fbpx

لبنان يدفع ثمن السلاح قبل صدئه

لم يبدِ "حزب الله" ذكاء كافياً في تحويله النقاش حول سلاحه إلى الشارع، ذاك أن مقولة "سلاح المقاومة" صارت تردنا مباشرة إلى بعدها الأهلي والمذهبي، من دون أن يتوسط بينها وبين مشاهد الشارع وعبارات مثل "شيعة شيعة شيعة" أي فكرة أو مقولة أو ادعاء.

السلاح صار مرآة الانقسام المذهبي، واستُعين به لتظهير هذه الحقيقة بعبارات العوام من أهل الانقسام، وهذا لا يشبه ما سبق أن سعى إليه الحزب في السنوات السابقة، حين جهد ليعطي لسلاحه قيمة أخرى ووظائف لم يكن الشارع لوحده مسرح تداولها والانقسام حولها.

السلاح اليوم عارٍ، ومن دون أي وظيفة غير وظيفته المذهبية. “حزب الله” انزلق به إلى هذا الموقع. من يدافع عنه اليوم هم زمر مذهبية تشعر بأنه مصدر تفوقها المذهبي. الاقتراب من نقاش السلاح هو اقتراب من الاقتتال الطائفي. وهو بهذا المعنى أضيف إلى الشعائر المذهبية التي تحكم العلاقة بين اللبنانيين. للمسيحيين الاقتصاد وللسنة وجه لبنان العربي وللشيعة السلاح. هذه المقولة، وعلى رغم عدم دقتها، إلا أنها تنطوي أيضاً على شيئ من الصحة. فقبل أيامٍ قليلة مرر “حزب الله” للعونيين معمل سلعاتا للطاقة الكهربائية، فانكفأ النواب العونيون عن أسئلة كانوا باشروا بطرحها حول سلاح الحزب. وفي مقابل ذلك تُقدم للطائفة السنية ضمانات بعدم المساس باتفاق الطائف، هذا الاتفاق الذي انتزع صلاحيات من رئاسة الجمهورية الماروني وأعطاها لمجلس الوزراء الذي يرأسه سني. 

فالفارق بين “حزب الله” في لبنان و”حزب البعث” في سوريا كان صنعه الحزب ببعض الادعاءات التي غلف بها سلاحه، وكان صنعه أيضاً عبر تحالف مذهبي مع التيار العوني، وأضاف إليه مادة خوف بيروتي منه ومن سلاحه. زوال هذا الفارق يفترض مسارات أخرى عصية على الحزب.

وفي ظل هذه المعادلة، ما يعطى للشيعة هو ضمانات حول سلاح “حزب الله”. إنهم الطائفة المسلحة، وهم يدفعون ثمن هذا السلاح من حصصهم في جمهورية الفساد اللبناني. لكن ثمة شيئاً أضيف اليوم إلى هذه المثالثة البائسة، ويتمثل في أن مسرح الضائقة الشيعية فيها صار الشارع. الشارع لوحده، وهو وإن كان أكثر فعالية من غيره في ظل خط الانقسام المذهبي، إلا أنه يبتذل السلاح على نحو ما يبتذل كل شيء. كما أنه يستدرج سلاحاً في مواجهته على ما كشفت خطوط المواجهة الأهلية الأخيرة في شوارع بيروت.

صحيح أن “حزب الله” مهيمن على الحياة العامة في لبنان، وهو الشريك الأكبر في السلطة، إلا أنه في مشهد الشارع يصبح بحجم الطائفة التي يمثلها. فهو مثلاً حين احتل بيروت في 7 أيار/ مايو  2008، لم يتمكن من تثبيت احتلالها على نحو ما تفعل الجيوش المحتلة. خصومه المذهبيون عادوا وبنوا مواقع خصومتهم له في الكثير من مفاصل المدينة، وعجز الحزب عن جعل العاصمة تشبهه. لكن سلاحه بقي حاضراً بالمعنى الضمني لمشهد العاصمة. اليوم يعرض الحزب هذا الحضور الضمني لسلاحه لاحتمال مجاهرة علنية به تجعله من دون أي وظيفة باستثناء حضوره المباشر. الأثمان في هذه الحال ستكون أيضاً مباشرة. وهذا ما سيقصر عمر هذا السلاح. الغنيمة ستكون أكبر، إلا أنها ستصبح غير قابلة للاستمرار. 

اختبار الشارع سيكون ثقيلاً على الحزب طالما أن السلاح هو عنصر تفوقه الوحيد. فالفارق بين “حزب الله” في لبنان و”حزب البعث” في سوريا كان صنعه الحزب ببعض الادعاءات التي غلف بها سلاحه، وكان صنعه أيضاً عبر تحالف مذهبي مع التيار العوني، وأضاف إليه مادة خوف بيروتي منه ومن سلاحه. زوال هذا الفارق يفترض مسارات أخرى عصية على الحزب. الطوائف في لبنان كيانات متشكلة على نحو واضح وجلي. الانتصار عليها لا يمكن تغليفه بأوهام “الصراع مع العدو”، واليوم تعززت هذه الصعوبة بعدما كشف السلاح عن وظيفته الوحيدة.

لكن في معادلة القوة والضعف لم يقدم أحد على عرض مقايضة حقيقية لهذا السلاح. “حزب الله” وحده من قدم للشيعة فرصة تفوق، هي ضرورية لهم في ظل مشهد مذهبي على هذا القدر من الوضوح. فالطوائف في لبنان، كلها، تسعى إلى مواقع متفوقة لها على مسرح العلاقات التي تربطها بعضها ببعضٍ.

السلاح اليوم هو أيقونة تفوق الجماعة الشيعية، وهو أيضاً عنصرٌ مُجاهر به ولم يعد ضمنياً. “حزب الله” يعتبر أنه دفع ثمنه للمسيحيين من خلال الحضور العوني في السلطة وفي أجهزة الدولة، وهو دفع ثمناً أقل وغير نهائي للسنة عبر عدم اقترابه حتى الآن من اتفاق الطائف.

السلاح توجه اليوم مباشرة إلى هذا البازار المذهبي، ولم يعد يتوسط بينه وبين وظيفته الحقيقية أي فكرة أو ادعاء. الاستعصاء في هذا الوقت يكمن في أن تعترف الأطراف لبعضها بمقايضة تحل هذه المعضلة. “حزب الله” يعرف أنه سيخسر إذا ما قُدم عرض له في هذا السياق، ويعرف أيضاً أن الشركاء المذهبيين أقل حكمة من أن يفعلوها. لكن السلاح صار في الشارع، وجاهر بوظيفته الأهلية والمذهبية، فكيف يمكن رده؟

مأزق السلاح ليس أقل من مأزقنا، والانهيار لن يبقيه في منأى عن الصدأ الزاحف إلى هذه الجمهورية من كل حدب وصوب. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني