل منها يعبر عن فكرة معينة (مدلول)، وعند اجتماعها، تصبح رمزاً أشمل، أي تصبح مزيجاً من الأفكار وما يعبر عن هذه الأفكار من كلمات وعبارات. والمبادئ أو الأفكار التي تنضوي تحت شعار Black Lives Matter هي كالتالي: “جميع الحيوات مهمة بالطبع، ولكن، بالنسبة إلى الأميركيين، يبدو أن حياة من هم من أصول افريقية ليست مهمة بالقدر نفسه، والتجارب اليومية تثبت هذا، ولذلك، يجب إيضاح الفكرة والنضال من أجلها”. هذا يجعل العبارة تقوم بوظيفة وصفية، أي تصف الواقع كما هو على الأرض، من ممارسات خاطئة وغير إنسانية تجاه فئة معينة، وفي الوقت نفسه، تقوم بوظيفة أخرى، وهي معيارية، أي تخبرنا ما يجب أن يحصل في هذه الحالة، وكيف يجب أن نتصرف إزاء هذخ المشكلة. وهنا تجيبنا الحركة، بأنه في الحملات التي تدعو إلى المساواة بين المواطنين، على حيوات الأميركيين السود ان تكون أكثر أهمية لكي ننصفها، لأنها مشكلة موجودة بالفعل. 

في المقلب الآخر، تقوم عبارة وحركة All Lives Matter بوظيفة طمس الهدف المنشود من حركة “حياة السود مهمة”، وتضليله. يمكننا أن نعتبر أن العبارة الثانية (All Lives Matter)، بنيت على الأولى 

(Black Lives Matter)، ولولاها لما كانت موجودة. ولكن، ما يحصل هو أنها تأخذ المعنى والهدف المنشود وتحوره بطريقها، بتعبير آخر، تستعمره لأهدافها كما يقول رولاند بارت، ويمكن أن تكون لديها نية جيدة، إنما حتماً تأثيرها سلبي على أي نتائج مرجوة من مطالب المساواة للمواطنين السود. 

ما تفعله All lives Matter هو الاستيلاء على Black Lives Matter وتقويض خطابها، وخلق دلالات جديدة وعامة، تريدها أن تصبح هي المعنى الوحيد للحركة. كمقولة، جميع الحيوات مهمة، يوافق عليها كل من يحترم الإنسان وحقوقه، وبلا شك إنها الهدف الأسمى والأكثر عدلاً، ولكنها لا تكتفي بهذا، فهي تمحو شيئاً فشيئاً (ومن غير قصد)، خصوصيةBlack Lives Matter وصوابيتها. 

ما نعنيه بالخصوصية، هو الطابع الخاص لمعاناة السود في الولايات المتحدة، أي أنهم هم الذين يعانون من التفرقة والمعاملة العنصرية منذ ولادة البلاد، و الإشكالية لا تكمن في حوادث فردية ومتفرقة، بل هي عملية ممنهجة وعقلية سائدة لدى كثيرين في المجتمع الأميركي، ولكي تجابه وتُحل، يجب أن تكون علنية وواضحة.

التغاضي عن هذه المشكلة، واستبدال الشعار بآخر أعمّ ونوعاً ما مبهم، والى حد كبير مثالي، يجرد الأمور من معانيها ويشتت الخطاب، ما يخلق نوعاً من التهرب من مجابهة الأمور كما هي، فالسود عرضة للعنصرية والمعاملة السيئة أكثر من غيرهم، وهناك الكثير من الظلم وعدم المساواة في أميركا، ولا بد من السعي لتغيير ذلك، وهذا بالنسبة إلى كثيرين يعطل حركة الأميركيين من أصل أفريقي نحو مجتمع أكثر عدلاً، ويقلل من أهمية القضية التي عانوا منها لقرون.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني