الخارطة النقابية الجديدة في الجزائر: ضعف التجنيد وقوة “القبائل”!

عرف دور النقابات المستقلة صعوداً واضحاً مع بداية الحراك الشعبي في 2019 الذي غيّر جذرياً في ملامح الساحة السياسية الوطنية، عبر بروز قوى اجتماعية جديدة كالشباب والفئات الوسطى والمرأة.

عرف دور النقابات المستقلة صعوداً واضحاً مع بداية الحراك الشعبي في شباط/ فبراير 2019 الذي غيّر جذرياً في ملامح الساحة السياسية الجزائرية عبر بروز قوى اجتماعية جديدة كالشباب والفئات الوسطى والمرأة داخل المدن الكبرى والمتوسطة، التي تعيش فيها أغلبية الجزائريين من فئات كان يعرف عنها قبل هذا التاريخ العزوف عن الاهتمام بقضايا الشأن العام. 

في فرنسا، تعرّف العمال الجزائريون إلى العمل النقابي في المهجر. تطورت هذه التجربة بعد هجرة الجزائريين المبكرة التي ارتفعت وتيرتها قُبيل الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن التجارب النقابية التي سمحت بها الحالة الاستعمارية الاستيطانية في الجزائر داخل قطاعات متنوعة (نقل، صحة، صناعات تحويلية ومنجمية). والكونفدرالية العامة للشغل (CGT) ذات التوجه اليساري، كانت المدرسة الأساسية لهذه التجربة النقابية التي قام بها الفلاحون- العمال في فرنسا داخل قطاعات، يغلب عليها الطابع الصناعي كالميكانيك والمناجم، ما منح التجربة النقابية الجزائرية بعداً عمّالياً واضحاً، انتهت إلى إفراز نقابة مستقلة خاصة بالعمال الجزائريين داخل فرنسا، على غرار ما قام به العمال المغاربة والتونسيون.

أما داخل الجزائر، فلم يصمد من تجارب العمل النقابي قبل الاستقلال سوى الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي تبنى مطلب الاستقلال الوطني بشكل واضح تحت قيادة جبهة التحرير، لينجز بعد الاستقلال تجربة نقابية أحادية شبيهة لما شاع في الكثير من دول العالم الثالث لغاية عام 1988، اعتمدت على القطاع الصناعي العام ودور الدولة الاقتصادي في ظل حكم الحزب الواحد. واستمرت هذه المركزية النقابية التي تكونت قبل ظهور الدولة الوطنية ذاتها في أداء أدوارها التقليدية كنقابة رسمية بوظائف يغلب عليها الطابع السياسي (التجنيد لمصلحة مشاريع السلطة)، وهي تعيش حالة تنافس كبيرة مع النقابات المستقلة داخل عدد من القطاعات كما هو حاصل في قطاع الوظيف العمومي. 

كان لا بد من انتظار عام 1989، تاريخ اعتراف دستور 23 شباط بحرية تكوين نقابات مستقلة والحق في الاضراب وتكوين الأحزاب السياسية – لكي يظهر عدد من النقابات المستقلة في قطاع الخدمات كالصحة والتعليم والإدارة العمومية وقليل من النقابات المستقلة في القطاع الصناعي، الذي ظلّ كقطاع تحت سيطرة الاتحاد العام. سادت آنذاك النقاشات السياسية الثقافوية والدينية، عبّر عنها بروز قوي لتيارات الإسلام السياسي كفاعل قوي لم يتمكن (على رغم ذلك) من الحصول على حضور نقابي مهم بعد المصير الذي لاقته تجربته النقابية – النقابة الإسلامية للعمل (SIT) – التي أعلنت عنها الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وكان هذا المصير نفسه الذي لاقته تجربة حركة “إحسان” التابعة للتيار الإخواني والتي اختفت من الساحة النقابية بعد تجربة محتشمة جداً.

ترافق تكوين النقابات المستقلة في تسعينات القرن الماضي مع أوضاع أمنية سياسية ومالية صعبة عطّلت فعالتيها حتى بداية الألفية الجديدة، بداية تحسن الوضع المالي والأمني للبلاد. انطلقت هذه النقابات في بداية عملها وقبل الاعتراف القانوني بها في حالات معينة، إلى الإعلان عن إضرابات مطلبية، كانت طويلة ومتكررة في بعض الأحيان كما حصل في قطاع التربية، حول مطالب فئوية غالباً ما كانت تتعلق بالأجور بمجرد إحساسها بتحسن الوضع المالي لرب العمل (الدولة).

وجدت هذه التجربة النقابية الجديدة الكثير من الرفض من قبل السلطات التي تعاملت معها بعداء واضح لسنوات عدة ورفضت الاعتراف بها قانونياً في البداية أو التعامل معها كشريك اجتماعي على مستوى التفاوض الوطني لاحقاً، لتقبل بها سنوات بعد ذلك كشريك داخل القطاعات التي تنشط فيها فقط، على مستوى الوزارات كالصحة والتربية. يجد هذا العداء تفسيره في موقف النخب السياسية والحكومية التي حصلت على تنشئة بعيدة من العالم النقابي، في أجواء سياسية سيطرت عليها أطروحات نيوليبرالية داخل نظام سياسي رافض لأي استقلالية للفاعلين الاجتماعين والنقابيين، حتى وهو يقبل بهم من الناحية القانونية النصية. كما جرت العادة، نفّرت التجربة النقابية الأحادية الكثير من الشباب من العمل النقابي حتى بعد الإعلان عن التعددية وعلى رغم البوادر التي برزت بعد المواقف الجديدة التي خرجت بها النقابات المستقلة وحتى النقابات المهنية، كما كان الحال مع نقابات المحامين والقضاة (جزئياً) الذين قدموا صورة إيجابية جديدة عن العمل النقابي المطلبي والمستقل عن السياسي الرسمي. يمكن لمثل هذه أن تساهم مستقبلاً في إعادة الاعتبار للممارسة النقابية والفئات المرتبطة بها كجزء من الإصلاحات السياسية التي طالب بها الحراك.

بعد التحسن في الحالة المالية للبلاد وهدوء الوضع الأمني والاستقرار السياسي الذي عرفته الجزائر في نهاية الولاية الأولى للرئيس بوتفليقة 1999/2002، تحولت النقابات المستقلة إلى الفاعل الاجتماعي المركزي في تحريك الساحة الاجتماعية. وهو الدور نفسه الذي قامت به، ولو بفعالية أقلّ، فروع نقابية واتحادات ولائية تابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين في بعض الولايات المعروفة، بحيويتها السياسية كولايات العاصمة وتيزي وزو وبجاية في منطقة القبائل التي تتأثر فيها هياكل الاتحاد العام في الغالب بمنطق محلي مختلف عن المنطق السائد وطنياً.

أما النقابة الرسمية فقد استمرت في أداء أدوارها داخل جزء من القطاع العمومي الصناعي تحديداً، من دون أن تتمكن من التكيف مع المحيط الاجتماعي والسياسي الجديد، ما زاد في تعميق أزمة تسييرها البيروقراطي غير الديموقراطي، وشل هياكل تسييرها الوطنية والمحلية لمدة طويلة كالاتحادات الولائية والإقليمية والفيدراليات القطاعية، نتيجة شكلية الانتخابات التي استُبدلت بالتعيين والتزكية وانكماش قاعدتها العمالية وشبهات الفساد التي لاحقت قيادتها كجزء من النخبة الرسمية الحاكمة. استمر هذا الوضع لغاية انطلاق الحراك الشعبي الذي فرض على الأمين العام عبد المجيد سيدي السعيد مغادرة موقعه على رأس النقابة، بعد 22 سنة (1997-2019)، وقد عرف بقربه اللصيق من الرئيس المستقيل بوتفليقة. ترافق ذلك مع غياب شبه كلي لأي حضور نقابي داخل القطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي، ما يعني عملياً فقدان الحماية النقابية والاجتماعية لأغلبية اليد العاملة الشابة، بما فيها النساء، اللواتي التحقن بالعمل في القطاع الخاص وغير الرسمي في السنوات الأخيرة. كما سيطرت النقابات المستقلة على قطاع الوظيف العمومي والإدارة العمومية، ما منح الموظفين في هذا القطاع وضعاً متميزاً على مستوى الأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية وعماله والنقابات المتحدثة باسمهم، وقدرة على التفاوض أمام رب العمل (الدولة)، التي تحسنت إمكاناتها المالية بعد الزيادة في أسعار البترول على عكس الوضع الحالي، الذي ينذر بصعوبات أكبر على المدى القريب والمتوسط بخاصة بعد التدهور الكبير في أسعار البترول نتيجة تفشي وباء “كورونا”.

تركّز الحراك العمالي المطلبي المستقل خلال هذه الفترة على المطالب الاقتصادية والاجتماعية (الأجور وملحقاتها)، من دون تناول مطالب سياسية باستثناء بعض القضايا المتعلقة بالمشاركة في الحوار الاجتماعي والنقاش الاجتماعي والسياسي العام الذي كانت ترتفع وتيرته بمناسبة الانتخابات السياسية – التشريعية 2012/2017 والرئاسية 2009/2014، علماً بأن الحكومات المتعاقبة كانت رفضت إشراك النقابات المستقلة في الحوار الاجتماعي المركزي بين النقابات والحكومة وأرباب العمل والذي بقي التمثيل فيها محتكراً من الاتحاد العام من الجانب العمالي، في حين كان تعددياً على مستوى نقابات أرباب العمل الذين مثلوا بأكثر من كونفدرالية، ما عمق الشعور بالغبن لدى النقابات المستقلة.

عرفت هذه الفترة كذلك بروز المعارضة السياسية كقوة موحدة من خلال “تنسيقية الانتقال الديموقراطي” التي كانت وراءها مجموعة من أحزاب المعارضة (نحو 13 حزباً سياسياً) من مختلف الأطياف السياسية وشخصيات وطنية، بما فيها بعض الوجوه النقابية الممثلة للنقابات المستقلة. التنسيقية التي تمكنت من الاتفاق على “وثيقة مزفران” في حزيران/ يونيو 2014 قدمت تصوراً للدخول في مرحلة انتقال سياسي توافقي بمشاركة السلطة. إلا أن هذا المشروع لم يصمد أمام محطات الانتخابات الرئاسية 2014 والتشريعية 2017 بعد الإخفاق في الوصول إلى اتفاق جامع في شأن الانتخابات وشروط المشاركة من عدمها فيها.

نقاشات سياسية عرفتها هذه المرحلة لم تتوقف من جهة أخرى داخل البرلمان الذي تمكن نقابيون ممثلون لنقابات مستقلة من الوصول إليه كممثلين لبعض القوى السياسية من مختلف العائلات السياسية ليتحولوا إلى وجوه سياسية وإعلامية معروفة لدى الرأي العام، بعد السماح بتكوين قنوات تلفزيونية كأحد تداعيات الربيع العربي في الجزائر التي تكيفت معه السلطة بالإعلان عن إصلاحات للإطار القانوني للعمل العام والقبول بأحزاب سياسية جديدة كانت تنتظر الاعتراف بها منذ سنوات مع وعود بإصلاح الدستور الذي تأخر حتى عام 2016.

عرف دور النقابات المستقلة صعوداً واضحاً مع بداية الحراك الشعبي في 2019 الذي غيّر جذرياً في ملامح الساحة السياسية الوطنية، عبر بروز قوى اجتماعية جديدة كالشباب والفئات الوسطى والمرأة داخل المدن الكبرى والمتوسطة التي يعيش فيها أغلبية الجزائريين (حوالى 67 في المئة من مجموع السكان)، فئات كان معروفاً عنها قبل هذا التاريخ العزوف عن الاهتمام بقضايا الشأن العام. وقد ناقشت هذه الفئات عبر لقاءات واجتماعات المطالب المطروحة من قبل الحراك وكيفية تفعيل دوره في التغيير السياسي التوافقي خلال المرحلة التي سبقت الإعلان عن تاريخ الانتخابات الرئاسية التي عُقدت لاحقا في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2019. واستمرت هذه المبادرات التي كانت تهدف إلى الدعوة لتنظيم ندوة وطنية لتنسيقيات للحراك بمناسبة الذكرى الأولى له في 22 شباط 2020 تم رفض الترخيص لها من قبل السلطات.

إضافة إلى المشاركة في المسيرات الأسبوعية من قبل قياداتها وقواعدها على المستوى الوطني، دعت الكونفدرالية الوطنية للنقابات المستقلة إلى إضراب عام يوم 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، لدعم الحراك الشعبي ووقف اعتقالات نشطاء الحراك قبيل الإعلان عن الانتخابات الرئاسية. ولكن هذا الاضراب لم يجد صدى كبيراً لا في العاصمة ولا في الولايات الأخرى، باستثناء ولايات منطقة القبائل المعروفة بحيوتها السياسية وتأطيرها الحزبي النقابي والجمعوي القوي تقليدياً. أظهر عدم نجاح هذا الإضراب العام ضعف تجنيد هذه النقابات التي لا تملك عمقاً عمالياً قوياً داخل التجمعات الصناعية الكبيرة التي كان يمكن أن تجندها في مثل هذه الفترة التي تعوّد أن يخرج فيها الكثير من الجزائريين إلى الشارع من أجل مطالب سياسية نوعية لم تكن سائدة قبل اندلاع الحراك.

بيَّن الإضراب العام من جهة أخرى ضعف قاعدة هذه النقابات المعتمدة على الموظفين الموزعين على أماكن عمل كثيرة ومتفرقة وبأعداد قليلة، وبثقافتهم النقابية المحدودة التي لم تقطع كلياً مع رب العمل (الدولة)، التي تعودوا تقليدياً على القرب منها أيديولوجياً وسياسياً. هم الموظفون الذين كانوا منذ عهد قريب اليد السياسية لهذه الدولة ولمدة طويلة، كما كان الحال سائداً خلال تجربة الأحادية السياسية. وكما هو الحال في الكثير من التجارب السياسية المشابهة، كالتجربة الناصرية والبعثية وغيرها من التجارب العربية التي كوّن المعلم والأستاذ والموظف الصغير أهم قواعدها الاجتماعية الأساسية والمدافعة عنها، قبل أن تتخلى عنهم الدولة الوطنية لمصلحة فئات اجتماعية جديدة، أفرزتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت وراءها السياسات نفسها في العقود الأخيرة. وهو ما ظهر لاحقاً عندما تعرضت قيادات هذه النقابات المستقلة إلى ضغوط رسمية من داخل النقابات مورست عليها للتخفيف من حضورها داخل فعاليات الحراك، بالاشتراك مع تنظيمات جمعوية وشبابية مستقلة، الأمر الذي جعل بعض هذه القيادات النقابية تبتعد من التنسيق معها موقتاً لغاية توقيف المسيرات الشعبية تحت ضغط انتشار فايروس “كورونا” في منتصف شهر آذار/ مارس 2020. في المقابل، أخّر تفشي “كورونا” التحاق بعض القيادات النقابية الأخرى كأفراد في مشاريع تكوين كيانات سياسية جديدة.

يبقى أن فشل الإضراب العام أظهر بوضوح عدم مجاراة القاعدة النقابية دائماً لمثل هذه الحركات الاحتجاجية الجديدة بمطالبها السياسية النوعية في هذا الظرف الثوري، في عز الحراك الشعبي ومطالبه السياسية الواضحة بتغيير جذري للنظام السياسي. موقف النقابات مفسها تقريباً عبر عنه المواطنون بمن فيهم المشاركون في المسيرات الذين لم يتبنوا بشكل واضح مطلب الإضراب العام، الذي نادت به مجموعات حزبية وشبابية داخل الحراك ولم يتم التجاوب معه إلا في منطقة القبائل، تماماً كما حدث مع مشروع مقاطعة الانتخابات الرئاسية يوم 12 كانون الأول 2019، الذي لم ينجز بشكل كامل إلا في هذه المنطقة المعروف عنها قوة التأطير الحزبي والجمعوي والنقابي ذات التقاليد القديمة في معارضة السلطة المركزية. وهذا الاختلاف في مستويات التجنيد الشعبي بين منطقة القبائل وبعض المدن الكبرى كالعاصمة مع بقية مناطق الجزائر الأخرى، قد تسبب في بعض الأحيان في قراءات سياسية مغلوطة أثرت سلباً في بعض المحطات على مستويات التجانس السياسي داخل الحراك وتسببت في سوء تفاهم بين مكوناته الشعبية وقياداته المختلفة.

ومن عوامل ضعف الحركة النقابية الجزائرية عموماً القراءة الفئوية لموازين القوى والمبالغة في التركيز على المطالب الاقتصادية الفئوية مع ضعف حضور قيم التضامن بين  مكونات عالم الشغل، في وقت تظهر فيه الكثير من المؤشرات الماكرو اقتصادية أن الدولة كرب العمل لن تكون على المدييْن القصير والمتوسط في وضع يسمح لها بتلبية هذه المطالب، نظراً للوضع الاقتصادي السيئ العام الناتج عن تدهور أسعار البترول وفشل عمليات التحديث والتنويع للاقتصاد الوطني الذي استمر ضمن المنطق الريعي المعروف عنه. والأهم من ذلك التغيير الحاصل في قاعدة الدولة الاجتماعية التي تدل الكثير من المؤشرات أنها بصدد التخلص من قاعدتها التقليدية الشعبية التي تحتل فيها الفئات الوسطى مكانة متميزة، للاقتراب أكثر من الفئات الجديدة التي يمثل أحد أبرز وجوهها أرباب العمل الجدد في القطاع الخاص.

ينشر هذا النص بالتعاون مع “مبادرة الإصلاح العربي” 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني