fbpx

عاملات المنازل ونظام “الكفالة” : الوباء الحقيقي هو العنصرية

من المحبط أن نرى كل هؤلاء العرب غاضبون ويعربون عن تضامنهم مع الولايات المتحدة في هذه اللحظة، في حين لا أحد يتحدث عن العدالة للعاملات المنزليات المهاجرات

“جميع هؤلاء النسوة كن يعملن في منازل سيداتهن، انظر إليهن وهن مُلقيات هنا، مثل القمامة! الإنسان له كرامة! انتظر فقط حتى تُفتح المطارات!”.

تصف الصرخات المكلومة لعاملة منزلية إثيوبية مهاجرة في حوار مع مراسل قناة تلفزيونية المشهد الذي يستمد بشاعته وقسوته من كثرة حدوثه على نحو مؤلم. مثل معادلة رياضية مُرعبة، قام بحلها عدد لا يحصى من العائلات اللبنانية العنصرية عديمة الرحمة، إذ لا تقتصر تفاصيل هذه المعادلة على الأزمة الاقتصادية فحسب، بل أيضاً على كون العاملات يُمثلن أكثر المجتمعات المهمشة في لبنان، لتكون النتيجة هي حشد من العاملات المنزليات الإثيوبيات المهاجرات اللاتي يحملن أمتعتهن القليلة ويَمكُثن على قارعة الطريق أمام أبواب السفارة الإثيوبية في لبنان.

في خضم حشد عالمي لدعم حركة “بلاك لايفز ماتر” أو “حياة السود مهمة” في الولايات المتحدة، تابع اللبنانيون كيف تخلت عائلات عن عشرات العاملات المنزليات المهاجرات الإثيوبيات فتم تركهن على الطريق خارج قنصليتهن، ولم يتقاضَ الكثير منهن رواتبهن منذ شهور، وأُخذت منهن جوازات سفرهن عنوة. جاء ذلك على خلفية احتجاجات العاملات الإثيوبيات على مدار أكثر من أسبوع، اعتراضاً على أسعار تذاكر الطيران للعودة إلى بلدهم المُبالغ فيها بشدة، والتي يُقال إنها بلغت 680 دولار أميركي للتذكرة الواحدة.

منذ ذلك الحين، قامت وزارة العمل، برئاسة وزيرة العمل لميا طنوس يمين، بأقل ما يُمكن فعله، وأرسلت حافلتين لنقل هؤلاء العاملات إلى فندق بمنطقة عين المريّسة، فقط عندما حظيت القضية بالاهتمام على المستوى الوطني، بعدما مكثت العاملات في الشوارع بالقرب من القنصلية لأكثر من أسبوع. فعلياً، لم تُبذل أي جهود لحل مشكلة ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، ولم يتحدث أحد عن معاقبة أصحاب العمل عديمي الإنسانية الذين تخلوا عنهن بهذه الطريقة المروعة.

في شوارع المدن العربية، يشكل أصحاب البشرة السوداء أقلية بائسة، ولا تزال كلمة “عبيد” مستخدمة للإشارة إلى الملونين في الكثير من المنازل العربية. وغالباً ما ترتبط هذه الكلمة بالطبقة الأقل مكانةً والعاملات المنزليات المهاجرات.

الكفالة

فيما هتف الأميركيون من أصول أفريقية ضد السردية الخطيرة المتغلغلة في النظام وما تتسم به من عنصرية والتي ظلت قائمة حتى بعد إلغاء العبودية في الولايات المتحدة، تهتز المنطقة العربية على خلفية تلك الأحداث بتوتّر، إذ إن أيديها ملوثة بالتطبيق المُخزي لما أُطلق عليه بحق أقذر نظام عبودية في العالم في العصر الحديث، ألا وهو نظام الكفالة، وهو النظام الذي تم بموجبه توظيف جميع العاملات الإثيوبيات اللواتي يقبعن خارج القنصلية. 

نشأ نظام الكفالة في خمسينات القرن العشرين، وما زال معمولاً به في مختلف أنحاء العالم العربي وفي دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ولبنان. لا يحتاج المرء إلى التعمق كثيراً في البحث لكي يدرك أين تكمن المظالم في ظل نظام الكفالة، وذلك لأن مبادئ العنصرية تكشف عن نفسها بكل جرأة وبشكل صارخ في كل ركن من أركانه.

يستضيف لبنان أكثر من 250 ألف عاملة منزلية مهاجرة، وجميعهن استبعدن من قانون العمل اللبناني ويخضعن للعمل وفقاً لنظام الكفالة. يُمثل هذا النظام ثغرة تسمح بأشكال الاستغلال القاسي كافة، بما في ذلك مصادرة جوازات السفر، والعمل لساعات طويلة، وعدم السماح بأيام عطلات، وفرض القيود على حرية التنقل والاتصال، وأماكن الإقامة الجبرية الرديئة. وهذه كلها أمثلة على أقل الأوضاع ترويعاً، فثمة حالات أشد قسوة، وهي للأسف شائعة بدرجة لا يستهان بها وليست مجرد حالات استثنائية، وتشمل التعرض إلى اعتداءات لفظية ونفسية وبدنية وجنسية، من دون خضوع أرباب العمل لأي مساءلة أو عواقب. بينما يتصدر لبنان أعلى معدلات الانتحار والوفيات بين العاملات المنزليات المهاجرات، لاقت الشهر الماضي فقط قضية فوستينا تاي، وهي عاملة منزلية وجدت جثتها في موقف للسيارات تحت منزل صاحب العمل، اهتماماً عالمياً.

بينما يراقب العالم أحداث الاحتجاجات التي اندلعت في الولايات المتحدة وهي تتطور، اتخذ العرب موقفين متباينين كرد فعل على تلك الأحداث، وكلاهما إلى حد ما من موقع بعيد؛ إما إظهار الدعم بشكل ضعيف على وسائل التواصل الاجتماعي أو تجاهل الأحداث باعتبارها غير مرتبطة بحياتهم. ومنذ ذلك الحين، يطالب كثر من النشطاء بالربط بين دعم حركة “حياة السود مهمة” بالعنصرية ضد الأشخاص من أصول عرقية واجتماعية ولغوية مختلفة في مجتمعاتنا، تلك العنصرية المتأصلة إلى حد كبير في حقيقة أننا لم نلغِ بعد نظام الكفالة الاستغلالي.

كان المشهد مهيباً راهناً أمام الجامعة الأميركية في بيروت في لبنان، فقد حمل أكثر من مئة متظاهر الشموع خلال وقفة تضامنية صامتة نُظمت للتنديد بمقتل جورج فلويد واتخاذ موقف ضد نظام الكفالة.

لمى الأمين خلال مسيرة تضامن مع العاملات

بدت كلوديا يواكيم، وهي أستاذة جامعية أميركية فلسطينية، حزينة وهي توضح لماذا شاركت في تنظيم تلك الوقفة الاحتجاجية، قائلةً “أرى ذلك امتداداً لثورة تشرين الأول/ أكتوبر، علينا أن نتحدث هنا عن نظام الكفالة والمعاملة الظالمة للأشخاص ذوي البشرة السوداء في مجتمعاتنا… حركة “حياة السود مهمة” هي حركة عالمية، وعلينا أن نكون جزءاً منها. وعلى رغم أننا نواجه وباء متفشياً على مستوى العالم، فإن الوباء الحقيقي هو العنصرية”.

كانت الناشطة اللبنانية لمى الأمين، وصاحبة مقطع فيديو الرد على تانيا صالح- الشخصية اللبنانية العامة التي أقدمت على تصرف يظهر جهلاً زو تجاهلاً لحساسية قضية العنصرية فدهنت وجهها باللون الأسود “دعماً” لحركة “حياة السود مهمة”- الذي انتشر منذ بضعة أيام والذي كان يحمل عنوان “عزيزتي تانيا صالح، لدي حلم…” 

لمى كانت حاضرة في هذه الوقفة. صرحت وهي تحمل لافتة مكتوب عليها “ثورتي ضد العنصرية في بلادي”، لـ”درج” قائلةً بصوت مفعم بالحزن، “هذا النظام الوحشي… الكثير من النساء يأتين إلى هنا للعمل ويعتقدن أنهن سيحصلن على معاملة كريمة. من المفجع للغاية أن يعدن إلى بلادهن وقد تعرضن للاغتصاب والانتهاك والإفلاس والإذلال، ويلعنّ الثانية التي وصلن فيها إلى لبنان”.

المجتمع والجمال: العنصرية تتغلغل في كل شيء

أذكر حين أدركت للمرة الأولى أن العنصرية ضد السود تستشري في المجتمع العربي إذ كنت أظن قبل ذلك أن هذه المشكلة خاصة بأميركا وقد وصلتني تلك الفكرة من وسائل الأعلام والأفلام الغربية. كان ذلك عام 2008، عندما كنت أتجوّل بين قنوات التلفزيون في سوريا، وتوقفت عند برنامج أوبرا وينفري الذي كان يُبث على قناة “إم بي سي 4” (MBC 4). كنت على وشك ترك جهاز التحكم عن بُعد جانباً عندما طلبت جدتي بحدة أن أغير القناة قائلة، “لا أحب مشاهدة هذا البرنامج. إنها عبدة، تشبه القرد”. لا يزال صوتها يتردد في أذني حتى اليوم، امرأة سورية سبعينية تنتقص من قدر مذيعة أقوى برنامج أميركي على الإطلاق فقط بسبب لون بشرتها، لأنها سوداء.

تتجلى العنصرية ضد السود بوضوح عند النظر في معايير الجمال في العالم العربي، فقد أثر الاستعمار في طريقة ربطنا سمات معينة بالجمال وسمات أخرى بالقبح. تلقى البشرة البيضاء، بفضل مستحضرات التجميل مثل “فير آند لفلي”، تشجيعاً واستحساناً ويُعد الشعر الأشقر مزية إضافية بخاصة لدى النساء. وفي البرامج ومقاطع الموسيقى العربية التي تُعرض على التلفزيون العربي، نجد دوماً المرأة الشابة الرشيقة ذات البشرة البيضاء والشعر الأشقر تتلقى سيلاً من عبارات الغزل من الرجال الذين تتفاعل معهم. حتى يومنا هذا، يحملق الرجال العرب الذين يزورون أوروبا ببلاهة في الشعر الأشقر والبشرة البيضاء، والرجل الذي يتزوج امرأة بهذه الصفات يُنظر إليه بوصفه نجح في الحصول على أفضل مزيج جيني.

ما زلت أذكر الدعابات التي اعتادت الفتيات على إلقائها في المدرسة عندما كنا نتناقش في مدى الظلم الواقع علينا، لأن آباءنا يتحكمون في من نختاره للزواج. “يوماً ما، سأجد بطريقة ما رجلاً يتسم بهاتين الصفتين؛ أن يكون أسود وأن يكون يهودياً، وسآتي به إلى المنزل، أعتقد أن أبي سيصاب بأزمة قلبية حينها”. إن الواقع الصادم الذي تنطوي عليه هذه الكلمات راسخ في عالمنا العربي بشكل قاطع ولا شك فيه، فحتى العرب الذين يصفون أنفسهم بالانفتاح ويقولون إنهم يتيحون لبناتهم الحرية من دون قيود الدين أو الجنس يرفضون زواج البنت من رجل أسود أو زواج ابنهم من امرأة سوداء، فهذا هو الخط الذي لن يتجاوزه معظمهم. وبالمقابل، لا تردد على الإطلاق إذا التقت الفتاة رجلاً أميركياً أبيض، بل ستسود الاحتفالات بالمكانة وجواز السفر اللذين سيجلبهما الزواج لهذه الأسرة.

وفي شوارع المدن العربية، يشكل أصحاب البشرة السوداء أقلية بائسة، ولا تزال كلمة “عبيد” مستخدمة للإشارة إلى الملونين في الكثير من المنازل العربية. وغالباً ما ترتبط هذه الكلمة بالطبقة الأقل مكانةً والعاملات المنزليات المهاجرات. هناك كراهية غريبة منتشرة، وكأنها إرثنا الفكري من الاستعمار، أن نربط دوماً الأفكار السلبية باللون المختلف عنا.

100 خطوة للوراء

إن الأثر الذي تخلفه الولايات المتحدة على بقية العالم في أفكارها وصراعاتها وقناعتها لا نظير له، وكذلك لم يختلف رد فعل العالم العربي إزاء موجة أعمال الشغب التي تدور رحاها حول صراعات العنصرية التي يواجهها الأميركيون من أصول أفريقية. ومع ذلك، لا يزال من المحبط أن نرى كل هؤلاء العرب غاضبون ويعربون عن تضامنهم مع الولايات المتحدة في هذه اللحظة، في حين لا أحد يتحدث عن العدالة للعاملات المنزليات المهاجرات؛ فهؤلاء هم الذين يتفقون على أن الأميركيين الأفارقة يعانون في صراع موجع وظالم، لكن لن يقبلوا أبداً زواج أحد أبنائهم من شخص أسود. من المريع أن ندرك أنه حتى في خضم هذه الفوضى والعنصرية المرعبة ضد السود، لا تزال الولايات المتحدة متقدمة على المنطقة العربية بمئة خطوة بالنسبة لحل هذه القضية المثيرة للقلق.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سارة العريفي – كاتبة وصحافية سودانية
قد لا يحقق التطبيع تحت رعاية الولايات المتحدة الأميركية أي مصلحة للسودان، ولا يساعد في إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب… بمعنى أن ما تقوم به إدارة ترامب ما هي إلا مناورات لمصالح تخصها.

2:57

2:57

2:09

2:09
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني