إيران في أوروبا (1) : جمعيات دينية وثقافية واجهة للنفوذ

نجحت إيران ومنذ سنوات في التغلغل في أوروبا من دون أن تثير حساسية أجهزة استخبارات دول الاتحاد. هذا التمدد حصل في إطار استراتيجية القوة الناعمة، التي تهدف إلى تثبيت نفوذها ...

نجحت إيران ومنذ سنوات في التغلغل في أوروبا من دون أن تثير حساسية أجهزة استخبارات دول الاتحاد. هذا التمدد حصل في إطار استراتيجية القوة الناعمة، التي تهدف إلى تثبيت نفوذ سياسي واقتصادي وثقافي وأكاديمي. 

تشير الدراسات والتحقيقات التي نشرت بشأن هذه التمدد أن إيران اعتمدت في استراتيجية التوسع هذه على عناصر في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. ويعتمد هؤلاء العناصر في تنفيذ مهماتهم على دعم لوجستي من شركات تجارية واستثمارية، يملكها مقيمون وحاملو جنسيات هذه الدول، من أصول لبنانية وعراقية وسورية وفلسطينية. وهؤلاء يتميزون بمعرفتهم الواسعة بالحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية والخارطة الدينية والاثنية لهذه الدول، بل إن كثراً منهم يرتبطون بعلاقات وثيقة مع قوى وتيارات سياسية وأكاديمية وإعلامية يستغلونها لتمرير خططهم ومشاريعهم مقابل أموال وخدمات متعددة ومتبادلة. 

توسيع النشاط الإيراني في أوروبا جزء من استراتيجية القوة الناعمة، التي تعد أدواتها عنصراً محورياً في استراتيجية القوة الصلبة التي ينتهجها النظام في الشرق الأوسط. 

لطالما استخدمت طهران العمل الخيري بفروعه التعليمية والثقافية والإغاثية والتدريبية، وجعلته بمثابة اذرعها الطويلة التي مكنت ثورة الملالي الإيرانية من تكريس وتعزيز نفوذها السياسي والأمني

طهران أقامت في إطار برنامجها التوسعي ملحقيات ومراكز ثقافية لا يقتصر عملها على مد روابط بين الجامعات الإيرانية ومثيلاتها الأوروبية فحسب، بل هناك شبكات أخرى متخصصة أسستها لتتولى مهمات لوجستية تسهل تحويل البرامج والمشاريع السياسية تحت غطاء ثقافي وخيري وأكاديمي. 

يقول مدير شبكة المعلومات السياسية في الشرق الاوسط (MEPIN) في مقال نشرته صحيفة “ذي هيل” الأميركية إريك ماندل: “لا يعتقد أي محلل سياسي وأمني حذق أن الهجوم الواهي على الأصول الأميركية في العراق بعد مقتل الجنرال قاسم سليماني سيكون بمثابة مشهد النهاية لهذه الرواية”. وكتب ماندل إنه “على رغم تركيز وسائل الإعلام على إسرائيل وأفريقيا وأوروبا، كمناطق مهددة بالتعرض لهجمات بالوكالة ضد المصالح الأميركية والغربية، فإن  إيران وميليشيات حزب الله التابعة لها حددت الكثير من الأهداف السهلة للاختيار بينها، بعدما تم بالفعل نشر خلاياها حول العالم”. 

أولت طهران اهتماماً كبيراً بإنشاء شبكات من الجمعيات والمراكز الثقانية والحسينيات في أوروبا والدول الاسكندنافية ومنطقة البلقان، لتكون بمثابة الجسم الشرعي العلني الذي يخفي نشاطاتها الأمنية والسياسية والمالية. 

وكانت بريطانيا أدرجت قبل أربعة أشهر تقريباً ميليشيات “حزب الله” وهياكلها في المملكة المتحدة في لائحة الجماعات الإرهابية الدولية. وقرار الحظر الذي اتخذته لندن لا يفرّق بين ما يسمى الجناح العسكري والسياسي، وهو الفصل الذي ينفي الحزب أصلاً وبشكل قاطع وجوده ولطالما سخر من أوروبا، مؤكداً أن لا تقسيم على هذا الأساس لدى الحزب، فكله وحده كاملة. ولكن مع ذلك أصرت عواصم أوروبية على هذا التقسيم في الفترات الماضية عندما قررت حظر ما سمته الجناح العسكري. ويأتي القرار البريطاني بعد تلقي هيئات استخبارية أوروبية متعددة، معلومات تشير إلى أن “حزب الله” اللبناني ينشئ شبكات متعددة في أوروبا. وقال تقرير نشرته صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، “حزب الله يجند المزيد من العناصر من المقيمين والمجنسين في أوروبا بخاصة من أصحاب السجلات النظيفة، أي غير المعروفين للأجهزة الأمنية للاستفادة منهم سواء في تأمين الدعم اللوجستي أو تنفيذ عمليات إرهابية”.

رجل دين إيراني مهندس برمجيات

كانت صحيفة “التايمز” البريطانية نشرت تحقيقاً استقصائياً أعده أندرو نورفولك، وجعل من مهندس برمجيات إيراني الأصل يقيم في بريطانيا نقطة انطلاق تحقيقة الذي حمل عنوان “باحث ينشر الدعاية الإيرانية في بريطانيا”. وذكر نورفولك أن “لندن تحولت إلى مركز مهم للدعاية للنظام الإيراني”، وقال إن “مهندس البرمجيات واسمه (شابير حسنلي) هو أيضاً رجل دين شيعي، قام بتطوير برامج كومبيوتر تتيح للقنوات التلفزيونية الإيرانية المملوكة للدولة من الوصول إلى منازل ملايين المسلمين”. وأضاف: “حسنلي البالغ من العمر 48 سنة صمم تطبيقات الاندرويد والبرامج الخاصة بقناة (برس) الناطقة بالإنكليزية والقناتين التابعتين لهما وهما (هيسبان) الناطقة بالإسبانية و(العالم) العربية، وهذه القنوات الثلاث تابعة لهيئة الإعلام الرسمية. وكانت لندن منعت قناة (برس تي في) من البث في بريطانيا منذ عام 2012 بعد انتهاء رخصتها، وكذلك هسبان، لكنهما تابعتا البث عبر الانترنت بفضل تطبيقات حسنلي. وعام 2011 كان المصرف البريطاني ناشيونال وستمنستر (ناسوت) جمد حسابات القناة الفضائية الإيرانية (برس تي في) التي كان عمدة لندن السابق كين ليفينغستون يقدم فيها برنامجاً أسبوعياً، يتقاضى عنه مبلغ 500 جنيه استرليني لكل حلقة. في هذا الإطار كان النائب المحافظ ورئيس لجنة الشؤون الخارجية السابق توم توغينهات اتهم زعيم حزب العمال السابق كوربن بالحصول على مبلغ 20 الف دولار لقاء ظهوره على القناة”. ووفقاً للتحقيق أيضاً فإن “الكلية الإسلامية في لندن هي فرع لجامعة المصطفى الدولية في مدينة قم، وقال نورفولك إن “بعثة أهل البيت الإسلامية في لندن تعد الذراع البريطانية للمجمع العلمي لأهل البيت الذي مقره في طهران”. 

فاجأت ألمانيا هي الأخرى العالم وإيران بقرارها بحظر نشاطات “حزب الله” اللبناني بعد معارضة لفترة طويلة من المستشارة أنغيلا ميركل. ففي أوائل شهر أيار/ مايو 2020، أعلنت برلين حظر الحزب الذي يضم في صفوفه أكثر من 1000 عضو من مواطنين لبنانين، يحملون الجنسية الألمانية في الفيدرالية بحسب ما تم نشره من معلومات. 

بعد اتخاذ القرار داهمت الشرطة الألمانية 4 حسينيات وجمعيات في برلين ودورتموند ومونستر وبريمن، لها صلات بالحزب، وقالت الشرطة إن هذه المواقع تخضع منذ سنوات لمراقبة أجهزة الشرطة الاتحادية. ووصف موقع “بيزنس إنسايدر” الأميركي هذه المداهمات بأنها “أكبر عملية لمكافحة الإرهاب في ألمانيا منذ سنوات”. وقال إن “هذا القرار يمثل قطيعة مع سياسة الاتحاد الأوروبي التي ظلت تميز بين ما تسميه الجناحين العسكري والسياسي في الحزب”. ووفقاً لمصادر استخبارية رفيعة “برلين اكتشفت نشاطات (مذهلة) للحزب على أراضيها، من بينها مستودع سري في إحدى مدن الجنوب الألماني اخفي فيه الحزب مئات الكليوغرامات من (نترات الامونيوم) التي تستخدم في تصنيع المواد المتفجرة، إضافة إلى معلومات تتعلق بعدد من رجال الاعمال الذين استغلوا العمل في التجارة لغسيل الأموال وتحويلها للحزب في بيروت حيث نقلوا مئات الملايين من اليورو إلى حسابات مصرفية تابعة للحزب، واستخدموا جزءا منها لتمويل نشاطاتهم في ألمانيا وأوروبا. 

 وذكر تقرير هيئة حماية الدستور “الاستخبارات الداخلية” لعام 2018، الصادر صيف 2019، أن “المركز الإسلامي في هامبورغ أسس شبكة واسعة في عموم الأراضي الألمانية، تمارس نفوذاً كبيراً على الجاليات الشيعية المنحدرة من جنسيات مختلفة إلى حد يصل إلى السيطرة الكاملة”. وقالت الحكومة الفيدرالية في مذكرة بعثتها إلى البرلمان في 21 آب/ أغسطس” إن محتوى رسائل وخطب المركز الإسلامي الشيعي في هامبورغ يعد ثمرة للاتصالات مع  إيران التي تعمل لتصدير ثورتها، وهذا يتعارض مع الدستور الألماني والنظام الديمقراطي”.

ويعد المركز أحد أهم أركان منظمة المجتمع الإسلامي للمنظمات الشيعية في ألمانيا التي تأسست في ألمانيا في 1999. وجاء في مذكرة الحكومة إلى البرلمان أن “المنظمات والمساجد الألمانية التي تخضع للنفوذ الإيراني، تعمل نظرياً تحت مظلة المجتمع الإسلامي للمنظمات الشيعية، لكن المركز في هامبورغ هو المحرك الأساسي لها”. 

ووفق موقع “غوته” الألماني، فإن منظمة المجتمع الإسلامي للمنظمات الشيعية حصلت على تمويل من الاتحاد ألاوروبي في 2019، بلغ 137 ألف يورو، فيما بلغ حجم التمويلات الألمانية لها في الفترة بين 2016 و2019 بلغ 120 ألف يورو، في إطار برنامج يرمي إلى مكافحة التطرف الديني. 

وسّعت إيران شبكتها في أوروبا انطلاقاً من الأراضي الألمانية، حيث أسست في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، حسينية في العاصمة الدنماركية، وتخضع مباشرة للمركز الإسلامي في هامبورغ، وفق تصريحات صحافية للخبير الألماني في الشؤون الإيرانية، كريستيان أوستهولد. 

فرنسا أحد مراكز النشاط الإيراني الفعال

يعود الحضور الإيراني والوجود الشيعي في فرنسا إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، والشيعة في فرنسا ليسوا  إيرانيين فحسب، بل هم من عدد من بلدان العالم، أهمها مدغشقر ولبنان وباكستان والعراق والمغرب العربي، علاوة على الشيعة من أصل فرنسي وأبناء المهاجرين. تمثل فرنسا أهمية خاصة لدى آيات الله، فباريس شكلت الملاذ لمنظر الثورة الإسلامية آية الله خميني بعد طرد صدام له من العراق حيث كان يقيم في النجف، وأيضاً منطلقاً لإشعال نار التمرد الشعبي ضد نظام الشاه رضا بهلوي. يشكل الشيعة في فرنسا اليوم قوة مذهبية هائلة، إضافة إلى أنها معقل المعارضة المتمثلة بمنظمة مجاهدي خلق التي تعتبرها إيران ارهابية. وأهمية فرنسا لإيران تكمن في كونها تضم أعداداً من المسلمين، تصل إلى ستة ملايين شخص، أي ما يعادل نحو 8.8 في المئة من عدد السكان الإجمالي، بحسب دراسة لمركز (بيو) الأميركي للبحوث واستطلاعات الرأي. 

خصص النظام الإيراني ميزانية ضخمة للإنفاق على الشبكات والمراكز الثقافية والدينية التي أقامها في أوروبا.

الشيعة في فرنسا إما مهاجرون أو ابناء مهاجرين ولاجئين من مناطق النزاعات المسلحة، أو باحثون عن مستقبل أفضل، وهناك أيضاً شيعة من أصول فرنسية. ووفقاً لتقارير متعددة، فإن رجل الدين الإيراني مهدي روحاني لعب دوراً كبيراً في تأسيس المركز الإسلامي الإيراني في باريس، والذي أصبح أداة لنشر ايديولوجية الثورة الإسلامية، فيما لعبت السفارة بحسب “مركز المزماة للدراسات والبحوث”، دوراً مهماً في الاستقطاب السياسي والديني، من خلال القيام بالكثير من النشاطات لجذب الشيعة والسنة في فرنسا”. يقدر عدد الشيعة من أتباع المذهب الجعفري الاثني عشري في فرنسا بحوالى 300 ألف شخص وفقاً لبياناتWorld Shia Muslims Population، أي يشكلون نسبة تصل إلى 2 أو 3 في المائة من عدد السكان العام بحسب مركز (بيو). ويعيش نحو نصفهم في العاصمة باريس وضواحيها، في حين يتوزع النصف الآخر على مناطق فرنسية أخرى، أهمها مدن وضواحي ليون وتولوز ومونبيلييه وليل ومرسيليا وغيرها. 

أعلن مصدر دبلوماسي فرنسي في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 أن “المخابرات الفرنسية توصلت إلى معلومات مؤكدة تشير إلى أن وزارة الاستخبارات الإيرانية خططت لهجوم في باريس”، وذلك بعد ساعات على مداهمة السلطات الفرنسية مركزاً شيعياً، هو “مركز الزهراء في فرنسا”، وأفاد بأن قراراً حكومياً اتخذ بتجميد أصول ادارة تابعة لوزارة الاستخبارات الإيرانية وشخصين متهمين بالوقوف وراء خطة أحبطت في نهاية حزيران/ يونيو 2018 للاعتداء على تجمع لحركة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة قرب باريس. 

خصص النظام الإيراني ميزانية ضخمة للإنفاق على الشبكات والمراكز الثقافية والدينية التي أقامها في أوروبا. وكشف تقرير صادر عن “منتدى الإيرانيين الأميركيين”، أن هذا المراكز تعتبر عملياً مقرات لفليق القدس. ووفقاً لما ورد في التقرير فإن الرئيس الألماني استقبل في 30 نيسان/ أبريل عام 2018 وفداً من الجمعية الإسلامية للتجمعات الشيعية في ألمانيا، وهي منظمة يستخدمها الحرس الثوري لإدارة وتمويل عدد كبير من الحسينيات والمراكز الإسلامية الشيعية في ألمانيا. ويتولى رئيس “المركز الإسلامي في هامبورغ” رجل الدين رضا رمضاني منصب رئيس مجلس العلماء في هذه الجمعية، وهو أيضاً عضو في مجلس خبراء القيادة الإيراني. ووصفته صحيفة “بيلد” الألمانية بأنه “ممثل المرشد الأعلى علي خامنئي في ألمانيا”. 

يولي المسؤولون الألمان أهمية فائقة لهذه الجمعية، ويقيمون علاقة عالية المستوى مع إدارتها، ما يوضح قوة النفوذ الإيراني في ألمانيا التي هي في الواقع مركز التنظيم الدولي للنظام الإيراني في أوروبا ككل، مثلما هي حركة الإخوان المسلمين التي تتخذ من لندن مركزاً لتظيمها الدولي. وهناك الكثير من المراكز الإيرانية التي تقوم بتصدير أفكار دينية وبثها في صفوف الجاليات العربية والإسلامية. أحد هذه المراكز المهمة هو “منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية” (ICRO)، ويرتبط بجامعة المصطفى الدولية في طهران التي تقوم بإعداد رجال الدين الأجانب والدعاة للمذهب الشيعي في جميع أنحاء العالم. وكان الرئيس الألماني فرانك شتاينماينر التقى بادارة هذه المؤسسة واثنى على عملها قبل قرار حظر حزب الله.

ودول اسكندنافيا أيضا…

تعد المملكة المتحدة من ركائز نشر الدعاية الإيرانية والتشيع في أوروبا، وتتولى هذا الأمر جمعيات ومراكز مختلفة لها حضور قوي، كما يمتد الجهد الإيراني الى الدول الاسكندنافية والذي بدأ مع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، فحينها بدأ توافد اللاجئين والمهاجرين الإيرانيين والعراقيين. 

إلا أن كتاباً بعنوان “الشيعة في السويد”، ألفه الباحثان غوران لارشون وديفيد تورفل، أشار إلى أن أول مجموعة شيعية وصلت إلى هذه الدولة الغنية جاءت من أوغندا في أوائل السبعينات من القرن الماضي، وكان عدد أفرادها 2000 شخص، غالبيتهم من التجار والعائلات الغنية. ومن ثم وصل الإيرانيون والعراقيون الشيعة للعمل في مصنع “ساب” لإنتاج السيارات، وتقاطر بعد ذلك وصول مجموعات شيعية من أفغانستان والباكستان والهند ولبنان. وأسس هؤلاء جمعيات دينية في مناطق إقامتهم.

لطالما استخدمت طهران العمل الخيري بفروعه التعليمية والثقافية والإغاثية والتدريبية، وجعلته بمثابة اذرعها الطويلة التي مكنت ثورة الملالي الإيرانية من تكريس وتعزيز نفوذها السياسي والأمني في دول الاتحاد الأوروبي، تدعمها في ذلك الديبلوماسية المراوغة، وشبكة من المصالح في داخل هذه البلدان. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني