fbpx

الموصل: حرب الأئمة على عقارات الأوقاف بين السنة والشيعة

تعلو في مدينة الموصل في شمال العراق أصوات محلية تحتج على ما تراه سطوة عقارية يمارسها الوقف الشيعي.

تعلو في مدينة الموصل في شمال العراق أصوات محلية تحتج على ما تراه سطوة عقارية يمارسها الوقف الشيعي. 

هذا الوقف مدعوماً على ما يبدو بقوة فصائل الحشد الشعبي وسلطتها الأمنية شبه المطلقة عقب معارك “تحرير نينوى” نهاية عام 2017، وبالفوضى الإدارية والقانونية، وضع يده خلال أشهر قليلة، على “كنوز عقارية” بينها عقارات كانت تحت سيطرة الوقف السني وقبله وزارة الأوقاف، لسنوات طويلة.

يقول ناشط صحفي موصلي (رفض الكشف عن اسمه)، تابع لنحو عام تحول عقارات عدة من إدارة الوقف السني إلى الوقف الشيعي، إن “لافتة واحدة توضع من قبل فصيل مسلح على مدخل العقار كانت كافية لجعله خاضعاً لسيطرتها، وإنهاء أي مطالبة به من أي جهة كانت حتى لو امتلكت أوراقاً رسمية تثبت أنه لها”.

يضيف مبتسماً وهو، يشير بيديه إلى سلسلة مواقع على خريطة حديثة “لقد وضعوا أيديهم على كنوز عقارية، تدر أموالاً، من دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض”.

على رصيف الشارع العام في منطقة نينوى الشمالية، أحد الأمثلة الواضحة، وهي لافتة معدنية كبيرة تصدرت قطعة أرض مميزة، كتب عليها “القطعة المرقمة 3/41 مقاطعة نينوى الشمالية كانت مسجلة باسم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية- المنحلة، وإنها (اليوم) تحت إدارة ديوان الوقف الشيعي”، وتم تأجيرها إلى المستأجر عدي حسين محسن الأمارة وخصّصت الأرض سوقاً لبيع الثياب المستعملة.

لافتة تحذيرية أكثر مما هي تعريفية، وبجوارها وعلى نحو ملاصق وضعت صورة كبيرة للمرجع الديني آية الله علي السيستاني في ما يعده البعض تسويقاً لشرعية الفعل أو المكان، وفي أعلى الصورة تماماً خطت مقولة للسيستاني خاطب بها أهل السنة في العراق أيام الحرب الطائفية في 2006 و2007: “أنتم أنفسنا”.

“عقارات آل البيت”

الاتهامات المساقة ضد الوقف الشيعي في الموصل لا تتوقف عند التلاعب بملف العقارات أو عند حدود الأملاك الخاصة وأراضي الدولة. فأوساط في الوقف السني في نينوى تحدثت عن محاولات سيطرة نظيره الشيعي مسنوداً بقوات من الحشد الشعبي على عقارات أوقفها منذ عقود طويلة مواطنون سنّة لمصلحة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التي حلت بعد 2003 لتصبح وقفين- الأول سنّي والثاني شيعيّ. 

يقول الباحث عبد الستار سعيد: “بمجرد أن يحمل جامع ما اسماً شائعاً في الوسط الشيعي حتى يتم وضع اليد عليه باعتباره أثراً شيعياً وهو ما أثار سخطاً لدى الأوساط الدينية في الموصل”.

من خلال بحث وتقصٍ امتد لأشهر تبين لنا أن عناصر من الحشد الشعبي وضعوا أيديهم على نحو 17 عقاراً مسجّلاً باسم استثمارات كانت تتبع للوقف السني في مختلف مناطق الموصل، وقد تم بالفعل إعلانها للاستثمار لمصلحة الوقف الشيعي. 

منذ منتصف 2017 تسيطر فصائل الحشد على مرقد يحيى بن القاسم في منطقة الخاتونية المشيد على القطعة المرقمة (487)، وعلى مرقد الإمامين حامد ومحمود في محلة المحمودين المشيد على القطعة المرقمة (302)، ومرقد الإمام علي الأصغر في شارع الفاروق قرب جامع النوري (الذي كان يضم منارة الحدباء) والمشيد على القطعة المرقمة (175)، ومقام العباس بن علي في سوق الصاغة على القطعة (115). وقد تم احصاء ما لا يقل عن 14 مقاماً تم وضع اليد عليها من قبل فصائل الحشد.

عروض استثمار

بعض هذه المواقع تعرض للتدمير الكلّي وسوّي بالأرض جراء العمليات العسكرية خلال حرب التحرير، والتي تركزت في الجانب الأيمن للموصل. مع ذلك فإن الوقف الشيعي قرر عرضها للاستثمار، فضلاً عن عقارات أخرى في الجانب الأيسر للموصل، وهو ما دفع ديوان الوقف السني ممثلاً بهيئة إدارة أموال الوقف إلى اللجوء الى “خلية الأزمة” التي شكلت في نينوى عقب انتهاء الأعمال الحربية، وطالبها بمخاطبة رئاسة الوزراء لوقف إجراءات الوقف الشيعي من دون جدوى.

كثر من مستأجري العقارات التي وضع الوقف الشيعي يده عليها، اشتكوا من احتمال فسخ عقودهم المبرمة مع الوقف السني منذ سنوات، ما يعني خسارة أعمالهم التي يزاولونها وهي بغالبيته متوارثة، كالبزازين والصفارين والعطارين في سوق المدينة القديم. 

مستأجر أحد تلك الدكاكين في العقار (162) في باب السراي- الجانب الأيمن قدم مع جيرانه الباعة شكوى للوقف السني مفادها أن شخصاً أبلغهما أن العقار تحول إلى الوقف الشيعي. 

صاحب الدكّان هذا -أسوة بمعظم أصحاب العقارات في هذا التحقيق- طلب عدم ذكر اسمه أو الإشارة إلى الاسم التجاري لدكانه خوفاً من “الميليشيات”، يقول: “زارنا شخص وأبرز أوراقاً بأنه تعاقد مع الوقف الشيعي على استثمار العقار لمدة سنة واحدة، وطالبنا بمعاودة الاتصال به لتنظيم عقد إيجار جديد بآلية وقيمة جديدتين”.

وكما هو الحال مع بقية العقارات التي وضع الوقف الشيعي يده عليها، فإن هذه الدكاكين كانت ملكاً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية وقد أوقفتها أسرة سنيّة من مدينة الموصل، لكنها صارت بموجب “المحاصصة الوقفية” موضع نزاع بين الوقفين، حسمه وجود الفصائل الشيعية على الأرض.

فتلك الفصائل التي انتشرت داخل مدينة الموصل وفي أطرافها عقب معارك تحريرها في 2017 والتي كان لها دور واضح فيها، وأبرزها “عصائب أهل الحق” و”سرايا الخراساني” و”اللواء 30″ الشبكي و”لواء بابليون” و”كتائب حزب الله”، تمسك وبشكل شبه تام بمفاصل القرار الأمني في المدينة، وتؤثر بقوة في القرارات الادارية.

أسباب مادية

بدأت قصة الصراع على أملاك الأوقاف بعد صدور القانون رقم (19) لسنة 2005، الذي نصّ على أن كل عقار كالجامع أو المزار أو المقام أو المرقد يحمل اسماً من أسماء آل البيت، يجوز للوقف الشيعي استملاكه واستغلاله.

مصدر في ديوان الوقف الشيعي أعلمنا بأن الطرائق المتبعة حالياً في رصد العقارات وتحديدها قبل اتخاذ إجراءات الاستملاك لمصلحة الوقف، “تعتمد على شهادات شهود لعقارات تحمل أسماء آل البيت أو من خلال جرد الوثائق في التسجيل العقاري”، أي العثور على اسم إحدى شخصيات آل البيت على وثائق العقار، و”ليس بالضرورة أن يعرف به العقار نفسه أو توجد عليه لافتة بالاسم”.

وأضاف: “إذا تم العثور على أوراق عقارية تخص أرضاً او مسكناً أو محلاً تجارياً كتب عليها عبارة “أوقفتها للجامع الفلاني باسم آل البيت” مثلاً، فهذا دليل كافٍ على عائدية العقار للوقف الشيعي”، بحسب قوله. 

واستند الوقف الشيعي على القانون رقم (19) متجاهلاً قانوناً لاحقاً عدّله صدر في 2008 ونص على أن القانون الأول لا يشمل العقارات التي فيها حجج وقفية، أي تلك التي أوقفها مواطنون سنّة وما زالوا يملكون إلى اليوم أوراقاً في الطابو العقاري تثبت ذلك، ولها من يشرف عليها بصفة “متولٍّ”.

فصار أي مكان يحمل أياً من الأسماء التي وردت في القانون الأول هدفاً ويتوجه عناصر من الحشد الشعبي للاستيلاء عليه، على رغم وجود “متولّ” يشرف عليه.

يفرق الكاتب والباحث جمال علي محمود بين الجامع والمقام والمرقد والمزار: “الأول مكان للصلاة، الثاني هو مكان أقامت فيه شخصية دينية تاريخية ورحل بعدها ليصبح ذلك المكان مقدساً فيما بعد، والمرقد أن يكون قد دفن فيها، والمزار أن يكون قد مر بالمكان دون إقامة”.

ويقول إن بعضاً من هذه المراقد والمزارات والمقامات الـ17، التي استحوذ عليها الوقف الشيعي، يعود تاريخها إلى أواخر العهد العباسي، مشيراً إلى “معظمها ليست حقيقية في الأصل، ليست فيها أضرحة لأولياء صالحين ولا تمتّ بصلة لشخصيات من آل البيت، لكن سكان المدينة يحترمونها بسبب الأسماء التي تحملها، فهي أسماء مقدسة لدى السنة أيضاً”.

ويشير إلى أن الأملاك الوقفية المصادرة تعود لعائلات سنيّة من أهالي الموصل، كانت أوقفتها منذ عقود قبل تأسيس الدولة العراقية، ووثائقها موجودة في الطابو العثماني، لكن المشكلة أنها غير مؤشّرة في الطابو العراقي.

ويستبعد محمود، أن تكون غاية الحشد الشعبي من توفير الغطاء للوقف الشيعي في الحصول على هذه العقارات هو  إحداث تغييرات ديموغرافية مستقبلاً “لأن المدينة تسكنها غالبية سنيّة بالمطلق ولا إمكانية لمثل هكذا تغييرات، والشيعة أقلية في الموصل، يقطنون في أحياء قليلة على أطراف المدينة الشرقية، وفي سهل نينوى خارج الموصل، وكذلك غرباً في قضاء تلعفر”.

إنما يعزو اهتمام فصائل الحشد الشعبي بتلك العقارات إلى سبب مادي بحت، و”الدليل أنهم يقومون وفور وضع اليد على أي من هذه العقارات بإعلانها الاستثمار طويل المدى وقبض ثمن الإيجار مقدماً حتى من دون انتظار نتائج أي تحقيق في عائدية العقار إلى أحد الوقفين السني أو الشيعي”.   

                               

 صمت شيعي

مدير الوقف الشيعي في نينوى بسام محمد البياتي امتنع عن الإدلاء بأي تصريح يتعلق بهذا الأمر بسبب ما قال إنه توجيه سبق أن تلقاه من إدارة الوقف العليا. وتماشياً مع موقفه هذا امتنع أيضاً حنين القدو وقصي عباس البرلمانيان الممثلان عن الشبك الشيعة في نينوى، عن الإجابة على أسئلة طرحناها عليهما. 

ويستغرب صلاح التلعفري وهو كاتب وناشط شيعي ما وصفه بالضجة المفتعلة من قبل ديوان الوقف السني في نينوى بخصوص العقارات الوقفية. وقال إن الكثير من اللقاءات والاجتماعات التشاورية حصلت بين الوقفين من خلال لجان متخصصة لفك وعزل العقارات المتداخلة بين الطرفين بعد إلغاء وزارة الاوقاف والشؤون الدينية. 

وقال: “هذا بموجب نص قانون واضح. وليس اجتهاداً أو تجاوزاً من أي طرف على الآخر. وحل أي أشكال يحدث ينبغي أن يكون عبر القنوات القضائية وليس التصريحات الإعلامية والمزايدات السياسية التي لن تجدي نفعاً”.

وبين التلعفري بأن شخصيات ذات مكانة دينية رفيعة لدى الشيعة كانت قد مرت بالموصل وبالقرب منها قبل قرون، ومن الطبيعي أن تكون هناك مزارات ومقامات تحمل أسماءهم. وبإمكان الوقف السني وبكل بساطة تقديم المستمسكات والحجج الوقفية التي تثبت عائديتها لواقف سني أو يملكها متولٍ موكل عنه، وعندها لن يكون هنالك أي خلاف”. 

“لست خائفاً”

بعد تحرير الموصل من “داعش” ظهرت لافتات كبيرة على مساحات أراض خالية في بعض أنحاء الموصل تشير إلى أن العقار أصبح ملكاً للوقف الشيعي ويستثمر وفقاً لقانونه، وهو ما أثار استغراب الكثير من أهالي المدينة.

حدث ذلك للأرض المقابلة لـ”جامع النبي يونس” في الجانب الأيسر للموصل التي استأجرها مواطن من أهالي نينوى بمبلغ 170 مليون دينار سنوياً من الوقف الشيعي سنة 2018. 

وكذلك في منطقة “النبي شيت” في الجانب الأيمن وتحديداً الأرض المرقمة 196/4. أشارت لافتة كبيرة نصبت هناك إلى أن الأرض سوف تستثمر كمحالّ تجارية مستأجرة من قبل الوقف الشيعي.

وفي ظلّ صمت الحكومة المحلية في نينوى واكتفائها بمراقبة الصراع الدائر بين الوقفين السني والشيعي، لجأ الأهالي إلى المحاكم لإثبات عائدية عقارات مستولى عليها إلى مورثيهم، بإبراز الحجج الوقفية التي بحوزتهم. 

وقد نجح البعض في ذلك المسعى تماماً كما حدث للتكيّة النقشبندية في الموصل والتي تم إعادة الإشراف عليها إلى متولّيها في 2018 بعدما ضمّها الوقف الشيعي إلى أملاكه. 

القصة تتكرر اليوم مع محامٍ متخصص بالعقارات يروم فتح قضية تخصّ “مرقد يحيى أبو القاسم” و”جامع قضيب البان”، في الجانب الأيمن للموصل، فقد وضع الوقف الشيعي يده عليهما، على رغم أن فيهما متولّيين (أي الأشخاص الذين يتولون الإشراف على الوقف)، والاستيلاء عليهما “غير قانوني تماماً” بحسب وصفه.

يبدو هذا المحامي ويدعى سعد علي واثقاً من حسم القضيتين لمصلحة موكليه قائلاً: “طالما كان للوقف متولّون فلا أحد يقدر على المساس به”. 

وعن التهديدات التي قد يتعرض لها جراء ترافعه في هذه القضايا أضاف: “أنا لست خائفاً من أحد، لأنني أعرف أن من يقوم بالتهديد والوعيد عناصر يبحثون عن الكسب ولا يمثلون وجه الحشد الشعبي الحقيقي الذي حرر الموصل من داعش وقدم تضحيات كبيرة في سبيل ذلك”.

يفرّق المحامي بين نوعين من الأوقاف، الأول “مضبوط”، أي أن يقوم الشخص بوقف عقاره ويعلن عن عدم مقدرته أو رغبته في إدارة العقار ويعهد بذلك إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية (ألغيت بعد 2003 وقسمت الأملاك الوقفية بين الوقفين السني والشيعي)، والنوع الآخر وقف “ملحق” وهو العقار الموقوف الذي مازال يدار من قبل “المتولّي”.

وينص القانون في حال كان الوقف “مضبوطاً” على أن تعهد إدارته إلى القاضي الأول في المحكمة الشرعية، “لكن ما يحصل مع كثير من الوقفيات هو خلاف هذا” يقول المحامي مستدركاً، مشيراً بذلك الى ما يتم الاستيلاء عليه حالياً من قبل الوقف الشيعي.

حرب بيانات

في مطلع عام 2019 وجّه الوقف الشيعي كتاباً طالب فيه الوقف السني برفع يده عن إدارة عدد من العقارات التي بحوزته. ثم أصدر قراراً  باستثمار العقارات التي استحوذ عليها عن طريق تأجيرها 

كان ذلك بالتزامن مع بيان أشار فيه الوقف الشيعي إلى أن هذه العقارات تعود ملكيتها إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية المنحلة بعد 2003، وعائديتها غير محسومة، ومن حقه استثمارها لحين البتّ في أمرها.

في المقابل، طالب الوقف السني بوقف توسع نظيره الشيعي في الموصل، مشيراً في بيان على لسان رئيسه أبو بكر كنعان إلى أن “أهل السنة يحبون أهل البيت تماماً كما يفعل الشيعة وهم يطلقون أسماءهم على أولادهم وكذلك على الأمكنة الدينية”، “لهذا فليس من المعقول أن يستحوذ الوقف الشيعي على أي عقار أطلق عليه اسم أحد من آل البيت”.

محمد عبد الوهاب الشماع وهو داعية دينيّ، وصف ما يقوم به الوقف الشيعي في نينوى بـ”الخدعة”، قائلاً: “حين انحلت وزارة الأوقاف العراقية وتقسّمت، بين من أوقف أملاكه لجامع سني آل الوقف للوقف السني، ومن أوقف لجهة شيعية كونه شيعياً، آل الوقف للوقف الشيعي”.

ولفت بحكم عمله السابق ولفترة وجيزة بعد 2003 مديراً للوقف السني في نينوى، إلى أن “لكل حجة وقفية صورة منها لدى ديوان الوقف السني والطابو العقاري والمحكمة، ولدى صاحب الوقف أو من يرثه في جهة الوقف، وهي أدلة يمكن أن تدحض أي ادعاء مخالف في المحكمة”. 

وطالب الوقف السني رئاسة الوزراء بتفعيل القانون الصادر في تموز/ يوليو 2008 والذي نص على اعتماد الحجة الوقفية للوقف لبيان العائدية الطائفية معززاً بوثيقة القسام الشرعي (وثيقة تستخدم في العراق لتحديد الورثة وحصصهم في الميراث تمنح من قبل محكمة الأحوال الشخصية).

يصف الموظف (ت.ب) الذي يعمل في استثمارات الوقف السني، خطوات الوقف الشيعي بـ”غير القانونية” وبأنها “لا تساعد على عودة السلم الأهلي”.

ويقول: “كيف لهم أن يستثمروا عقارات لا يملكونها وأي جهة ستسمح لهم بذلك لولا قوة السلاح الذي يمتلكون”، منبهاً إلى أن عقود الإيجار لن تكون شرعية “فما بني على باطل فهو باطل”. 

ويحذر من أن تؤدي تصرفات كهذه إلى أزمة طائفية جديدة في الموصل، وتتحول “حرب البيانات” إلى حرب بالسلاح.

ويذكّر (ت.ب) بقرارٍ كان أصدره مجلس محافظة نينوى المنحل وقضى بوقف إجراءات استملاك العقارات الوقفية لحين التثبت منها لكن ما حدث على حد تعبيره أن “القرار طبق فقط على الوقف السني في حين لم يمتثل الوقف الشيعي إليه”.

الحشد ينفي

الحشد الشعبي في بيانات منفصلة، نفى الاتهامات الموجهة إليه، بمحاولة إحداث تغييرات ديموغرافية في مدينة الموصل ذات الأغلبية السنية، أحدها صدر من مسؤول مكتبه في بغداد أبو ضياء الصغير، ذكر فيه أن “لا صحة على الإطلاق لوجود هكذا عمليات طائفية”، وأن “وجود الحشد رسمي وقانوني وهدفه حماية أهل المحافظة وليس إيذائهم”. بل أن الصغير نفى وجود “تمثيل للحشد داخل مركز المدينة”.

لكن النائب عن محافظة نينوى عبد الرحيم الشمري، يرى أن عملية سيطرة تحدث على الأوقاف السنية في الموصل وبغض النظر عن الهدف منها، فهي تتم في ظل صمت حكومي، من دون الإشارة إلى دور للحشد في ذلك.

ويتهم الشمري رئيس ديوان الوقف الشيعي علاء الموسوي “بالهيمنة والسيطرة على الأوقاف التابعة لأهل السنة”. ويقول إن “ذلك يحصل في ظل تجاهل حكومي تام، ما يهدد بإحداث فتنة طائفية في مدينة خرجت للتو من حرب دمرت نصفها”.

وهذه الاتهامات، التي يرفضها الحشد ويعتبر أنها تأتي من جهات معادية، تتوافق مع “شهادات” بعض أهالي المدينة تكشف عن ممارسات تقوم بها فصائل الحشد، لا سيّما “اللواء 30” الشبكي، تتمثل في مصادرة أراض زراعية وعقارات سكنية وتجارية قريبة من مزارات أو مقامات للشيعة في منطقة العباسية شمال الموصل ومنطقة علي ره ش شرقها، وهي قرية قائد اللواء وعد القدو الذي يحمل الجنسية الألمانية والذي أوردت وزارة الخزانة الأمريكية أسمه مع قادة فصائل آخرين في قائمة الإرهاب العام الفائت، بتهم انتهاك حقوق الإنسان والقيام بممارسات تنطوي على الفساد. 

“ن. سليمان”، يملك عشرين دونماً على بعد كيلومتر واحد من مقام زين العابدين بن علي في قرية علي ره ش شرقي الموصل، تلقى اتصالاً من شخص من “اللواء 30” أمره بنبرة تهديد بتحويل ملكية أرضه بما يحدد له من سعر وبخلافه فإنه لن يستطيع الوصول إليها أبداً.

سليمان يقيم في أربيل في إقليم كردستان منذ 2014 ويقول إنه يحتفظ بسند عقاره، وإنه سيعود يوماً ما لاستغلاله “عندما تتغير الظروف غير الطبيعية القائمة في نينوى”، مستبعداً فكرة البيع على الرغم من العروض التي يتلقاها باستمرار وبأسعار مغرية تزيد عن 100 مليون دينار يقدمها اشخاص يعتقد أنهم مرتبطون بطريقة أو بأخرى باللواء 30”.

التوازن المفقود

في ظل الصراع “غير المتكافئ” في ظل نفوذ أقوى للوقف الشيعي بحكم وجود قوات الحشد الشعبي الداعمة له في الموصل، يقول رجال دين إنهم يريدون إصدار فتوى تحرم على المواطنين استئجار العقارات التي يقولون إن الوقف الشيعي استولى عليها وعرضها للإيجار. 

الباحث بسام محمد، المتخصص بشؤون الأوقاف يسأل: “مذهب الواقف في نينوى هو المذهب الحنفي، فما علاقة الوقف الشيعي به؟”. ويرى أن قيام الوقف الشيعي بالاستيلاء على العقارات هو تدارك لخطأ من قام بحلّ وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وتقاسم العقارات الدينية بين الوقفين.

وعلى حد قوله، “إن للسنّة فقه أوقاف تطبيقي، وقد أوقفوا جيلاً بعد جيل عقارات أكثر من الشيعة، من عمارات وبساتين ومحال تجارية، أما الشيعة فلديهم نظام مختلف هو نظام الخمس، ولم يعتادوا على وقف أملاكٍ عقارية لجامع أو مسجد”. لهذا تحصل اليوم ما وصفها “بعملية الموازنة بين أملاك الوقفين باستغلال الوقف الشيعي الوضع القائم في نينوى لمصلحته”.

ويقول باحثون إنه باستثناء جامع للشيعة موجود في منطقة الفيصلية بالجانب الأيسر للموصل، فإن بقية الجوامع والمعالم الدينية في الموصل هي سنيّة وهذا أمر معروف، مشيرين في الوقت عينه إلى أن محيط المدينة من جهتها الشرقية يضم مقامات ومزارات تحيطها قرى شبكية غالبية سكانها من الطائفة الشيعية. 

لمواجهة ما يصفونه بالاستيلاء الممنهج على عقارات سنية بأهداف تجارية، لم تكتفِ عائلات تدير بالتولية عقارات وقفية في الموصل، بما في حوزتها من وثائق بل لجأت إلى دائرة الأرشيف العثماني في اسطنبول بتركيا. وحصلت على وثائق للعقارات ذاتها وتستعد لضمها في ملفات دعاوى لفك النزاع بشأنها بين الوقفين السني والشيعي في الموصل. 

ويشير الباحث المتخصص بشؤون الأوقاف بسام محمد، إلى أن النزاع بين الوقفين لا يقتصر على العقارات في نينوى وحسب، بل يشبه الحال في مناطق أخرى من البلاد مثل صلاح الدين وبابل وديالى والأنبار وبغداد والبصرة.

وطالب 13 نائباً ممثلاً عن محافظة نيوى، في كتاب وقعوه ورفعوه في 2018 إلى رئاسة مجلس النواب، بطرح موضوع عقارات الوقف السني في إحدى الجلسات، لكن ذلك لم يتحقق الى الآن. 

النواب طالبوا بوقف ما وصفوه “بتجاوز الوقف الشيعي وتعديه على أملاك الوقف السني”، و”بفسح المجال أمام القضاء للفصل بين المنازعات العقارية الجارية بين أملاك الوقفين، لا وضع اليد وفرض ذلك كأمر واقع”.

في انتظار تحرك حكومي وبرلماني قد لا يأتي أبداً، لمعالجة الملف، يرى موصليون أن الحشد “فرض التوازن المفقود” في ممتلكات الوقفين، من خلال السيطرة وبحكم الأمر الواقع على الكثير من أملاك الوقف في أكبر المدن السنية في العراق.

  • أجري هذا التحقيق بدعم من شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية وإشراف الزميل كمي الملحم
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
بينما تبحث أم عن شيءٍ من أشلاء ابنها تحت أنقاض الركام في مرفأ بيروت، يلاحق الأمن من كسر صورة الرئيس، وتضرب السلطة بيدٍ من حديد كل من يطالب بمحاسبة المسؤولين عن الفساد الذي انفجر في وجوه اللبنانيين.
صهيب أيوب – صحافي وكاتب لبناني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني