مئوية لبنان الكبير: “أنا صار لازم ودعكن وخبركن عني”

الدياسبورا اللبنانية بحكم وجودها وعملها في الخارج تملك القدرة لتكون أقل ارتباطاً بالنظام الطائفي في الداخل، فهل تسهم، على عتبة مئوية لبنان، في لعب دوراً "تأسيسياً" جديداً يلاقي تطلعات انتفاضة 17 تشرين أول؟

تترافق مئوية ولادة دولة لبنان الكبير (أيلول 1920) مع جائحة كورونا وتأثيرها على الاقتصاد العالمي وبالتالي تأثير ذلك على التحويلات المالية التي يرسلها المهاجرون اللبنانيون الى بلدهم الأم. وهي تحويلات كانت أساساً شهدت ركوداً في السنوات الأخيرة لعدة أسباب من أبرزها انخفاض أسعار النفط في الخليج. ويتزامن كل هذا مع انهيار مالي وتآكل لمؤسسات الدولة اللبنانية، ما يؤشر الى تحول كبير في ديناميات الخارج والداخل التي عرّفت السياسة اللبنانية لعقود. لكن ما هي سمات هذا العلاقة ببعدها السياسي على الأقل، وكيف نفهمها لو وضعناها في سياقها التاريخي الذي يعود الى ما قبل عام 1920؟    

الهجرة وفكرة لبنان الكبير

لا يمكننا فهم الرواية الكاملة لولادة لبنان الكبير عام 1920 دون الإضاءة على الدور الفاعل للمهاجرين اللبنانيين في هذا المجال. ففي ظل متصرفية جبل لبنان تحت الحكم العثماني، سعى مهاجرون لبنانيون الى التحرر من هذا الحكم عبر مناشدتهم الدول الكبرى وخاصة فرنسا التي عملت كحامية للمسيحيين في لبنان في وجه الحكم العثماني واحتمال قيام حكم أو مملكة عربية. كما ألف مهاجرون آخرون كتابات سوّغت السرديّة الوطنية اللبنانية، وشددت على الحدود الجغرافية والجوانب الاقتصادية للبنان الكبير، مشكلة بذلك عاملاً أساسياً جعل من الممكن توسيع الأراضي اللبنانية بشكلها الحالي. وفي ظل غياب الأحزاب السياسية الحديثة في تلك الفترة (نهاية القرن التاسع عشر وصولاً الى عام 1920)، لعبت ايضاً الجمعيات التي أسسها مهاجرون لبنانيون في الخارج (من أبرزها “الاتحاد اللبناني” في مصر، و”عصبة النهضة اللبنانية” في نيويورك) دوراً رئيسياً كمجموعات ضغط على مراكز القرار في باريس وواشنطن ونيويورك، وكوسائط للنشاط السياسي الهادف الى تحقيق التحرر من الحكم العثماني وانشاء كيان لبناني مستقل. 

طبعاً، استفاد المهاجرون والجمعيات اللبنانية في البلدان الثلاثة المذكورة من مناخ الحرية السائد فيها بعيداً عن الاضطهاد العثماني في البلد الأم، فاستطاعوا الانخراط في النشاط السياسي الهادف إلى استقلال لبنان عن الحكم العثماني، واطلعوا وتأثروا بالأفكار التنويرية والوطنية السائدة في حينه. 

بولس نجيم كان من أوائل الذين كتبوا عن إنشاء كيان لبناني مستقل. ولد نجيم عام 1880 في جونيه، ودرس في مدرسة عينطورة، ثم سافر الى فرنسا حيث درس في معهد حقوق باريس، ونال من المعهد ذاته شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية. خلال دراسته في باريس، قام نجيم بأبحاث عن تاريخ لبنان وتسنى له الاطلاع على وثائق وزارة الخارجية الفرنسية، الأمر الذي   مكنه من نشر كتابه “قضية لبنان” بالفرنسية في عام 1908 في فرنسا تحت الاسم المستعار م. جوبلان. 

دعا نجيم في كتابه الى توسيع أراضي متصرفية جبل لبنان لتشمل بيروت في الوسط، البقاع، مرجعيون في الجنوب، وعكار في الشمال. واحتوى الكتاب على أول إشارة صريحة الى التعريف الجغرافي للبنان الكبير، كما قدم المسوّغ الاقتصادي له. كان لكتاب نجيم دوراً رئيسياً في بلورة وإرساء فكرة لبنان الكبير، خصوصاً في مواجهة بعض النخب المثقفة في ذلك الزمان الذين كانوا ينظّرون ويعملون للإبقاء على المتصرفية أو لقيام دولة لبنانية بمساحة أصغر من الحالية.  

بعدها بسنتين، في عام 1910، نشر اللبناني المقيم في مصر يوسف السودا كتابه “المسألة اللبنانية”، مشدداً فيه على استقلال الكيان اللبناني وداعياً الى ضم منطقة البقاع الى المتصرفية من أجل دعم اقتصاد جبل لبنان، متقاطعاً بذلك مع طروحات نجيم.  والسودا، المولود في بكفيا سنة 1888، تخرج محامياً في القاهرة سنة 1908، ومن ثم رافع في المحاكم المختلطة في الإسكندرية، وأقام فيها الى سنة 1922 قبل عودته الى لبنان. ومن المرجح جداً أن السودا تأثر، خلال اقامته في مصر، بالأفكار الوطنية للمناضل المصري ضد الاستعمار البريطاني مصطفى كامل. وفي عام 1919، أثناء انعقاد مؤتمر الصلح في باريس، نشر يوسف السودا في مصر كتابه “في سبيل لبنان”، مضمّنناً إياه آرائه ورؤيته للقومية اللبنانية ذي الأصول الفينيقية.

في ظل متصرفية جبل لبنان تحت الحكم العثماني، سعى مهاجرون لبنانيون الى التحرر من هذا الحكم عبر مناشدتهم الدول الكبرى وخاصة فرنسا التي عملت كحامية للمسيحيين.

وفي نفس سياق الهجرة اللبنانية الى مصر في تلك الفترة، كان لمهاجر آخر هو أوغست أديب مساهمته ايضاً في إرساء السردية الوطنية اللبنانية عبر تأليفه كتاب “لبنان بعد الحرب” الذي صدر بالفرنسية في باريس سنة 1918. هاجر أديب الى مصر وعمل في إدارة مالية الدولة لمدة 35 عاماً ومن ثم عاد الى لبنان عام 1920 بعد قيام دولة لبنان الكبير.

في كتابه الآنف ذكره، قدم أديب سياقاً تاريخياً لدولة لبنان الكبير كان بمثابة حجر الأساس للمطالب السياسية التي تلت انتهاء الحرب العالمية الأولى والداعية إلى إنشاء كيان لبناني مستقل بحدوده الحالية. وعلى غرار يوسف السودا، أسهم أديب في بناء ونشر سردية الأصل الفينيقي للبنان، وكانت أفكاره الفينيقية اللبنانية نتاج إقامته في مصر حيث تأثر بالحركة القومية المصرية.

الانتداب الفرنسي

بعد عام 1920، وفي ظل الانتداب الفرنسي، لعب الاغتراب والمهاجرون اللبنانيون العائدون أدوراً أساسية في الحياة الدستورية والبرلمانية والسياسية في البلد. ففي عام 1925 انتُخب ميشال شيحا (العائد من مصر عام 1919) نائباً عن بيروت، وبعد عام لعب دوراً حاسماً في كتابة الدستور اللبناني عام 1926. وفي السنة ذاتها ألف أوغست أديب أول حكومة بعد إعلان الجمهورية اللبنانية.

وفي الثلاثينات، أسس أنطون سعادة العائد من البرازيل “الحزب السوري القومي الاجتماعي” عام 1932، وقد عرف الحزب شعبية ملحوظة في الأوساط المسيحية الارثوذكسية ولدى بعض مسلمي الأطراف. وبعدها بأربع سنوات، أسس بيار الجميل (العائد من مصر عام 1919) “حزب الكتائب اللبنانية” الذي يؤكد على نهاية الكيان اللبناني ويدعو الى قومية لبنانية متمايزة عن العرب. 

العهد الاستقلالي الأول 

شهد العهد الاستقلالي الأول (1943- 1952) بروز المهاجر العائد حسين العويني (المملكة العربية السعودية) الذي يصفه الصحافي جهاد الزين بأنه كان “أول “رفيق حريري” سعودي في الحياة السياسية اللبنانية”. عمل العويني في التجارة لأكثر من 20 عاماً في السعودية نسج خلالها علاقة وثيقة مع العائلة الحاكمة وجنى ثروة كبيرة مكنته، بعد استقراره في لبنان عام 1947، من اختراق الأوليغارشية اللبنانية ذي الغلبة المسيحية، ليصبح المسلم الوحيدة في الدائرة الضيقة من الأشخاص الملتفين حول الرئيس بشارة الخوري. انتُخب العويني نائباً عن بيروت عام 1947 وعينه الخوري رئيساً للحكومة في 1951. 

عهدا كميل شمعون وفؤاد شهاب 

أما في فترة الخمسينات فقد تمثل تأثير الهجرة العائدة والمال الاغترابي على الحياة السياسية اللبنانية بحدثين بارزين. اولاً، الصعود السياسي لرجل الأعمال اميل بستاني (فلسطين، العراق والكويت) الذي ربطته علاقة وثيقة بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، وكان المرشح الأوفر حظاً لرئاسة الجمهورية عام 1964، إلا أنه توفي قبل ذلك بسنة بحادث أدى الى تحطم طائرته.    

فؤاد شهاب

ثانياً، وصول موسى الصدر من إيران الى لبنان عام 1959 حاملاً معه مشروعاً سياسياً يهدف الى تأمين حصة أفضل للجماعة الشيعية في الدولة اللبنانية تجاه الموارنة والسنة. قدّم الصدر خطاباً سياسياً وسطياً، بين الزعامات السياسية التقليدية والأحزاب السياسية الراديكالية في جنوب لبنان، جاذباً اليه على وجه الخصوص شريحتين اجتماعيتين ضمن الجماعة الشيعية من الذين التفّوا حوله: الموظفون في الدولة والمهنيون والمهاجرون العائدون الذين أثروا في غرب أفريقيا. 

أراد الموظفون تحسين وضعهم الدوني في الدولة مقارنة بالموارنة والسنة. أما المهاجرين العائدين الشيعة من “الأغنياء الجدد” فكانوا غير مرتاحين للزعامات السياسية التقليدية ويبحثون عن صوت سياسي جديد ويتوقون الى تحويل ثرواتهم الى سلطة سياسية واجتماعية. وما لبث الصدر أن أصبح ممثلهم. حققت حركة موسى الصدر تقدماً كبيراً في البيئة الشيعية في الستينيات، الا انها لم تقوى على كسر سيطرة الزعامات السياسية التقليدية في جنوب لبنان والتي تحالفت أيضاً مع المال الشيعي الاغترابي. وكان على الصدر ان ينتظر الى عام 1974 ليسجل اول خرق في سيطرة الزعامات السياسية التقليدية في جنوب لبنان. ففي الانتخابات الفرعية في النبطية في كانون الأول من العام ذاته، تمكّن مرشح موسى الصدر، رفيق شاهين، من الانتصار على مرشح كامل الأسعد.

الحرب الاهلية 

مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 وتعطل اجراء الانتخابات النيابية، لعب المال الاغترابي دوراً في تمويل ما يسمى “نخب الحرب”. من الأمثلة على ذلك الدعم المالي الذي قدمه المغتربون الشيعة في افريقيا لنبيه بري رئيس “حركة امل” في الثمانينات؛ الدعم المالي الذي قدمه رجل الاعمال روجيه تمرز (وهو “مغامر مالي عربي ودولي”) لبشير الجميل؛ وتحالف رجل الأعمال أنطوان شويري (فرنسا) مع قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع.

الجمهورية الثانية     

بعد انتهاء الحرب وقيام الجمهورية الثانية (1990)، شكل رجال الأعمال العائدون من الخليج، او ما يسميه هانس بومان “البورجوازية المُقاولة الجديدة”، ركناً أساسياً من نظام “جمهورية الطائف”. وعلى رأس هؤلاء رفيق الحريري (السعودية)، وعصام فارس ونجيب ميقاتي. استفاد هؤلاء من “الفورة النفطية” لعام 1973 في الخليج العربي وأثروا كمقاولين، قبل العودة الى لبنان في التسعينيات، وطرحوا أنفسهم كبديل مدني عن “نخب الحرب” في زمن السلم (وتحالفهم معها). وبذلك استحصل هؤلاء على “رأسمال سياسي” اضافوه الى رساميلهم الاقتصادية، الأمر الذي حصنها قانونيّاً وفتح لها مجالات جديدة لمراكمة مزيد من الثروة. وتلاحظ ويندي بيرلمان في هذا السياق ان العديد من المهاجرين اللبنانيين العائدين الأثرياء دخلوا الى الحياة السياسية من خلال “شراء” مقاعدهم في البرلمان على القوائم الانتخابية التي يترأسها الزعماء السياسيين التقليديين، في حين مكّنت الثروة الاغترابية بعضهم الآخر من تشكيل شبكات زبائنية جديدة خاصة بهم.

تبين هذه المراجعة التاريخية الدور “التأسيسي” للاغتراب اللبناني في ولادة لبنان الكبير (مع العلم ان الفضاء الاغترابي، قبل 1920، كان ايضاً مسرحاً لسرديات آخرى مثل سوريا الكبرى او سوريا الفيديرالية). وبعد الاستقلال عام 1943، لعب مهاجرون عائدون ادواراً أساسية في تثبيت نهائية الكيان اللبناني مثل موسى الصدر ولاحقاً رفيق الحريري. الا ان هذه الأدوار، على أهميتها، لم تقارب يوماً إشكالية النظام الطائفي وطابعه الزبائني، لا بل إنها ساهمت في تعزيزه.

يبقى السؤال مطروحاً: أيّ دور للدياسبورا اللبنانية تجاه البلد الأم بعد انتفاضة 17 تشرين أول؟

 مع انطلاقة انتفاضة 17 تشرين أول 2019، شهدنا دعماً وتضامناً مميزاَ معها ابدته الدياسبورا اللبنانية. وجاءت جائحة كورونا والانهيار المالي لتحدا من زخم واندفاعة هذه الانتفاضة. 

يبقى السؤال مطروحاً: أيّ دور للدياسبورا اللبنانية تجاه البلد الأم بعد انتفاضة 17 تشرين أول؟ الدياسبورا اللبنانية بحكم وجودها وعملها في الخارج تملك القدرة لتكون أقل ارتباطاً بالنظام الطائفي في الداخل، فهل تسهم، على عتبة مئوية لبنان، في لعب دوراً “تأسيسياً” جديداً يلاقي تطلعات انتفاضة 17 تشرين أول، باتجاه التجاوز التدريجي للطائفية السياسية وبناء دولة المواطنة؟ 

سؤال يكتسب اليوم راهنية أكبر في وقت يشهد فيه الكيان اللبناني تحدياً وجودياً، اذ يهيمن عليه تحالف سياسي يقوده حزب عابر للحدود اللبنانية، تقابله تيارات سياسية أقل حجماً وتأثيراً تهجس بتطبيق اللامركزية المالية والإدارية، فيما المقصود هو الفيدرالية بمعني التقسيم أحياناً. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني