fbpx

“كأنها حدثت للتو” : ذكريات حلبيّة عن الهزيمة الحزيرانية…

كيف بإمكان هضبة فيها كل تلك الجبال والوديان أن تسقط، وعند كل تلة كنت أسأل ذلك السؤال الغاضب: لكن كيف سقطت الجولان؟ بالنسبة إلي بدت الهزيمة كأنها حدثت للتو

كان عمري 13 سنة، وقت الهزيمة الحزيرانية، وكنا نقطن في حي الكلاسة الشعبي (بستان القصر)، المعروف بحيويته، وناصريته، وكانت حلب كلها (كما سوريا)، كأنها مرجل يغلي من الحماسة، التي أجّجتها الأناشيد الحماسية التي تبثّها الإذاعات، كـ”أمجاد يا عرب أمجاد” و”الله أكبر فوق كيد المعتدي” و”راجعين بقوة السلاح… جيش العروبة يا بطل الله معك”، لا سيما “صوت العرب” من القاهرة وإذاعة دمشق، والتي كان مذيعوها مأخوذين بأصواتهم الفخمة ومنتشين بكلماتهم الطنانة. 

المشهد الأول

في تلك الأجواء تصاعدت الدعوات لتسلح الشباب، وأخذهم إلى الجبهة للمشاركة في القتال، وقد استجابت السلطات السورية لذلك، لامتصاص غضب الشارع، معلنة عن إمكان استيعابهم في ما بات يعرف بـ”الجيش الشعبي”، وتم تحديد مركز للتطوع والتدريب في مدرسة صلاح الدين قرب باب انطاكية، المجاور لحي الكلاسة. هكذا ذهبت إلى تلك المدرسة، التي أضحت مركزاً عسكرياً، متحمساً مع المتحمسين، لكن تم استبعادي بحكم عمري، في حين تم تسليم الشباب الأكبر مني بندقية بولونية، لمجرد التدريب، علماً بأنها مجرد عصا، فهي من مخلفات الحرب العالمية الأولى أو الثانية، لا تطلق إلا دراكاً وليس رشاً (أي بين كل طلقة وطلقة يجب أن تسحب “الترباس”)؛ أي إنها كانت بمثابة سلاح مهزلة. وللعلم فهي البندقية ذاتها التي أو تدربت بها في ما بعد، في مقرر حصة درس “الفتوة”، في مرحلة الدراسة الثانوية، التي شرعها النظام كدرس إلزامي لطلاب تلك المرحلة؛ مع معسكر إلزامي صيفي مدته 14 يوماً. وجدير بالذكر أن “الفتوة” في المرحلة الثانوية والتدريب الجامعي في المرحلة الجامعية، كانت كناية عن سياسة انتهجها النظام لعسكرة المجتمع السوري، والسيطرة على الفضاء العام (مع منظمات من الشبيبة والطلائع)، لضبط الشباب وتدجينهم، وتلك كانت الوظيفة الأساسية لها. وعودة إلى موضوعنا، إسرائيل لم تنتظر انتهاء الأيام القليلة لتدريب الشباب المتطوعين، إذ إنها باغتت الجميع بهزيمة أنظمة عربية عدة في 6 أيام، فقط، ما يعني أن جهود الشباب ذهبت هباء، والنتيجة أنها احتلت أضعاف مساحة فلسطين من أراضي ثلاث دول عربية، وحينها سميت تلك الهزيمة “النكسة”، كأن ذلك يخفّف من وطأتها أو يحجب حقيقة كونها نكبة ثانية، بالقياس إلى الأولى (1948). 

المشهد الثاني

بعدما أغلق باب التطوع للذهاب إلى الحرب، بقيت التظاهرات كوسيلة للتعبير عن المشاعر، والمشاركة الجمعية في هذا الحدث التاريخي. هكذا، وبينما نحن في تظاهرة عند ثانوية المأمون، في حي الجميلية في حلب، إذا بخبر الهزيمة، وسقوط الجولان واحتلال سيناء والقدس والضفة الغربية يسقط علينا كالصاعقة، إذ كنا في وضع من ينتظر أخبار الانتصار من الإذاعات المذكورة، ولا أقل من تحرير فلسطين كلها. حينها لم يكن أحد يتصور أن إسرائيل الصغيرة، والمصطنعة، ستهزم تلك الأنظمة “الجبارة”، ولم نكن ندري وقتها أن تلك الأنظمة التي تتجبر على شعبها، هي جد هشة إزاء العدو. وبالنتيجة فإن هالة تلك الأنظمة سقطت دفعة واحدة، مع ادعاءاتها الثورية والتقدمية والقومية والنضالية. نعم كل شيء انقلب فجأة، في طريقة يصعب وصفها، إذ أخذت مشاعر الوجوم والدهشة والفجيعة والإحباط بلب الشباب، بل إن بعضهم لم يتمالك نفسه فأجهش بالبكاء، كان مشهداً حزيناً، كأن السماء أطبقت على الأرض.

المشهد الثالث

عندما تمكّنت من زيارة بلدي فلسطين (2017)، للمرة الأولى (بوصفي أحمل جواز سفر أميركياً)، شاءت الظروف أن أكون في بعض الأيام برفقة الأسيرين المحررين، الرائعين، أيمن أبو جبل ووئام عماشة (من أبناء الجولان)، وقد أبيا إلا أن أقيم ليلتي الأولى في فلسطين في الجولان، في مدينة مجدل شمس، في ضيافتهما، رغماً عن مضيفي الأساسي الحيفاوي أسعد غانم، الأستاذ في جامعة حيفا. في الصباح أخذني صديقاي في جولة لتعريفي على الهضبة، جبلاً جبلاً، وتلة تلة، كانت مشاعري مختلطة ومرتبكة ومتشابكة، فتلك أول زيارة لي، وهذه أرض الجولان السورية، هنا جنوب سوريا وشمال فلسطين، وهنا بحيرة طبريا، وتل أبو الفرس وتل أبو الندا. كنت بالطبع مأخوذاً بجمال تلك الهضبة، وارتفاعها الشامخ، وأرضها الخضراء، لكنني كنت مأخوذاً أكثر بالسؤال عن كيف بإمكان هضبة فيها كل تلك الجبال والوديان أن تسقط، وعند كل تلة كنت أسأل ذلك السؤال الغاضب: لكن كيف سقطت الجولان؟ بالنسبة إلي بدت الهزيمة كأنها حدثت للتو، إذ بدت لي تلك الجبال عصية على أي جيش، لكن أيمن ووئام، اللذين لاحظا دهشتي وغضبي، قالا لي إن الجولان أسقطت قبل أن تسقط، وأن الضباط والجنود السوريين، الذين كانوا ما زالوا يقاتلون فيها، بوغتوا بإعلان سقوطها من إذاعة دمشق، وفي بيان عسكري صدر عن وزارة الدفاع آنذاك. وقتها كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وبعدها حكم سوريا مع ابنه لنصف قرن.

يا للهول، ويا لهول ما حدث للسوريين بعد ذلك…

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني