fbpx

شهادة الشيخ الغزالي حول اغتيال فرج فوده بين الإرهاب والتسامح

أنا واحد ممن فاجأهم موقف الشيخ محمد الغزالي من مقتل الكاتب فرج فوده. وسبب ذلك أنني مثل غيري ممن قرأوا للغزالي في سن الشباب، كنت وضعته ضمن إطار الدعاة المتسامحين. 

كانت شهادة الشيخ الغزالي في المحكمة دفاعاً واضحاً عن قتلة فرج فودة وتأصيلاً مستميتاً عن حق الأفراد في قتل من يرونه خارجاً على الإسلام، وواحدة من أبرز صور خيانة المثقف في تاريخنا الحديث بحسب ما أعرف.

وفي كل سنة من اليوم نفسه (8 حزيران/ يونيو 1992 ذكرى الاغتيال) تعود إلى ذهني خيالات القتل والشهادة ومحاولات الاغتيال المعنوي، بعد الاغتيال المادي. وقد دعاني اهتمامي الطويل بالفاجعة إلى البحث عن تفسير مقنع لموقف للغزالي، تفسير يعتمد على وثائق تاريخية وعلى دراسة حياة الداعية وتحولاتها الفكرية.

ويبدو أنني عثرت على بداية الخيط في سيرة حياة صديقه خالد محمد خالد “قصتي مع الحياة”، التي كشف فيها تفصيلاً مجهولاً عن حياة الغزالي هو علاقته بالتنظيم الخاص للاخوان المسلمين ذلك التنظيم الذي قاد أول وأوسع موجة من الإرهاب الديني في تاريخ الدولة العربية الحديثة في أربعينات القرن الماضي.

واعتماداً على الروايات من داخل جماعة الإخوان نفسها، فقد فُصِل الغزالي من تنظيم الإخوان على يد المرشد الثاني حسن الهضيبي، بسبب موقفه المتشدد في دعم التنظيم الخاص وقائده عبدالرحمن السكري الذي توسّع نفوذه حتى أنه كان يرفض توجيهات مؤسس الجماعة حسن البنا ويعتبر نفسه القائد الحقيقي لها. وكان الداعية يوسف القرضاوي من ضمن المفصولين أيضاً، بسبب تأييده التنظيم الخاص بحسب شهادة علي عشماوي أحد قادة التنظيم في كتابه (التاريخ السري للإخوان المسلمين). فهل كان الغزالي والقرضاوي يؤيدان خيار العنف والاغتيالات كأحد سبل نصرة الدعوة؟ وهل هذا هو السبب الذي جعل الاثنين يؤديان إلى مقت فوده ويكتبان بقوة في تأييد تطبيق الأفراد لحد الردة على “كارهي الإسلام”؟

وعلى عكس الصورة السائدة عن الغزالي كرجل مسالم ومتسامح يخبرنا التاريخ الموثق لوجوده داخل الاخوان أنه كان رجلاً حاد الطباع، عنيفاً في خصومته، ولا يتورع عن إلقاء أبشع الاتهامات حتى ضد إخوانه ورفاقه في الدعوة.

وإذا كنا نستغرب وصفه فرج فوده بـ”المرتد والماجن والمعادي للإسلام”، فإن عجبنا يزول عندما نعرف أنه اتهم حسن الهضيبي المرشد العام الثاني للإخوان (في كتابه من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث) بأنه عميل للماسونية وأن الماسونية هي التي زرعته داخل الجماعة! 

وقد استمر هذا المزاج الحاد والفجور في الخصومة مع الشيخ الغزالي حتى نهاية حياته. لكن شهادته ضد فرج فوده في المحكمة تتجاوز الخاص إلى العام. والعام هنا هو المواجهة بين العلمانيين والإسلاميين في ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته.

ولأن التنظيم الخاص كجناح عسكري للدعوة الإخوانية انتهى بعدما تم تفكيكه على يد الإخوان انفسهم فإن حلم وجود جناح عسكري للدعوة لم يغادر فكر الشيخ الغزالي على ما يبدو. وكانت فترة الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين هي الفترة الذهبية لجماعات الإسلام السياسي بعدما صارت قوة تضارع قوة الحكومات بمؤسساتها الاقتصادية والسياسية وانتشارها الاجتماعي.

لم يكن الغزالي متسامحاً ولا وسطياً، بل كان متعصباً، وتكفيرياً في معظم مواجهاته مع المختلفين معه. ويبقى موقفه مع فرج فوده هو الأسوأ…

لكن تلك الفترة أيضاً شهدت صعود نبرة الخطاب الليبرالي والعلماني الرافض مشروع الدولة الدينية، وكان هذا الخطاب العلماني قوياً بما يكفي لإثارة مخاوف جماعات الإسلام السياسي. وكان سلاح الردة هو السلاح الوحيد الفعال الذي بقي في يد الإسلاميين لمواجهة هذا الخطاب، أما “التنظيم الخاص” الجديد فهو الجماعات الإرهابية التي بدأت عمليات اغتيال المسؤولين والكتاب.

كان هدف الغزالي من شهادته ضد فوده في المحكمة تحويل الحادثة الفردية إلى قانون وإلى قاعدة باعتبار أن مهمة قتل المرتد هي واجب الأمة جميعها وأن الحاكم إذا لم يقم بقتل المرتد فعلى الأفراد المسلمين تنفيذ القتل بدلاً من الحاكم. ولم يكن الغزالي يقصد فرج فوده فقط، بل كان يؤسس لقاعدة فقهيه، يُصفَّى من خلالها من بقي من علمانيين في الواجهة. 

حاول البعض من محبي الغزالي وتلامذته مثل الدكتور طه جابر العلواني اختراع قصة عن “ضغوط شديدة” تعرض لها الغزالي ليذهب إلى المحكمة ويدلي بشهادته المخجلة، لكن الروايات الموثقة والمقابلات التي أجراها الغزالي مع الصحافة عقب شهادته في المحكمة تدحض هذه الفرضية.

أكد القرضاوي في كتابه “الشيخ الغزالي كما عرفته” أنه رفض رفضاً تاماً الوساطات التي ذهبت إليه للتراجع عن الشهادة. وقد تطرف الغزالي في الدفاع عن حد الردة إلى درجة أنه اعتبر كل من يعترض عليه كافراً وان موعد قتله أصبح قريباً كما كتب في مقاله في صحيفة الشعب (أيلول/ سبتمبر 1993) «والآية التي يحتجُّون بها فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ليس لها سوى تفسير حقيقي أوحد، هو عرض الإسلام على الناس فإن قبلوه التزموا به، ولا مكان بعد ذلك لحرية الاعتقاد، ومن يرى للآية تفسيراً آخر فهو كافر في دولة مؤمنة… أما إن أصرَّ على التصريح بما يرى، فقد أطلق صيحاتِ كفورٍ تُقرِّب أجلَه».

حصل الشيخ الغزالي على شهادة التسامح والوسطية بسبب بعض الاجتهادات في قضايا فرعية كحجاب المرأة وتحليل الموسيقى والغناء وجواز المشاركة في الانتخابات، لكنه فشل في ما هو أكبر من ذلك وهو الحوار الراقي مع كل من اختلف معه. وليس هناك أدل من المزاج الحاد والعقلية المتعصبة للغزالي من الاتهامات المهولة الذي أطلقها ضد صديق عمره خالد محمد خالد في كتابه ” من هنا نعلم”، حيث اتهمه بالعودة إلى الجاهلية وإغراء الناس بالكفر والتعاون مع الإلحاد من أجل نزع جذور الاسلام.

والداعية الذي اتهم مرشده بالماسونية وصديق عمره بالإلحاد لا يتورع أن يتهم محمد التابعي بالمجون، وأن يتهم لويس عوض بمعاداة الله والإسلام والروسل ويتهم نجيب محفوظ بالكفر والخروج من الملة، ويقول عن نصر ابو زيد إنه مخمور وجاهل وكاره للقران والإسلام… إلى آخر الاتهامات التي نشرها الداعية المتسامح في كتبه ولم يسلم منها أديب أو مفكر أو علماني أو حتى إسلامي.

لم يكن الغزالي متسامحاً ولا وسطياً، بل كان متعصباً، وتكفيرياً في معظم مواجهاته مع المختلفين معه. ويبقى موقفه مع فرج فوده هو الأسوأ… وظل يهاجم فوده بأسلوبه الحاد المتحلل من أي أخلاقيات، حتى آخر كتاباته التي نشرها في كتاب “الحق المر” ووصفه فيه بالماجن ومستبيح الخمور وملتاث الفطرة ومريض القلب إضافة طبعاً إلى إخراجه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر.

ولعلني هنا استطعت وضع بعض النقاط على الحروف في ما يتعلق بالجدال الطويل حول لغز شهادة الغزالي الغامضة!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
خطابه اليوم كان حلقة في مسلسل الخطب التي بدأها في 17 تشرين، لكنه جاء هذه المرة مخضباً بانفجارٍ بحجم قنبلة نووية. الانفجار أكبر بكثير من أن يُصد بخطاب من هذا النوع.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني