fbpx

الجسدُ المُعنَّف لِسواد لَونِه إذ ينتفضُ بقبضته أو يجثو على ركبتِه

رافقت مشهديّات التمرّد بواسطة الجسد الفردي وأطرافه التي استهلّها رياضيون تحرّكات آلاف الأجساد في سياقات اعتراض جماعي على التمييز والاضطهاد...

تُذكّر التظاهرات والاحتجاجات المستمرّة في الولايات المتحدة الأميركية منذ أسبوعين، وإيماءات أجساد المشاركين والمشارِكات فيها رفضاً لاستمرار عناصرَ من الشرطة في قتل المواطنين السود، بتاريخٍ من الرمزيّات ومشهديّات التحدّي التي صنعها رياضيون في وجه العنف والتمييز العرقي على مدى قرنٍ ونصفٍ من الزمن.

من الكابْوِيرا الى جيسي أوينز

أوّل معالم التحدّي المذكور ظهر عند تحويل الكابْوِيرا، أشهر الفنون القتالية الأفريقية التي استحضرها العبيد المجلوبون الى الأميركيّتين، الى رقصةٍ أو طقس رياضي. فممارستها عُدّت بدايات التمرّد الممَوّه بالجسد العاري على العبودية ثم على السيطرة العرقية التي فرضها البيض الأوروبيّون على السود. وقد أدّى انتشارها في البرازيل الى حظر السلطات لها في أواخر القرن التاسع عشر لما اعتبرته تهديداً من العبيد أو إعلاناً منهم للحرب على “أسيادهم”. وظهّر الحظر يومها عمق الخشية البيضاء من الجسد الأسود، الواجب تقييده وتجريده من حرّية الحركة لتجنّب احتمالات الالتحام المباشر والمتساوي معه، لِما لِبُنيته من قوة تهدّد المقدرة على ضبطه وتملّكه. 

واتّخذت الخشية البيضاء هذه شكلاً جديداً بعد تحرّر العبيد وصعود إيديولوجيات التفوّق الأبيض في أميركا. فالإيديولوجيات التفوقيّة عمدت في ما عمدت إليه الى تدريب الأجساد المنخرطة في مشاريعها والى استخدام العنف المفرط ضد السود، بحيث نظّمت في أحيانٍ كثيرة عمليات تنكيل عمومية رهيبة بهم في مناسبات بدا وكأنها مباريات تحتفي بممارسة القسوة والسطوة عليهم وصولاً الى تقرير مصائرهم وتشويه قوامهم.

ولا شكّ أن أولمبياد برلين المقام في العام 1936، في ذروة صعود أفكار التفوّق العرقي وتراتبيّاتها، كان الحدث الرياضي الأكثر تعبيراً عن التناقضات الأوروبية الأميركية في تلك الحقبة وعن المفارقات العنصرية التي ظهّرها فوز العدّاء الأميركي الأسود جيسي أوينز بأربع ميداليات ذهبية في مسابقات الجري السريع والوثب الطويل والتتابع. فأوينز، الرياضي الذي فرض نفسه لسرعته الخارقة على اللجنة الأولمبية الأميركية، كان كجميع السود (رياضيين أو موسيقيين أو صحفيين) ممنوعاً وِفق قوانين معظم الولايات في أميركا من الاختلاط نوماً أو مأكلاً مع زملائه البيض في الفريق، لا يلتقون إلا في مواقيت التدريب ثم التسابق. وبوصوله الى برلين، عاصمة ألمانيا النازية، سكن للمرّة الأولى في حياته في فندق مختلط، لأن السلطات الألمانية لم تتّخذ إجراءات فصل عرقي بين أعضاء البعثة الوطنية الواحدة. ثم كان أن فاز أوينز بمسابقاته، متخطّياً العدّائين البيض ومنهم الألمان بحضور هتلر، وأطاح بإرادة الأخير امتحان نظرّية التسيّد البدنيّ الآري. وشكّل انتصاره، كعدّاء أسود، حدثاً مرجعياً في تاريخ الرياضة المُمَأسسة، إذ اعتُبر هزيمة للنازية في ميدان المسابقات الفردية التي كان هتلر شديد التعلّق بها. لكنّ انتصاره شكّل أيضاً مادة للحديث عن فداحة المسلك العنصري في أميركا. ذلك أن أوينز، الذي اضطُر هتلر الى مصافحته في برلين، لم يتلقَّ عند عودته الى واشنطن تهنئة رئيس بلاده روزفلت، ولم يُدعَ كسائر الرياضيين الى البيت الأبيض. 

من قبضة محمد علي الى قفّازي أولمبياد المكسيك 

بعد ثلاثين عاماً على انتصار أوينز في برلين، تزايدت مشهديّات التمرّد على التمييز العرقي والكراهية العنصرية المتفاقمة في الولايات المتحدة في مرحلة الحرب الباردة مع المعسكر السوفياتي. فظهرت حركات الحقوق المدنية، وبرز مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس، وتعاظمت قوة “أمة الإسلام” في ضواحي المدن الكبرى وأحيائها السوداء، ثم انتشرت أدبيات حركة “الفهود السود” الماركسية وخلاياها. وبموازاة ذلك، استحالت بعض الأحداث الرياضية الى مواقع مقاومة للتمييز والجرائم البيضاء المتتالية. ولعلّ قبضة الملاكم كلاسيوس كلاي، المعتنقِ الإسلامَ والمتّخذ اسم محمد علي، مثّلت ذروة التمرّد السياسي وقتها إذ رافق التلويح بها بعد فوز صاحبها ببطولة العالم للوزن الثقيل العام 1966 إعلان رفضه الالتحاق بالحرب في فييتنام التي استُدعي إليها. ولم يكتفِ الملاكم بذلك، بل كرّر بعد فترة في مقابلاته الصحافية أنه لن يذهب ليقاتل الفييتكونغ الذين “لم يسمّه أيٌّ منهم مرّةً عبداً” (مستعيداً في كلماته هذه ما قاله الناشط اليساري الأسود ستوكلي كارمايكل في أحد خطاباته التعبوية ضد الحرب).

وفي العام 1968، تحوّلت صورة الفائزين بالميداليات الذهبية والفضية والبرونزية للجري السريع في أولمبياد المكسيك الى أيقونة سياسية في مسار الكفاح الأميركي الأسود. وهي جاءت تتويجاً لتطوّرات متتالية داخل الحقل الرياضي وخارجه. فرياضياً، كانت منظمة “المشروع الأولمبي لحقوق الإنسان”، التي أسسّها عالم الاجتماع هاري إدواردز وضمّت رياضيين وناشطين أبرزهم العدّاء طومي سميث ولاعب كرة السلة كريم عبد الجبار، قد شرعت في الدعوة الى مقاطعة المسابقات الدولية أو إعلاء الصوت فيها ضد التمييز العرقي. وجامعة إل باسو في ولاية تكساس كانت مسرحاً لطردٍ جماعي لرياضيين سود تمرّدوا على اضطهادهم من قبل مسؤوليهم البيض، والتوتّرات العنصرية تزايدت في الوقت نفسه بين أعضاء البعثات الأميركية التي كانت تتحضّر للأولمبياد… أما سياسياً، فشهد العام اغتيال مارتن لوثر كينغ بعد ثلاث سنوات على اغتيال مالكوم إكس، وشهد أيضاً بدء التصفيات الجسدية والاعتقالات المستهدفة حركة “الفهود السود” التي صنّفها مدير مكتب الأمن الفدرالي هوفر “المنظمة الأكثر خطراً داخل أميركا”.

وبالعودة الى صورة الأولمبياد الشهيرة، فهي جمعت العدّاءين الأميركيين الأسودين جون كارلوس وطومي سميث (اللذين فضّلا المشاركة والاستفادة السياسية من الحدث على مقاطعةٍ كانت ستؤدّي الى استبدالهما بعدّاءَين آخرين) والعدّاء الأسترالي الأبيض بيتر نورمان. وقد وضع الثلاثة شارة “المشروع الأولمبي لحقوق الإنسان” على صدورهم خلال التتويج ورفع كلّ من كارلوس وسميث قبضةً بقفّاز أسود تعبيراً عن التأييد للحركات الحقوقية والكفاحية السوداء واستنكاراً للعنف الذي يتعرّض له أخوتهما. وخرج الثلاثة بعد ذلك وسط صفير الاستهجان، وتعرّضوا للفصل من اتحاداتهم الرياضية. ولعل سيرة الأسترالي بيتر نورمان الذي تواطأ على المنصّة مع منافسيه وتبيّن أنه صاحب اقتراح تقاسمهما القفّازين الأسودين حزينة للغاية إن قورنت بسيرتي كارلوس وسميث اللذين أُعيد لهما الاعتبار بعد سنوات من فصلهما بتهمة الإساءة الى أميركا وقيمها. فنورمان، إبن الطبقة العاملة الأسترالية تعرّض للتعسّف القانوني والاجتماعي، واعتبره ذووه وزملاؤه الرياضيون خائناً، ولم يتمّ “الصفح” عنه إلا بعد وفاته في العام 2006 مفلساً مريضاً، إذ اعتذر الاتحاد الرياضي الأسترالي منه خلال جنازته التي حمل نعشه فيها كارلوس وسميث إياهما، الوفيّان لصداقته ولموقفه الداعم لهما قبل 38 عاماً.

ركعة كولين كايبرنيك ومنتخب أميركا الكُروي النسائي

استمرّ رفع القبضات السوداء لسنوات بعد ذلك في مناسبات احتفال بميداليات أو في لحظات شهدت فيها أميركا حوادث عنف عنصري، وتعرّض كثر من اللاعبين لعقوبات لم تثنِهم عن التمسّك بحركاتهم الرمزيّة. ومع توسّع الإعلام المرئي وسوق إعلاناته في تسعينات القرن وبثّه المباشر لجميع المباريات الرياضية الكبرى وسيطرة اللاعبين السود على عوالم كرة القدم الأميركية وكرة السلة والبايسبول، لم تعد مظاهر الكراهية العرقية المتراجعة أصلاً في أوساط الجيل الجديد “ذات طائل” في المدرّجات وداخل أروقة الأندية الجامعية أو المحترفة. في المقابل، ظلّت السيطرة العنصرية سِمة اجتماعية بارزة في اتحادات الرياضات وفي مجالس إدارات الأندية وأجهزتها التدريبية التي قلّ ما ظهر فيها شخص داكن البشرة.

على أن العام 2016 شهد أيقنة جديدة لحركة اعتراضٍ بالإيماء الجسدي لرياضيّ ضد تصاعد تعنيف الشرطة الأميركية للمواطنين السود. فصورة لاعب كرة القدم الأميركية كولين كايبرنيك جاثماً على ركبته لحظة عزف النشيد الوطني، في مظهر حداد وتنكيسٍ لليد التي توضع عادة على القلب وقوفاً، تحوّلت سريعاً الى رمزٍ سياسي، وشجّعت لاعبين في أكثر من رياضة على القيام بها، وانتقلت منهم الى تجمّعات حركة “حياة السود مهمّة” ومسيراتها. ولعلّ تصريحات دونالد ترامب، المرشّح حينها للرئاسة الأميركية، المندّدة بحركة كايبرنيك، ثم دعواته بعد انتخابه الى طرد “أولاد العاهرة” (بحسب قوله الحرفي) الذين لا يقفون خلال النشيد الوطني، ونهاية عقد كايبرنيك نفسه مع ناديه سان فرانسيسكو وتمنّع الأندية جميعها عن التعاقد معه وإنذارها لاعبيها بإجراءات إن استمرّوا بالانحناء والجثو على ركبهم، لعلّ في ذلك كلّه ما بيّن وقع الصورة الجديدة على الرأي العام وإسهامها في مشهديّة المقاومة للتمييز العرقي وعنفه.

ومع أن شركة “نايك” اختارت كايبرنيك لحملتها الدعائية العام 2018 (ومعه لاعبة كرة المضرب السوداء سيرينا ويليامز)، وكذلك فعلت “منظمة العفو الدولية” في حقلها غير التجاري، إلا أن مسيرة اللاعب الرياضية توقّفت نتيجة موقفه وهو في سنّ الثامنة والعشرين.

لكن تأثير فعلة كايبرنيك لم يتوقّف. ففي كرة القدم النسائية (أو الـ”سوكر” على ما يسمّيها الأميركيون، تمييزاً عن لعبتهم ذات التسمية عينها)، استمرّت عدة لاعبات في الانحناء والجثو على الركبة خلال عزف النشيد الوطني تضامناً مع السود، رياضيّين وضحايا. ومن بين هؤلاء ميغان رابينو، نجمة اللعبة البيضاء والقائدة الثانية للمنتخب الأميركي الفائز بكأس العالم 2019 وهدّافته وأفضل لاعبة فيه، المعروفة بمواقفها النسوية وبدعوتها للمساواة بالأجر وبقيادتها لحملات رفض رُهاب المثلية. وقد أطلقت رابينو خلال السنوات الماضية عدة تصريحات ضد دونالد ترامب وأعلنت تأييدها لجميع التحرّكات المناهضة للجرائم العنصرية.

واليوم، بعد قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين للمواطن الأسود جورج فلويد في مدينة مينيابوليس إثر ضغطه بركبته على عنقه لمدة 9 دقائق وهو مثبّت أرضاً، عادت صورة الجثم على الركبة احتجاجاً لتحتلّ المشهد في تظاهرات الغضب في أميركا، ولتواكب القبضات المرفوعة وإيقاعات الرقص الأفريقي.

هكذا، رافقت مشهديّات التمرّد بواسطة الجسد الفردي وأطرافه التي استهلّها رياضيون تحرّكات آلاف الأجساد في سياقات اعتراض جماعي على التمييز والاضطهاد والإجرام الذي يتعرّض له أشخاص على يد منتمين الى مؤسسة الدولة الأميركية الأمنية، لأسباب لا تتخطّى في معظم الأحيان لون بشرتهم.

وهكذا، تُلهم الحركات والتحرّكات ملايين البشر في أميركا وخارجها، حيث لا يقلّ التمييز العرقي بشاعة عن نظيره في الولايات المتّحدة، ولَو أنه يتّخذ أشكالاً مختلفة لأسباب تاريخية تتباين مساقاتها ويتشابه في أغلب الأحيان ضحاياها…

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني